مقدمة أصوات:
هذا المقال يكشف بوضوح استراتيجية اليمين في دولة الاحتلال، بشأن استغلال سوابق التاريخ التي اتخذتها الحكومات المختلفة خاصة تلك المحسوبة على اليسار، ويتوقف شاؤول آريئيلي عند اتفاق أوسلو الذي يعتبره اليمين “ثالثة الأثافي” و”أم الخطايا” وأن اليسار الذي أبرمه هو المتسبب في الإرهاب.. على هذا النهج يطرح آريئيلي الكثير من الأمثلة، ويخلص إلى أن الاستخدام الانتقائي للتاريخ الذي يمارسه اليمين الإسرائيلي الآن، له ثمن باهظ على الصعيد الجماهيري والصعيد السياسي؛ لأنه يصادر النقاش حول المستقبل.
نخلص من المقال إلى أن الحكومات في دولة الاحتلال -وإن تباينت مواقفها ظاهريا- لا تغادر مربع المماطلة الوقتية التي لا ينبني عليها شيء.. يسار يتفق ولا يُنجز ولا قدرة له على الحسم.. ويمين ينقلب على اتفاقات الدولة وتتعدد تفسيراته لها وفق مصالحه الآنية ما يعنى عدم جدوى التفاوض مع حكومات العدو في كل الأحوال.
كتب: شاؤول آريئيلي 5/6/2026
لا يقتصر النقاش السياسي في إسرائيل على الحدود والأمن والهوية فقط، بل يتجاوز ذلك إلى الذاكرة الجماعية، ومسألة من يسمح له باستخدام التاريخ. والأهم من ذلك هو كيف يتبنى اليمين في إسرائيل منهج ثابت، فعند تفسير أي فشل أو كارثة أو أزمة يلقي اللوم على اليسار، بسبب أخطاء ارتكبها في السابق. ولكن عند تبرير سياسة مثيرة للجدل في الحاضر، يقلب التاريخ رأسا على عقب وتصبح أفعال اليسار في السابق فجأة سابقة تعطي الشرعية.
المثال البارز على ذلك هو اتفاق أوسلو. في خطاب اليمين لا يعتبر اتفاق أوسلو عملية سياسية فقط لم تؤد إلى تسوية دائمة، بل خطأ أساسي يفسر كل إخفاق. وقد كرر نتنياهو مرارا وتكرارا ادعاء أن “أوسلو هو أم الخطايا”، بل وعرض تمييز بين حماس والسلطة الفلسطينية يقوم فقط على حجم الدمار “الذي لحق بنا على أيديهم” وليس على النوايا. وفي كانون الأول 2023، قارن نتنياهو عدد القتلى منذ اتفاق أوسلو مع مذبحة 7 أكتوبر، في محاولة لتحميل ذلك الاتفاق المسئولية عن الكارثة (“تايمز أوف إسرائيل”، 12 كانون الأول 2023). هذا ليس تفسير تاريخي فقط، بل هو إطار فكري.. بحسبه اليسار هو الذي تسبب بالإرهاب، بما في ذلك أحداث 7 أكتوبر، وهناك من يتبناها رغم أن نتنياهو نفسه يشغل منصب رئيس الحكومة منذ العام 2009.
على مر السنين التزمت حكومات اليمين بالمفهوم السياسي والأمني نفسه، الذي يرجع سياق التاريخ إلى بداية التسعينيات والدعم الدولي الكبير للمحادثات والجهود المبذولة للتوصل إلى اتفاق، وحقيقة أن اتفاق أوسلو بني مسبقا بوصفه عملية تدريجية تعتمد على قرارات لاحقة صعبة – قرارات رفضتها إسرائيل، وليس الطرف الفلسطيني فقط. فبدلا من توضيح ما الذي نجح وما الذي فشل، وما بني بحيث يحتاج إلى قرارات تكميلية لنجاحه، يطرح استنتاج واحد حاسم: لقد كان الاتفاق كارثي، وبالتالي، أي محاولة دبلوماسية في المستقبل محكوم عليها بتكرار هذه الكارثة.
هناك نمط مشابه حول الانسحاب من قطاع غزة. رغم أن هذه الخطوة نفذت من قبل حكومة اليمين برئاسة آريئيل شارون، ولم تكن تهدف إلى تعزيز أي اتفاق، بل -كما صرح رئيس مكتبه دوف فايسغلاس- تهدف إلى “إضفاء الطابع الرسمي على العملية السياسية”. وقد تبنى اليمين السياسي الانسحاب باعتباره رمزا لـ “مبدأ الانسحاب”، ويعتبره الدليل على أن أي انسحاب من الأراضي سيؤدي بالتأكيد إلى تهديد أمني.
أيضا الانفصال عن غزة يُعرض بمعزل عن سياقه – خطوة أحادية الجانب بدون اتفاق أو تنسيق أو دعم دولي. في نفس الوقت تطمس سياسة العزلة التي اتبعها نتنياهو وخلفاؤه من النقاش، والمقولة الصريحة بأن حماس هي “ذخر” (بالتحديد بسبب معارضتها للحل السياسي)، والخيار الاستراتيجي لإدارة النزاع بدلا من حله.
بدلا من إجراء نقاش جوهري حول الانسحاب والشروط اللازمة لأي خطوة سياسية، اصبح بمثابة إشارة تحذير تكفي لإنهاء أي نقاش. وهكذا، بشكل عبثي تقريبا، تعتبر أي خطوة تهدف إلى منع التوصل إلى تسوية سياسية- الدليل على أن أي تسوية سياسية في المستقبل ستكون كارثية بالضرورة. لقد طمس التمييز الأساسي بين الانسحاب أحادي الجانب والاتفاق السياسي لصالح رواية بسيطة وفعالة تقوم على الترهيب.
مع ذلك، عندما يريد اليمين تبرير خطوات مثيرة للجدل في الوقت الحالي فإنه يُحرّف التاريخ في الاتجاه المعاكس. مثلا، عندما صرح بتسلئيل سموتريتش في الكنيست بأن بن غوريون كان يجب عليه “استكمال المهمة” وطرد جميع العرب (“تايمز اوف إسرائيل”، 13/10/2021)، فإن النقاش لا يدور حول التصريح نفسه فقط، بل حول الآلية النفسية التي يعمل فيها: دافيد بن غوريون، أبو حركة العمال الذي دعا الى التسوية، يستخدمه اليمين لتبرير التطرف. إذا كان اليسار في ذلك الحين متواطئ في مظالم 1948، كما يُزعم، فإن اليسار الآن لا يملك أي حق أخلاقي في تقديم المواعظ. هذا ليس تحليل تاريخي، بل هو استغلال انتهازي للماضي، استغلال منفصل عن التعقيدات التي عمل فيها بن غوريون عشية قيام الدولة وعن الظروف الوجودية في تلك الفترة.
ينطبق نفس المنطق على مشروع الاستيطان. فعند انتقاده يكون رد اليمين المعتاد: “من الذي بدأ فيه؟ اليسار”. وبالفعل، في الأعوام 1967 – 1977 بنيت عشرات المستوطنات وفقا لخطة إلون. ولكن السياق غُيِّبَ. فقد كانت خطة إلون تهدف، في ظل استمرار رفض العرب الاعتراف بإسرائيل ووجود جبهة تهديد شرقية محتملة، إلى تقليص دمج السكان الفلسطينيين تحت سيادة إسرائيل بقدر الإمكان.
ليس بالصدفة أن إتسحاق رابين كتب في كتابه “سجل الخدمة”: “لا يجوز لنا دفع المستوطنين اليهود إلى قلب الضفة الغربية المكتظة بالسكان العرب”. وقول “اليسار بدأ” بدون توضيح كيف وأين ولماذا هو قول غير تاريخي، بل هو مجرد شعار يسوقه من يجهلون.
مستحيل الادعاء في نفس الوقت بأن اليسار خطير لأنه أخطأ في السابق، وأن سياسة اليمين شرعية لأنها تكمل ما فعله اليسار. فإما أن يكون الماضي هو تحذير يحتاج إلى التصحيح، أو سابقة ترسخ استمراره. يختار اليمين دائما الخيار الذي يخدم هدفه المباشر: نزع شرعية الخصم عندما يكون من الضروري تحميله المسئولية، وإعطاء الشرعية لنفسه عندما يريد تبرير خطوة إشكالية.
ينضم الوسط السياسي والأحزاب الحريدية المتشددة لهذه اللعبة. أحزاب الوسط تتبنى أجزاء ملائمة من رواية اليمين، وتنفي أوسلو باعتباره قرار اتخذ في ظروف مختلفة، لكنها تمتنع عن الدفاع عن فكرة التسوية السياسية نفسها. وهكذا هي تسمح لليمين بتصوير أوسلو بأنه فشل ذريع بدون تقديم بديل.
بالنسبة للأحزاب الحريدية المتشددة يعتبر استخدام التاريخ أكثر براغماتية. فعندما يتعلق الأمر بالتجنيد أو التعليم أو الميزانيات؛ فإنهم يتبنون بحماسة إرث بن غوريون والوضع الراهن (رسائل بن غوريون لاغودات يسرائيل في 1947). وعندما يتعلق الأمر بالمستوطنات أو الضم او الصراع السياسي فإنهم ينحازون لليمين ويقولون إن هذا “استمرارية صهيونية” لا جدال فيها (اتفاق الائتلاف مع الليكود في الأعوام 2015 – 2023). وكون بن غوريون، الزعيم الاشتراكي العلماني، هو في نفس الوقت أبو الوضع الراهن والشخص الذي يرتبط اسمه بالنكبة، يسمح للحريديين بالانتقال بحرية بين الروايات. فبالنسبة لهم التاريخي لا يعتبر مرجع أخلاقي أو أيديولوجي، بل مستودع جيد للاقتباس.
يوجد لهذا الاستخدام الانتقائي للتاريخ ثمن باهظ على الصعيد الجماهيري والصعيد السياسي. فعندما تُرفض أي مبادرة سياسية مسبقا باعتبار أنها استمرارية لـ “كارثة أوسلو”، يُغلق النقاش حول المستقبل. فبدلا من التساؤل عما تغير وما وجوه القصور الجوهرية في اتفاق أوسلو، وما هي الآلية التي كانت غائبة عنه، تكتفي سياسة إسرائيل بشعار واحد وهو “نحن حاولنا بالفعل”. هذا ليس درس تاريخي، بل هو بالأحرى، تهرُّب التفكير.
هذا التناقض يتفاقم بسبب أن إسرائيل منذ العام 2009، تحكم بشكل متواصل من قبل حكومات اليمين أو يمين الوسط. في هذه الفترة لم يُحرز أي تقدم في الترتيبات السياسية، وتعمقت سيطرة إسرائيل على الضفة الغربية، وأصبح الصراع معقدا أكثر. مع ذلك، عندما يحدث الفشل – وصولا إلى ذروته في 7 أكتوبر- يُوجه إصبع الاتهام للماضي: إلى اسحق رابين، شمعون بيريز واتفاق أوسلو. يستخدم التاريخ هنا بوصفه نوعا من بوليصة التامين السياسية، الأمر الذي يمنع إجراء نقاش حقيقي حول المسئولية في الوقت الحالي.
لا يخلو اليسار من الأخطاء، ولا يخلو اليمين من بعض المغالطات. المشكلة تكمن في استخدام التاريخ أداة دعاية وتبرير. والتاريخ الموظف يكون ضيق الأفق ومقطوع عن سياقه. يصبح الماضي سلعة سياسية، ونتيجة لذلك يبقى المستقبل بدون وجهة. والدولة التي تجادل في التاريخ بدون معرفته بشكل كامل، تجد صعوبة في صياغة رؤية مستقبلية.








