فن

عبد العزيز مخيون.. قطار “سفر الأحلام” في محطة الوصول!

غادر الحالم دنيانا بعد رحلة طويلة.. وصل قطار “سفر الأحلام” إلى محطته الأخيرة.. انطوت صفحة من أروع صفحات الفن العربي، برحيل عبد العزيز مخيون الفنان الملتزم المهموم بقضايا وطنه وأمته.. المثالي الذي ظل قابضا على جمر المبدأ، مخلصا لكل قيمة نبيلة.. متمسكا بأحقية المواطن العربي في الحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم.

في “سفر الأحلام” رائعة وحيد حامد -قبل أربعين عاما- شارك مخيون في المسلسل في دور المهندس عادل درويش -دلالة الاسم لا تخفى على أحد- الشاب الذي هاله ما حاق بالوطن من فساد، فطار عقله وهام في الطرقات على وجهه، يوجه نصائحه للمصريين؛ بضرورة الانتباه لما يحاك لبلادهم من مؤامرات؛ تتبدى في أشكال من الإهمال واللامبالاة واستمراء الفساد والتعايش معه.. المهندس عادل الذي نراه ينظف الشوارع تارة وينظم المرور تارة أخرى.. ونراه يعمل في المحاجر، وفوق عربات الرمل.. لم يفقد عقله بالكلية.. لكنه حافظ على منطق يستطيع أن يجابه به عقلية ضابط الشرطة الذي يتهمه بالتسول.. يهرب من مسئوليته بصفته رب أسرة صغيرة تتكون من زوجة مريضة بداء عُضال وطفل.. إلى المسئولية الأكبر تجاه وطن يتداعى تحت ضربات الفساد والاستبداد والخروج من معادلة القوى بزعم السلام.

عادل يقدم لنا حلا نبيلا -غير منطقي- لمعضلة تستعصي على الحل؛ فليس معنى استحكام اليأس أن يتقوقع كل منا على ذاته أو يحاول النجاة فرديا.. في براح الوطن بين ناسه يمكن أن يتبدد يأسك وإن تاه الأمل في طريقه إليك.. في آخر مشاهده في المسلسل يظهر عادل مترجلا في أحد الميادين.. وقد رفع راية رسم عليها طائرا.. مرددا “المستقبل في البيضة.. الصحة والعافية في البيضة.. الكتكوت في البيضة…” في إشارة إلى ضرورة العودة إلى البداية إلى أصل المشكلة.. بعد ثبوت عدم جدوى الحلول غير الجذرية.

ورغم أن دور مخيون في “ليالي الحلمية” أرسخ في ذاكرة الدراما.. ربما لارتباطه بمعنى النضال والشهادة، كما يمثل طه السماحي طيفا هاما في شخصية الفنان مخيون الذي كان حاضرا في كل مواقف الانتصار للقيمة.. إلا أن المهندس عادل درويش في “سفر الأحلام” أقرب إلى تكوين الفنان الذي لم يفلت الحلم، وحاول بكل طريق أن يصل إلى بغيته النبيلة، متعاليا على الصغائر التي نثرها الأوغاد أمامه؛ مستعينا بصلابة حافظ عليها عامدا متعمدا؛ حملت ملامح فلاح من “أبو حمص” كما كان يحب أن يصف نفسه دائما.. كان هذا الارتباط بالأرض هو ما جعله لا يستقر كثيرا في القاهرة.. كان مخيون ينتقل بين الفيوم والبحيرة ولا يتواجد بالقاهرة إلا للعمل فقط.. كان غضا ما دون العشرين عندما رأى المترو يسحق طفلا منهيا حياته.. شيء ما ربط بين القاهرة والقسوة في نفسه.. شعور لم يستطع التخلص منه أبدا.. رغم أنه عرف القاهرة بكل تفاصيلها كما لم يعرفها أحد.. إلا أن الألفة التي نشبت بين قلبه والمدينة.. لم تمتد لمسافة طويلة.. ربما لأنه كان دائم الهروب من غوايتها، برعاية تلك “البداوة” الخشنة التي حملها من مسقط رأسه، رغم أنه كان من عائلة ثرية.

عندما يغادر عادل درويش محطته الأخيرة في سفر الأحلام يكون قد أتم مهمته ومنحنا وعيا عميقا بقيمة الفن في حياة الإنسان.. بضرورة أن تكون مؤمنا بالقيمة ومدافعا عنها.. متحملا في سبيلها كل ثمن.. موقنا أن المار بهذا العالم لا بد أن يترك أثرا من خلال دور يرفض المواءمة ولا يخشى التمرد.. بل يراه أقرب إلى الطبيعة الإنسانية المجبولة على التغيير والتطلع إلى الأفضل.. وداعا مخيون درويش الوطن.. وداعا أيها الحالم النبيل.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.
زر الذهاب إلى الأعلى