رؤى

بعد مضي ثلاثة أشهر.. هل يخسر ترامب الحرب ضد إيران؟

ترجمة: أحمد بركات

ربما انتصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في جميع معاركه التي خاضها ضد إيران، ولكن بعد ثلاثة أشهر من هجومه على الجمهورية الإسلامية، يواجه ترامب الآن سؤالا أكثر إلحاحا، وهو: هل الرئيس الأمريكي بصدد خسارة مهينة في هذه الحرب؟

فمع إحكام طهران قبضتها على مضيق هرمز، ورفضها تقديم أي تنازلات في الملف النووي، واستمرار حكومتها “الثيوقراطية” في قيادة البلاد، تتزايد الشكوك حول قدرة ترامب على ترجمة النجاحات التكتيكية التي حققها الجيش الأمريكي في بداية الحرب إلى نتيجة نهائية يمكن التأطير لها، على نحو مقنع، على أنها انتصار جيوسياسي.

في هذا السياق، يؤكد العديد من المحللين أن الدعاوى المتكررة التي يطلقها الرئيس الأمريكي بشأن تحقيق انتصار ساحق تبدو جوفاء، حيث يترنح الطرفان بين الدبلوماسية غير اليقينية والتهديدات الأمريكية، التي تظهر تارة وتختفي أخرى، باستئناف الضربات، والتي من المؤكد أنها ستؤدي إلى ردود إيرانية انتقامية في جميع أنحاء المنطقة.

ويواجه ترامب في الوقت الحالي خطر خروج بلاده وحلفائه الخليجيين من الصراع في وضع أسوأ مما كانوا عليه قبل الحرب، فيما قد ينتهي المطاف بإيران، برغم خسائرها الاقتصادية والعسكرية، بزيادة نفوذها بعد أن أظهرت قدرتها على خنق خُمس الإمدادات العالمية من النفط والغاز.

صحيح أن الأزمة لم تنته بعد، وأن بعض الخبراء يتركون الباب مفتوحا أمام احتمالية أن يجد ترامب مخرجا يحفظ له ماء وجهه إذا ما انتهت المفاوضات لصالحه، إلا أن آخرين يتوقعون أفقا حالكا لترامب بعد الحرب.

في هذا الإطار قال آرون ديفيد ميلر، الخبير في السياسة الخارجية الأمريكية، والمفاوض السابق في شئون الشرق الأوسط في إدارات جمهورية وديمقراطية: “لقد مضت ثلاثة أشهر، وإذا بالحرب التي صُممت لتكون نزهة قصيرة وانتصارا سهلا تتحول إلى فشل استراتيجي طويل الأمد”.

بالنسبة لترامب يبدو الأمر مهما، خاصة بسبب حساسيته المفرطة تجاه أن يوسم بأنه ’خاسر‘، وهي التهمة التي طالما نسبها إلى خصومه. وفي السياق الإيراني على وجه التحديد، يرى ترامب نفسه قائدا لأقوى جيش في العالم في مواجهة قوة من الدرجة الثانية تعتقد فيما يبدو أنها تمتلك اليد العليا.

ويرجح محللون أن هذه المفارقة قد تدفع بترامب، الذي لم يحدد بعد شكل نهاية اللعبة، إلى رفض أي حلول تبدو تراجعا عن مواقفه المتشددة، أو تكرارا للاتفاق النووي الذي وقَّعه الرئيس باراك أوباما في عام 2015، مع إيران، وانسحب منه ترامب من جانب واحد في ولايته الأولى.

وقد صرحت المتحدثة باسم البيت الأبيض، أوليفيا ويلز، بأنه: “لقد حققنا أو تجاوزنا جميع أهدافنا العسكرية في ’عملية الغضب الملحمي‘”، مضيفة أن “الرئيس ترامب يحكم قبضته على جميع أوراق اللعبة، ويحتفظ بحكمة بجميع الخيارات على الطاولة”.

الضغط والإحباط

خاض ترامب حملته الانتخابية للولاية الثانية متعهدا بعدم إقحام الجيش الأمريكي في أي تدخلات غير ضرورية، ولكنه لم يلبث أن أوقع بالولايات المتحدة في مأزق قد يلحق أضرارا بالغة بسجل سياسته الخارجية بشكل دائم، ويفقده المصداقية والموثوقية لدى الدول الأخرى.

وتتابع أحداث تلك المواجهة في الوقت الذي يواجه فيه ترامب ضغوطا داخلية على خلفية ارتفاع أسعار البنزين في الولايات المتحدة، وتراجع معدلات تأييده بعدما زج بالبلاد في أتون حرب غير شعبية قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل.

ويسعى الحزب الجمهوري إلى الاحتفاظ بسيطرته على غرفتي الكونجرس. ونتيجة لذلك، يعتقد بعض المحللين أن الرئيس الأمريكي ـبعد مضي أكثر من ستة أسابيع على اتفاق وقف إطلاق النارـ يواجه خيارا صعبا، وهو إما القبول باتفاق معيب كمخرج، أو التصعيد العسكري والمخاطرة بتعقيد الأزمة لفترة أطول.

ويشير المحللون إلى أنه في حال انهيار الدبلوماسية، قد يوجه الرئيس الأمريكي، من بين خيارات خرى، سلسلة من الضربات القوية، والمحدودة في الوقت نفسه، ليصوّرها على أنها انتصاره النهائي.

كما يلفت المحللون إلى احتمال آخر، هو أن يحاول ترامب صرف الانتباه إلى كوبا، كما ألمح، لتغيير الموضوع الذي يمثل الشغل الشاغل للعالم ولمحاولة إحراز نصر أسهل هناك.

ولكن في تلك الحالة أيضا قد يخطئ الرئيس الأمريكي في تقدير التحديات التي قد تفرضها عليه هافانا، تماما كما اعتقد أن عملية إيران ستكون على غرار مداهمة 3 يناير، والتي أسفرت عن اعتقال رئيس فنزويلا وإحلال نائبته محله.

برغم ذلك فإن ترامب لا يعدم من يدافعون عن موقفه. فقد رفض ألكسندر جراي، كبير المستشارين في ولاية ترامب الأولى، فكرة أن حملة ترامب ضد إيران توشك أن تتداعى.

ووصف جراي، الذي يشغل حاليا منصب الرئيس التنفيذي لشركة “أمريكان جلوبال استراتيجيز” للاستشارات، الضربة القاصمة التي وُجهت للقدرات العسكرية الإيرانية بأنها “نجاح استراتيجي” في ذاتها، وأن الحرب قد قربت دول الخليج من الولايات المتحدة وباعدت بينها وبين الصين، وأن مصير البرنامج النووي الإيراني “لم يُحسم بعد”.

ومع ذلك، ثَم مؤشرات على أن ترامب يشعر بالإحباط نتيجة عدم قدرته على السيطرة على الخطاب العام. فقد هاجم منتقديه بضراوة، واتهم وسائل الإعلام بـ”الخيانة”.

ولا يزال الصراع مستمرا لضِعف المدة القصوى التي حددها ترامب، وهي ستة أسابيع، عندما أطلق مع إسرائيل شرارة الحرب الأولى في 28 فبراير. ومنذ ذلك الحين ظهرت تصدعات واضحة في صفوف المشرعين الجمهوريين الذين كانوا موحدين خلف رئيسهم.

في البداية، سرعان ما أدت موجة الغارات الجوية الأمريكية إلى تناقص مخزون الصواريخ الباليستية الإيراني، وإغراق معظم قواتها البحرية، وقتل العديد من كبار قادتها.

ولكن طهران ردت بإغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الطاقة بدرجة كبيرة، ومهاجمة إسرائيل وبعض دول الخليج. وعلى إثر ذلك أمر ترامب بفرض حصار على الموانئ الإيرانية، إلا أن ذلك لم يفلح أيضا في إخضاع طهران.

ورد القادة الإيرانيون على دعاوى الانتصار التي طالما روج لها ترامب بدعايات خاصة من جانبهم تؤكد أن حملة الرئيس الأمريكي قد مُنيت بهزيمة فادحة، رغم أنه كان من الواضح أن القادة الإيرانيين بالغوا في تقدير قدراتهم العسكرية.

الأهداف المتغيرة لم تتحقق بعد 

كان ترامب قد أعلن أن أهداف حربه تتمثل في إغلاق الطريق أمام طهران إلى امتلاك سلاح نووي، وتدمير قدرتها على تهديد المنطقة والمصالح الأمريكية، ومساعدة الإيرانيين على الإطاحة بحكامهم.

ولكن لا توجد أي مؤشرات على أن أهداف ترامب المتغيرة باستمرار قد تحققت، بل ويؤكد العديد من المحللين أنها لن تتحقق على الأرجح.

في هذا الإطار قال جوناثان بانيكوف، النائب السابق لرئيس المخابرات الوطنية لشئون الشرق الأوسط، إنه برغم أن إيران تلقت ضربات مدمرة، إلا أن قادتها يعتبرون ببساطة أن مجرد النجاة من الهجوم الأمريكي وإدراك حجم الهيمنة التي يستطيعون فرضها على الملاحة في الخليج “نجاحا بحد ذاته”.

وأوضح بانيكوف، الذي يعمل حاليا بمركز أبحاث “مجلس الأطلسي”: “لقد اكتشفوا أن بإمكانهم ممارسة هذا النفوذ دون أن يكلفهم ذلك عواقب وخيمة”، مضيفا: “لقد بدت إيران واثقة من قدرتها أكثر من ترامب على تحمل المزيد من الآلام الاقتصادية ولفترة أطول”.

وحتى الآن لم يتمكن ترامب من تحقيق هدفه الرئيسي المعلن من الحرب، والذي يتمثل في تجريد إيران من أي قدرة على امتلاك سلاح نووي، فيما لم تبد طهران استعدادا كبيرا لتقييد برنامجها.

ولا يزال يُعتقد أن مخزون اليورانيوم عالي التخصيب مدفونا تحت الأنقاض التي خلفتها الضربات الأمريكية والإسرائيلية في يونيو الماضي، وأن بالإمكان استعادته ومعالجته لإنتاج قنبلة نووية.

على الجانب الآخر تؤكد إيران أنها تريد أن تعترف الولايات المتحدة بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.

ومما زاد الأمور تعقيدا أن المرشد الأعلى الإيراني أصدر توجيها بعدم خروج أي كمية من اليورانيوم عالي التخصيب، والذي يمكن استخدامه لإنتاج قنبلة نووية، من البلاد.

وأشار بعض المحللين أن الحرب قد تدفع بإيران إلى مضاعفة جهودها لتطوير سلاح نووي لحماية نفسها، على غرار ما فعلته كوريا الشمالية.

كما أن هدف ترامب المعلن بإجبار إيران على التوقف عن دعم الجماعات المسلحة التي تعمل لها بالوكالة لم يتحقق بعد.

ومما يفاقم التحديات التي تثقل كاهل ترامب أنه يتعامل الآن مع قادة إيرانيين جدد أكثر تشددا من سابقيهم. ويُتوقع على نطاق واسع أنهم لا يزالون يمتلكون من الصواريخ والطائرات المسيرة ما يكفي لتهديد جيرانهم.

كما يعاني ترامب من تدهور العلاقات مع الحلفاء الأوروبيين التقليديين، الذين رفضوا الاستجابة لدعواته بالمساعدة في الحرب التي لم يُستشاروا بشأنها.

كما خرجت الصين ورسيا، وفق محللين، بدروس مستفادة بشأن أوجه القصور التي تعانيها العسكرية الأمريكية في مواجهة التكتيكات الإيرانية غير التقليدية، وكيف استُنفدت بعض إمداداتها من الأسلحة.

فقد أشار روبرت كاجان، الزميل في مؤسسة بروكينجز، إلى أن نتيجة هذه الحرب ستكون “انتكاسة لمكانة الولايات المتحدة تفوق انسحاباتها المهينة من الصراعات الأطول والأكثر دموية في فيتنام وأفغانستان، لأن تلك البلاد كانت بعيدة عن المسارح الرئيسية للمنافسة العالمية”.

وكتب في مقال نُشر مؤخرا في مجلة “أتلانتيك”، تحت عنوان “هزيمة ساحقة في إيران”: “لن تكون هناك عودة إلى وضع ما قبل الحرب، ولن يكون ثم انتصار أمريكي ساحق يفوق أو حتى يعوض ما لحق بالولايات المتحدة من أضرار”.

https://www.reuters.com/world/asia-pacific/three-months-is-trump-losing-iran-war-2026-05-23/

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى
زر الذهاب إلى الأعلى