تمر اليوم الذكرى الثمانون لميلاد الفنان نور الشريف، الذي استطاع أن يترك بصمة لا تُمحى في تاريخ الفن العربي عبر العديد من الأعمال الناجحة والمتميزة وذات القيمة الفنية العالية، ضمن أعماله التي قاربت المئتين وخمسين عملا فنيا، تنوعت بين الأفلام السينمائية، والمسرح والدراما التليفزيونية والأعمال الإذاعية.
من بين تلك الأعمال المتميزة، تقف في المقدمة أعماله مع المخرج عاطف الطيب، التي بدأت بـ “الغيرة القاتلة” عام 1982، وهو الفيلم المقتبس من مسرحة “عطيل” لشكسبير، ولم يلق الفيلم أي نجاح لأسباب عديدة، تعلقت بعدد من الأخطاء التي وقع فيها الطيب، ما تسبب في وقوع إيقاع العمل.. لكن نور وعاطف يقدمان في نفس العام أهم أعمالهما معا, “سواق الأتوبيس” الذي حقق نجاحا كبيرا وفاز نور بجائزة أفضل ممثل في مهرجان نيودلهي السينمائي، وحصد الفيلم عددا كبيرا من الجوائز.
بعد ذلك بثلاث سنوات أقدم الثنائي الموهوب على تجربة جديدة هي فيلم “الزَّمَّار” عن مسرحية “هبوط أورفيوس” لتينسي وليامز.
لا أدري على وجه الدقة، ما الأسباب التي حالت دون نجاح فيلم “الزمار” نجاحا يليق بقيمة الفيلم الفنية العالية! ربما عانى الفيلم من مشكلات مع الرقابة، التي رأت أن الفيلم يحمل نقدا مباشرا للسلطة القائمة؛ فحاولت منعه من العرض ثم تعطيل عرضه، ثم السماح بعرضه في وقت غير مناسب.. حتى تجاوزه صانعوه أنفسهم إلى أعمال أخرى.
اختار الطيب قرية ريفا بمحافظة أسيوط بصعيد مصر، لتكون مكانا لتصوير مشاهد الفيلم، واختار مجموعة عمل من أفضل المواهب الفنية، على رأسهم بطلة الفيلم محسنة توفيق ونعيمة الصعير التي أدت دورا من أبدع ما قدمت، إلى جوار توفيق الدقن بأداء بالغ العمق والقوة، وفي أحد أهم أدوار العمل تألق الفنان -قليل الحظ- المبدع وحيد عزت في دور حنفي، بجانب العملاق علي الشريف وبوسي والمبدع صلاح السعدني.
في الزمار تألق نور الشريف، في دور الشاب الجامعي المسيس حسن، الطالب في كلية الهندسة. نفهم من الأحداث أن حسن تعرّض للاعتقال والتعذيب بعد عرض مسرحي في الجامعة، رأت السلطات أنه تجاوز حدود المسموح به، يهرب حسن منتقلا من قرية إلى قرية في الصعيد، بحثا عن الأمان والاستقرار، بعيدا عن بطش السلطة؛ حتى يستقر به المقام في قرية العرَّابة، بائعا في محل بقالة.
ورغم أن حسن يظل حبيس آلامه النفسية لفترة؛ إلا أن طبيعة الثائر والفنان تغلب عليه فيتماهى مع أهل القرية، ويحمل معهم هموهم محاولا مساعدتهم على مواجهة الظلم الواقع عليهم.
الشاب الثوري الحالم الذي يحاول إصلاح العالم، وإيقاظ روح الثورة في الناس، يواجه بأطماع البعض وثارات قديمة وروح انتقامية وحب يائس.. أوقد كل ذلك النار من حوله، وجعله فريسة لا تستطيع الفكاك من مصيرها المحتوم.
في الناحية الأخرى من المأساة تقف مريم (محسنة توفيق) بكل ما تحمله من شجن وحزن قديم، يحاول حسن الوقوف بجانبها، فيكون حتفهما هو النهاية.. بل سبيل النجاة الوحيد لشخصين كاملي البراءة والطهر في مجتمع قاس لا يرحم.
لعب الطيب على التناقض الظاهري في شخصية البطل بين الهروب والمواجهة، بين لوعة الحب والتطهر، وبين التسليم بالأمر الواقع والرغبة القوية في التغيير.. واستوعب نور ذلك جيدا، فخرج أداؤه بالغ الصدق والشاعرية وكذلك أداؤه الصوتي لكلمات الشاعر عبد الرحيم منصور الذي صاغ السيناريو والحوار أيضا مع موسيقى بليغ حمدي.
استطاع الزمار -من خلال أنين الناي- التعبير عن معاناة البشر في مواجهة الاستغلال والجشع، وربما كان موت الزمار يحمل قيمة ما لاستمرار الصراع بين الخير والشر، أو لانتصار الدم على السيف.
وينتهي الفيلم بصوت نور: “بتعيشي وهم كبير.. حواليك بيغنوا فوارس فوق ضهور الخيل.. مخبيين السناكي في جراب القلب.. ومخبيين الغناوي في جراب الليل أنا جيت لك وأنا ماشي على كتفي حلم تقيل، لو كان جمل كان عض بانيابه الخذال. رحم الله نور الشريف








