رؤى

عندما يتصالح الاجتهاد الفقهي مع العلم.. إثبات بنوة طفل المغتصبة بإجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA)

مقدمة أصوات:

عندما انفجر الجدل قبل سنوات بقضية إلحاق النسب ببنت نجم سينمائي شهير- التفت المجتمع المصري ومؤسساته الدينية والطبية والنخب المصرية، إلى ما تعانيه في صمت وقهر مئات من الأسر الفقيرة التي وصمت اجتماعيا ولحق بها العار.

هذا مقال كاشف للدكتور عبد الباسط هيكل، أحد ابناء مدرسة الاجتهاد المصري الأزهريّة المعاصرة، التي تشمل نجوما لامعة من رفاعة وعبده.. مرورا بآل عبد الرزاق وعبد المتعال الصعيدي والشيخ شلتوت، والقائمة تمتد حتي تصل للإمام الطيب الشيخ أحمد الطيب.  

حكم محكمة يفاضل بين فتويين، من دائرتين من نفس المرجعية الأزهريّة، ويختار ما يتفق منهما مع التقدم العلمي، ويجبر خاطر المجتمع دون أن يخطّئ إحداهما ويتحقق به معني من معاني المقولة الفقهية المعروفة “إن اختلاف العلماء رحمة”.

—————————————————

قضت محكمة استئناف المنصورة في القضية رقم (9829/75ق) لسنة 2026 بإثبات بنوة طفل المغتصبة، وكانت المحكمة قد طلبتْ من الأزهر إبداء الرأي الديني في القضية، فجاء ردّ الأزهر متمثلا في لجنة الفتوى بمجمع البحوث برفض إثبات النسب، ثمّ جاء ردّ الأزهر متمثلا في أمانة هيئة كبار العلماء بقبول إثبات النسب، وهو ما استندت إليه المحكمة في حكمها.

وهذا يطرح عدة أسئلة: لماذا رجّح الأزهر اجتهادا ونقيضه في قضية واحدة؟ كيف أن اختلاف الجهات المنوط بها الفتوى في الأزهر رحمة، وليس فوضى؟ وكيف أن هذا الاختلاف كاشف لأدوات إنتاج الأحكام الفقهية؟ ما أدلة مجمع البحوث الإسلامية في رفض إثبات النسب؟ وما أدلة هيئة كبار العلماء في إثبات النسب؟ وكيف أنّ هذا الاختلاف بينهما يُؤكّد تنوع التراث الفقهي ومشروعية الاختيار بين اجتهاداته وإن خالف الاختيار رأي جمهور الفقهاء؟ كيف أنّ الدين الإسلامي داخله تعدد في الفكر الديني الإسلامي، فمن الخطأ الجمود عند فكر بعينه؟ ما حيثيات المحكمة في القول بإثبات النسب؟

تقدّمت السيّدة التي تعرّضت لجريمة الاغتصاب إلى محكمة استئناف المنصورة بالدعوى رقم 592 لسنة2021؛ لإثبات نسب طفلتها لأبيها المُدَان بالاغتصاب بحكم محكمة النقض، التي قضت بعقوبة السجن سنة مع الشغل، وكان الدليل الذي استندت إليه محكمة النقض في القضية هو تحليل البصمة الوراثية (DNA) الذي أجرته النيابة أثناء التحقيق في القضية، فبعد أن قضت محكمة الدرجة الأولى والمستأنف ببراءته من جريمة الاغتصاب، طعن النائب العام المصري على الحكم، وطلبت النيابة تحليل البصمة الوراثية الذي أثبت نسب الصغيرة للمتهم بما أثبت الشقّ الجنائي المتمثل في واقعة الاغتصاب حيث يُؤخذ بتحليل البصمة الوراثية (DNA) في الشقّ الجنائي. ولأول مرة يُؤخذ به في إثبات البنوة الكاملة للطفلة التي وُلدت من حادث اغتصاب.

فقد قررت المحكمة الأخذ بنتيجة البصمة الوراثية للحمض النووي (DNA) في ثبوت نسب الطفلة محل النزاع استنادا إلى “أن أمانة هيئة كبار العلماء تُرجّح من الوجهة الشرعية إثبات نسب الطفلة إليه، وترتيب جميع الآثار المترتبة على النسب الصحيح في حقّها، فتثبت لها جميع حقوق الأبناء الناشئين عن زواجٍ شرعيٍّ من نفقة، ورعاية، وإرث، وسائر ما كفله الشرع الحنيف للأولاد صيانة لحقوقهم وحفظا لكرامتهم الإنسانية. وهذا لا يعد بحال من الأحوال إقرارا بجريمة الاغتصاب أو تهوينا من شأنها.. فالشريعة الغرّاء قررت أصلا عظيما لا يتخلف: وهو {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؛ فلا يحمل الطفل تبعة جريمة لم يقترفها”.

وقد أرفقت المحكمة في أوراق القضية فتوى مجمع البحوث الإسلامية، وفتوى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف المختلفين بين الرفض والإثبات، فجاء ردّ الإدارة الشرعية التابعة لمجمع البحوث الإسلامية على الخطاب الوارد من محكمة استئناف المنصورة الدائرة 31 أسرة، وقرار المحكمة الصادر بتاريخ 26-7-2025 بخصوص إبداء الرأي الشرعي في القضية الاستئناف رقم 9829 ل75 ق أسرة في المنصور بعدم إثبات نسب الطفلة التي أتتْ من اغتصاب، ورأت أنّ فتواها تحمى عقد الزواج وحقوق الزوجين والولد والأسرة والمجتمع.

وقد بنت الإدارة الشرعية لمجمع البحوث الإسلامية حكمها برفض النسب على ثلاثة أمور:

أولا: أنّ النسب من المهمات التي اعتنت بها الشريعة الإسلامية، فلا يثبت إلا إذا كان الطفل ناشئا عبر الإطار الشرعي، الذي رغّب فيه الشرع، وهو النكاح الصحيح (الفراش) فقط، فعن طريقه فقط تترتب الأحكام الشرعية والحقوق الثابتة من النفقة، والولاية، والحضانة، والتحريم بالمصاهرة، والميراث، والقصاص في الأحكام. وما ثبت النسب إلا تكريما للمنتسب، وليس كرامةً للمعصية.

ثانيا: فيما يتعلق بشأن إمكان نسبة الطفلة إلى الزاني، فقد اتفق الفقهاء على أنه: إذا كانت المرأة فراشا أي متزوجة، وولدت من الزنا، فإن الولد يُنسب إلى زوج المرأة صاحب الفراش، ولا يثبت نسبه للزاني بحال؛ وإن نفاه صاحب الفراش؛ عملا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”. أما إذا كانت المرأة غير فراش، أي ليست زوجة، فقد أجمع الفقهاء على أن الولد يُنسب إلى أمّه، ولا يُنسب إلى الزاني ما لم يستلحقه، ولم يُعلم أن أحدا من العلماء قال بنسبة ولد الزنا إليه في هذه الحالة.

وما استقرَّت عليه اللجنة من خلال عريضة الدعوى وما أُرفق بها من مستندات، هو أن المُدَّعى عليه أقرَّ بالفعل، لكنه لم يستلحق الطفلة به نسبا، ولا يُعبر ذلك عن ثبوت النسب كما قرره الفقهاء.

ثالثا: المرأة ليس لها الحق في إلحاق الطفل بأبيه إلا بزواج، فإن كان الطفل من غير زواج فاستلحاق الطفل أي طلب إثبات النسب يكون بناء على طلب الرجل فقط وليس المرأة.

وقد اختلف الفقهاء إذا طلب الأب الزاني أن يثبت نسب الطفل على قولين:

القول الأول: أنه يُلحق بأمّه، ولا يُلحق بالزاني، وإنّ ادّعاه لنفسه، وهو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وأهل العلم؛ لحديث عائشة، رضي الله عنها: “الولد للفراش وللعاهر الحجر”. ولأنّ النسب نعمة من الله تعالى في علاقة مشروعة، فلا ينبغي أن يترتب ثبوت النسب على الزنا، وهو جريمة؛ لأنّه لا يلحق به إذا استلحقه، فلم يلحق به بحال، كما لو كانت أمه فراشا.

القول الثاني: أنه يُلحق بالزاني إذا استلحق الزاني الطفل أي إذا أقرَّ بنسبته إليه، وهو مذهب إسحاق بن راهويه، واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.

وعليه: فقد أجمع أهل العلم على أن الرجل إذا أقرَّ بأنه زنى بامرأة، وحملت منه، ولم يُقرَّ بنسبة الحمل إليه، فإن الحمل لا يلحقه، ولا يمكن نسبته إليه. أما إذا أقرَّ به، وأراد استلحاقه ونسبته إلى نفسه، فلعدالة المحكمة الأخذ بما تراه مناسبا لها من أحد القولين السابقين.

أما عن إثبات النسب بتحليل البصمة الوراثية (DNA): فإن ذلك لا يكون إلا مع وجود زوجية قائمة (فراش) وقت ابتداء الحمل، ويكون التحليل حينئذٍ قرينةً تُعين في الإثبات، لا وسيلةً مستقلة لإثبات النسب أو نفيه. فإذا انتفى الفراش فلا يثبت النسب بمجرد تحليل البصمة الوراثية؛ لأنه من فعل البشر، وهو عرضة لاحتمال الخطأ.

وأما ما ورد في عريضة الدعوى بشأن أرجح الأقوال في المذهب الحنفي المعمول به في القانون المصري: فإنه لم يرد في المذهب الحنفي -فيما وقفنا عليه- أن ولد الزنا يُنسب إلى الزاني إذا لم يستلحقه لنفسه، بل جلّ ما رُوي، ونقله ابن قدامة رحمه الله في كتاب المغنى ج9، ص122: أن الإمام أبي حنيفة رحمه الله، قال: “وروى علي بن عاصم عن أبي حنيفة، أنه قال: لا أري بأسا إذا زنى الرجل بامرأة فحملت منه، ثم يتزوجها مع حملها، ويستمر عليها، والولد ولد يُنسب إليه.”

وهذا يدل على أنه إذا أراد نكاحها، ونسبة الولد إليه جاز ذلك في هذه الرواية، أما إذا لم يُرد ذلك، فلا يُجبر عليه، ولا يثبت النسب بمجرد الفعل. وقد جاء في كتاب: “بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للكسائي الحنفي ج6، ص243) “وَإِذَا عَرَفْت أَنَّ نَسَبَ الْوَلَدِ مِنْ الرَّجُلِ لَا يَثْبُتُ إلَّا إذَا صَارَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا لَهُ فَلَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ مَا تَصِيرُ بِهِ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا وَكَيْفِيَّةِ عَمَلِهِ فِي ذَلِكَ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ الْمَرْأَةُ تَصِيرُ فِرَاشًا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا عَقْدُ النِّكَاحِ وَالثَّانِي مِلْكُ الْيَمِينِ إلَّا أَنَّ عَقْدَ النِّكَاحِ يُوجِبُ الْفِرَاشَ بِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ عَقْدًا مَوْضُوعًا لِحُصُولِ الْوَلَدِ شَرْعًا قَالَ النَّبِيُّ «تَنَاكَحُوا تَوَالَدُوا تَكْثُرُوا فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمْ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ بِالسَّقْطِ» وَكَذَا النَّاسُ يُقْدِمُونَ عَلَى النِّكَاحِ لِغَرَضِ التَّوَالُدِ عَادَةً فَكَانَ النِّكَاحُ سَبَبًا مُفْضِيًا إلَى حُصُولِ الْوَلَدِ فَكَانَ سَبَبًا لِثَبَاتِ النَّسَبِ بِنَفْسِهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ النِّكَاحُ الصَّحِيحُ وَالْفَاسِدُ إذَا اتَّصَلَ بِهِ الْوَطْءُ لِأَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يَنْعَقِدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ عِنْدَ بَعْضِ مَشَايِخِنَا لِوُجُودِ رُكْنِ الْعَقْدِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ وَالْفَاسِدُ مَا فَاتَهُ شَرْطٌ مِنْ شَرَائِطِ الصِّحَّةِ.

في المقابل جاءت فتوى هيئة كبار العلماء مثبتة للنسب مستندين في ذلك إلى أن الشريعة تتطلع إلى إثبات النسب؛ لما في الإثبات من مصالح شرعية معتبرة، فيقول ابن عابدين الحنفي: “النسب مما يُحتال لإثباته بما أمكن”، كما أن الشريعة تحتاط لنفي النسب؛ ولهذا فإن النسب يثبت بالطرق الظنية بضوابط معتبرة عند الفقهاء، منها القيافة والاستلحاق بينما لم يقل أحد من الفقهاء بنفي النسب بشيء من هذه الأشياء، لما في النفي من مفاسد محققة؛ ولا ينتفي إلا باللعان بشروطه، وواقعة الدعوى تتعلق بإثبات النسب من حالة الاغتصاب من فتاة لا زوج لها مع وجود تحليل البصمة الوراثية الذي يُثبت البنوة.

وقالت بأنه لا مانع من الأخذ بنتيجة تحليل البصمة الوراثية في جانب إثبات النسب بشروط، بينما يظل الاعتماد على البصمة الوراثية في النفي مسألة اجتهادية ظنية لا ترقى للترجيح على الفراش الصحيح.

أدلتهم:

1-أخذ بنمط اجتهادي عرفه الفقهاء لاسيما الشافعية، وهو كما قال الشيخ البجيرمي: “وينبغى أن يُلحق بالمعصوم ما لو دلّت القرائن عليه القطعية”. فرأت الأمانة أنه يندرج تحت هذا النمط في الاجتهاد والاستنباط.

2- أن نفي النسب عن الزاني اعتبره الفقهاء عقوبة له مع استحقاقه للعقوبة الحدية، بينما الواقع الآن أن إثبات النسب هو العقوبة، والمكافأة هي نفي النسب عنه، إذ إثبات النسب فيه إلزام بالنفقة، مع ما يترتب على ذلك من الحفاظ على مصلحة الصغير.

واستندت الأمانة إلى أنّ الفقهاء قد اختلفوا في هذه المسألة على قولين:

القول الأول: لا يثبت النسب بالزنا، وهو قول جمهور الفقهاء. فابن الزنا لا يُنسب إلى الزاني، ولو ادعاه واستلحقه به، وهو قول عامة العلماء من المذاهب الأربعة والظاهرية وغيرهم .قال ابن عبد البر رحمه الله تعالى: فكانت دعوى سعد سبب البيان من الله عز وجل على لسان رسوله -صلى الله عليه وسلم- فِي أَنَّ الْعَاهِرَ لَا يَلْحَقُ بِهِ في الإسلام ولد يدعيه من الزنى، وَأَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ عَلَى كُلِّ حَالٍ وقال النووي: “وقال مالك والشافعي وأبو ثور وغيرهم: لا أثر لوطء الزنى، بل للزاني أن يتزوج أم المزني بها وبنتها، بل زاد الشافعي فجوز نكاح البنت المتولدة من مائه بالزنى”( شرح النووي على مسلم:10/ص40).

وفي المغني:” ويحرم على الرجل نكاح بنته من الزنى، وأخته، وبنت ابنه، وبنت بنته، وبنت أخيه، وأخته من الزنى. وهو قول عامة الفقهاء. وقال مالك والشافعي في المشهور من مذهبه: يجوز ذلك كله، لأنها أجنبية منه، ولا تنسب إليه شرعا، ولا يجري التوارث بينهما…”(المغني لابن قدامة:7/ص91). ومن أراد التوسع فلينظر: “المبسوط” للسرخسي (17/154)، “بدائع الصنائع” للكاساني (6/243)، “المدونة” (2/556)، “أسنى المطالب في شرح روض الطالب” (3/20)، ” المغني” (6/228)، “المحلى” (10/142).

القول الثاني: يثبت النسب بالزنا، وهو قول بعض الفقهاء منهم الحسن البصري، سليمان بن يسار (ت 107 هـ)، وعروة بن الزبير (ت 94 هـ) وعطاء (ت 114 هـ)، وإسحاق بن راهويه (ت 238 هـ) وقال به بعض فقهاء الحنابلة، ونُسب اختياراً لشيخ الإسلام ابن تيمية (ت 728 هـ) واختارَه العلامة ابن القيم (ت 751 هـ) ففي (حاشية الروض المربع ج7، ص45): “وإن استحلق ولده من الزنا، ولا فراش لحقه، وهو مذهب الحسن، وابن سيرين، والنخعي، وإسحاق”، وفي (الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ج9، ص269): “إن استلحق ولده من الزنا ولا فراش لحقه، ونصّ الإمام أحمد – رحمه الله – فيها: لا يلحقه. وقال في -الانتصار في نكاح الزانية- يسوغ الاجتهاد فيه. وقال في الانتصار أيضا: يلحقه بحكم حاكم. وذَكَر أبو يعلى الصغير وغيره مثل ذلك”. وقال الشيخ محمد رشيد رضا في (تفسير المنار ج4، ص282): “والظاهر أنه يجب على الرجل استلحاق ولده من الزنا مع العلم بأنه ولده، بأن يكون زنى بامرأة ليست بذات فراش في طهر لم يُلامسها فيه رجل قط، وبقيت محبوسة عن الرجال حتى ظهر حملها”. وينسب إلى القديم من مذهب الإمام الشافعي، وهو الذي تُرجحه الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء.

الأدلة على إثبات نسب ولد الزنا لأبيه إذ لم تكن الأم فراشا لأحد: عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “كان رَجُلٌ في بَني إسرائيلَ يُقالُ له جُرَيجٌ يُصَلِّي، فجاءَته أُمُّه، فدَعَته، فأبى أن يُجيبَها، فقال: أُجيبُها أو أُصَلِّي، ثُمَّ أتَته فقالت: اللهُمَّ لا تُمِتْه حتَّى تُريَه وُجوهَ المومِساتِ، وكان جُرَيجٌ في صَومعتِه، فقالتِ امرَأةٌ: لَأفتِنَنَّ جُرَيجًا، فتَعَرَّضَت له، فكَلَّمَته فأبى، فأتَت راعيًا، فأمكَنَته مِن نَفسِها، فولَدَت غُلامًا فقالت: هو مِن جُرَيجٍ، فأتَوه وكَسَروا صَومعتَه، فأنزَلوه وسَبُّوه، فتَوضَّأ وصَلَّى ثُمَّ أتى الغُلامَ، فقال: مَن أبوك يا غُلامُ؟ قال: الرَّاعي، قالوا: نَبني صَومعتَك مِن ذَهَبٍ، قال: لا، إلَّا مِن طينٍ.” أخرجه البخاري (2482) واللفظ له، ومسلم (2550) مطولا

ووجه الدلالة من الحديث: أن جريجا نسب ابن الزنا للزاني وصدّق الله نسبته بما خرق له من العادة في نطق المولود بشهادته له بذلك وقوله أبى فلان الراعي فكان تلك النسبة صحيحة؛ فيلزم أن يجري بينهما أحكام الأبوة والبنوة”.

2-عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا عند النبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّم إذ جاءه رجل من أهل اليمن، فقال: إن ثلاثة نفر من أهل اليمن أتوا عليا رضي اللهُ عنه يختصمون إليه في ولد وقد وقعوا على امرأة في طهر واحد، فقال للاثنين منهما: طيبا بالولد لهذا فغلبا، ثم قال للاثنين: طيبا بالولد لهذا فغلبا، فقال: أنتم شركاء متشاكسون، إني مقرع بينكم فمن قرع فله الولد وعليه لصاحبيه ثلثا الدية، فأقرع بينهم فجعله لمن قرع فضحك رسول اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم حتى بدت أضراسه، أو قال: نواجذه”.

ووجه الدلالة من الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أقرّ على رضي الله عنه في إثبات نسب طفل لأبيه بالقرعة، ولا شك أن تحليل البصمة الوراثية أقوى في الدلالة من القرعة، فساغ الحكم بإثبات النسب بمقتضى تحليل البصمة الوراثية.

وبناء على ما سلف بيانه: من تأصيل شرعي ونظر فقهي معتبر، ترى الأمانة العامة لهيئة كبار العلماء أن للمحكمة الموقرة الأخذ بإثبات نسب الطفلة محل النزاع إلى المدعى عليه؛ استنادا إلى ما انتهى إليه تحليل البصمة الوراثية من دلالة قوية في هذا الشأن وباعتباره قرينة قوية في باب إثبات النسب عند التنازع.

وإثبات النسب في هذه الحالة لا يُعدّ بحال من الأحوال إقرارا بجريمة الزنا، ولا تسويغا لاقترافها، ولا تهوينا من شأنها؛ فهي جريمة منكرة محرمة بنص الكتاب والسنة وإجماع الأمة، قائمة على الاعتداء على حدود الله وانتهاك حرماته، غير أن الشريعة الغراء فرقت بين ثبوت الجريمة واستحقاق العقوبة، وبين حفظ حقوق الأبرياء وصيانة أنسابهم؛ فلا يُؤخذ بريء بجريرة غيره، ولا تُحمل نفس إثم سواها، قال تعالى: “{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؛ ومن ثمّ فإن إلحاق الطفلة بأبيها صون لحقها في النسب، وحماية لها من الضياع والوصم، وتحقيق لمقصد عظيم من مقاصد الشريعة في حفظ النسل، دون أن يمس ذلك حكم الجريمة أو يُخفف من قبحها الشرعي”.

الخلاصة: أنّ مجمع البحوث الإسلامية نظر إلى تحليل البصمة الوراثية (DNA) بأنه احتمالي، فهو من منظوره فعل بشري قابل للخطأ، في المقابل جعلت أمانة هيئة كبار العلماء تحليل البصمة الوراثية قرينة مثبتة للنسب الذي تتشوق الشريعة لإثباته، وليس إنكاره؛ لذا أكدت على رفض أن يكون تحليل البصمة الوراثية قرينة في إنكار النسب، فطفل الزنا من امرأة متزوجة يُنسب لزوجها حيث فراش الزوجية وليس للزاني، ولا يُعتدّ في تلك الحالة بتحليل البصمة الوراثية رغم أن إنكار النسب عن الزوج قد يكون مصحوبا بإثباته لغيره.

من جانب آخر، منحت أمانة هيئة كبار العلماء المرأة حقّ استلحاق ولد الزنا بأبيه، أي طلب إثبات النسب، ولم تجعله حقا خاصا بالرجل، كما جاء في فتوى مجمع البحوث، ففي الوقت الذي أكّدت فتوى مجمع البحوث الإسلامية أن دعوى ثبوت النسب (الاستلحاق) للطفل المولود من الزنا حق حصري للرجل وليس للمرأة بإجماع الفقهاء، ونقلت اختلاف الفقهاء بين رأي الجمهور الرافض لإثبات النسب فيُنسب لأمه، ورأي بعضهم القائل بقبول طلب الرجل إثبات النسب، فيُنسب لأبيه، سنجد أن أمانة هيئة كبار العلماء نقلت هذا الاختلاف دون أن تُشير إلى إجماع الفقهاء على أن الاستلحاق/ إثبات النسب حق للرجل، وليس للمرأة، وأنّ الخلاف بين الفقهاء في حكم إثبات النسب خاص بحالة إذا طلب الرجل إثباته.

لم تأخذ المحكمة بتوصيف إدارة الفتوى التابعة لمجمع البحوث الإسلامية واقعة الاغتصاب بالزنا، فقررت المحكمة أنّ ثمة اختلاف فقهي شرعي بين الزنا والاغتصاب مستندة إلى مفهومهما اللغوي، والفتوى الشرعية الصادرة عام 1980 عن دار الإفتاء المصرية بأن هناك فرق بين نسب ابن الاغتصاب وابن الزنى.

كما أنّ المحكمة قررت أن ثبوت النسب ليس حقا للرجل فقط كما جاء في فتوى مجمع البحوث الإسلامية، وإنما هو حق أصيل للأم؛ لتدفع عن نفسها تهمة الزنا، أو أن تُعيّر بولد ليس له أب معروف، كما أنّ إثبات النسب حق أصلى للولد؛ لأنه يُرتّب له حقوقا بيَّنها المشرع والقوانين، ويتعلق بها أيضا حق الله تعالى لاتصاله بحقوق وحرمات أوجب الله رعايتها فلا تملك الأم إسقاط حقوق ولدها أو المساس بحقوق الله تعالى.

وانطلقت في حكمها بإثبات البنوة إلى قاعدة شرعية مستقرة ومتفق عليها في الفقه الإسلامي أنّ ” الضرر لا يُزال بضرر”، وأنّ الضرورات تُبيح المحظورات وأصلها التشريعي الحديث الشريف “لا ضرر ولا ضرار” وكان من تطبيقاتها ما استنبطه الفقهاء من أنّه إذا تعارضت مفسدتان رُؤي أعظمها ضررا بارتكاب أخّفها، وإذا تعارضتْ مفسدة ومصلحة قُدّم دفع المفسدة، أو بعبارة أخرى دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح.

ورأت المحكمة أنّه من المقرر قانونا أن تحليل البصمة الوراثية، وهو التركيب الوراثي الناتج فحص الحمض النووي لعدد واحد أو أكثر من أنظمة الدلالات الوراثية، يُعدّ من الوسائل الحديثة التي سمح الشرع والقانون باللجوء إليها في إثبات نسب الطفل إذ نصّت الفقرتان الأول والثانية من القانون رقم 12 لسنة 1996 بإصدار قانون الطفل المستبدلة بالقانون رقم 126 لسنة 2008 أن “للطفل الحق في إثبات نسبه الشرعي بكافة وسائل الإثبات بما فيها الوسائل العلمية المشروعة ومن أهمها “البصمة الوراثية”..

شكرا للنائب العام المصري الذي طعن على براءة المتهم من قضية الاغتصاب وأعاد القضية للتحقيق وطلب إجراء تحليل البصمة الوراثية (DNA) لتعود القضية للمحكمة مرة أخرى بدليل إثبات لواقعة الاغتصاب، شكرا لأمانة هيئة كبار العلماء على اجتهادها الفقهي المتصالح مع العلم والحقوق الأساسية للإنسان، شكرا لهيئة محكمة استئناف المنصورة على حكمها التاريخي في القضية رقم (9829/75ق) لسنة 2026 الذي أنصف المرأة والطفلة، وحقّق العدالة الغاية القرآنية الكبرى، والمطلب الإنساني الذي تطوق إليه المجتمعات.

 

 

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى