مقدمة أصوات: في هذا المقال -المنشور اليوم- يكشف عاموس هرئيل، عن الوضع المتردي الذي وصل إليه جيش الاحتلال في جنوب لبنان.. وعن حجم الخسائر الكبيرة التي يتكبدها على يد المقاومة اللبنانية، وموقف نتنياهو الذي يحاول تخريب مذكرة التفاهم بين إيران وأمريكا، وهو ما حذّره منه فانس، وأن الامر قد يصل إلى فرض قيود على توريد السلاح.. المأزق الإسرائيلي داخليا وإقليميا ودوليا بات مستحكما.. ونُذره توشك أن تكتب نهاية نتنياهو وجماعته من اليمين المتطرف.. وربما كان عامل الوقت هو ما يحاول نتنياهو اللعب عليه.. لتسليم التركة لبينيت أو آيزنكوت أو يائير غولان وقد غاص جيش الاحتلال في مستنقع الجنوب اللبناني حتى أذنيه، ما يجعل استخراجه من هناك من الصعوبة بمكان.
المقال: بعد ليلة صعبة أخرى، شهدت قتل أربعة مقاتلين إسرائيليين وإصابة خمسة آخرين في حادثين في جنوب لبنان، أعلنت الإدارة الأمريكية بعد ظهر يوم الجمعة وقف جديد لإطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله. قبل ذلك بساعات قصفت إسرائيل مواقع لحزب الله في قرى في المنطقة، ووعد رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو برد قاس على حزب الله. ولكن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تدخّل مجددا وفرض وقف للقتال.
عمليا، مثلما في الجولات السابقة، ما زال وقف إطلاق النار غير مفعّل فعليا، ويستمر القتال بشكل متقطع على طول بعض خطوط التماس بين الجيش الإسرائيلي وحزب الله. ولكن رغم التصريحات الشديدة لوزراء الحكومة إلا أن الاتجاه يتضح بالتدريج: ترامب حريص على تنفيذ مذكرة التفاهم التي وقّعها مع إيران ووقف الحرب في الخليج، وهو يخشى أن تعرقل إسرائيل خططه بتصعيد الصراع في لبنان. لذلك، يحاول الرئيس وقف القتال هناك أيضا. إيران، التي تعرف عمق التورط الاستراتيجي الذي زجت فيه إسرائيل نفسها، تستغل الوضع من أجل حث حزب الله العمل على أمل ربط الجبهتين. وبسبب الضغط الذي يتعرض له ترامب فإن إيران تعتقد كما يبدو أنها ستتمكن من انتزاع المزيد من التنازلات منه عبر إسرائيل.
من ناحية إسرائيل ربما يكون هذا أسوأ سيناريو ممكن: ارتفاع عدد الضحايا (أفيد في هذا الأسبوع عن مقتل خمسة جنود إسرائيليين في لبنان)، وواقع إقليمي خطير تفرض فيه اتفاقيات إشكالية عليها في قطاعات كثيرة، وأزمة سياسية داخلية، وربما أخطر مشكلة على المدى البعيد: اتساع الفجوة مع الإدارة الامريكية الصديقة. ترامب يرسل رسائل متضاربة تشمل إطراءات غريبة بعض الشيء لنتنياهو، إلى جانب بعض الإهانات الطفيفة، لكن نائبه جي دي فانس، الأكثر انتقادا، عبّر بوضوح عن موقف واشنطن: من الأفضل لإسرائيل التزام الصمت وتحمل العواقب، لأن اعتمادها على الولايات المتحدة يكاد يكون تاما.
وقعت آخر الحوادث في لبنان، التي قتل في أحدها قائد الكتيبة 52 في سلاح المدرعات، المقدم دور بن سمحون، وثلاثة من أفراد طاقم الدبابة قرب قرية تبنيت وسلسلة جبال علي الطاهر في شمال قلعة شقيف ونهر الليطاني. كان الجيش الإسرائيلي قد نشر قواته هناك قبل وقف إطلاق النار، في محاولة للسيطرة على مركز قيادة وإطلاق صواريخ تحت الأرض تديره جماعة حزب الله. كان التقدم بطيئا وترافق مع خسائر في الأرواح. قتل أفراد طاقم الدبابة الأربعة بعد منتصف يوم الخميس، فجر الجمعة، لم تتضح ملابسات الحادث حتى الآن: طرحت احتمالية استخدام مسيرة مفخخة أو هجوم صاروخي مضاد للدروع. وقد واجهت عملية انتشال جثث القتلى صعوبة بسبب وعورة التضاريس واستمرار اطلاق النار في المنطقة.
وصف الجيش الإسرائيلي الموقع الذي استهدف بأنه مركز ثقل حيوي لحزب الله وأنه يجب استهدافه حتى مع اقتراب الحملة من نهايتها بتوجيه القاضي الأمريكي. وقد خفض الجيش الإسرائيلي نشاطاته الهجومية في لبنان وامتنع عن شن هجمات جوية على بيروت بضغط من ترامب. وما زال الجيش الإسرائيلي يتمركز على خط من المواقع على بعد حوالي 10 كم شمال الحدود مع لبنان. ولكن من غير الواضح إلى متى سيبقى هناك. أيضا يمكن لترامب أن يأمر نتنياهو بالانسحاب إذا رأى أن التوتر في لبنان ما زال يهدد الهدوء الذي حققه في الخليج، في حين أنه يستجيب بشكل شبه كامل لجميع طلبات النظام الإيراني.
تثير هذه الظروف تساؤلات جدية حول استمرار تواجد الجيش الإسرائيلي في المنطقة، لا سيما أن دخوله إليها في بداية آذار بذريعة الحملة الثانية في إيران، كان مثيرا للجدل. ويصعب جدا حماية القوات في ظل هذه الظروف، في ظل غياب حل فعال ضد المسيرات التي تعمل بالألياف الضوئية، وعدم وجود ترخيص باستخدام القوة النارية الثقيلة. إضافة إلى ذلك لا تسيطر سلسلة جبال علي الطاهر البعيدة على النيران الموجهة نحو المستوطنات الحدودية الشمالية على الجانب الإسرائيلي. ويبدو أن الجيش الإسرائيلي قد توغّل كثيرا داخل الأراضي اللبنانية بغض النظر عن الهدف الأصلي للعملية. والثمن باهظ جدا بالأرواح.
لا تناقش هذه الأمور في المجلس الوزاري، وبالتأكيد لا تُطرح علنا على الرأي العام. أيضا صوت الجيش لا يسمع بالقدر الكافي من القوة. يعرف كثيرون في هيئة الأركان العامة أن وضع القتال الحالي لا يخدم أي غرض استراتيجي مجد، وأن معظم تحركات القوات تتمحور حول نشر المواقع الأمامية والتدمير واسع النطاق، الذي يصل أحيانا إلى درجة الوحشية، للقرى اللبنانية جنوب الليطاني. ولكن ما يقوله الجيش بالفعل للقيادة السياسية هو ”قولوا ما تريدون ونحن سنفعله”، بدون إجراء نقاش عميق حول الأهداف والوسائل المطلوبة لتحقيقها.
أما نتنياهو نفسه فهو في وضع صعب على الصعيدين الشخصي والسياسي، وهو ما بدأ ينعكس أيضا في الاستطلاعات الأخيرة. يصعب الاستمرار في ترويج، حتى لبعض ناخبيه المخلصين، صورة النجاح عندما تنتهي الحملة في إيران بدون تحقيق الوعود، وفي ظل قتل جنود في لبنان وتعرض المستوطنات الحدودية للهجوم وتذمر الجيش من عجزه. من جهة أخرى، قد يتخذ ترامب خطوات إضافية ضده، حسب تلميحات فانس، وربما حتى في اتجاه فرض قيود على توريد السلاح، إذا حاول تخريب الاتفاقيات.
لكن هذا لا يمنع الوزراء من مواصلة الاحتجاج. فأمس دعا أحد الوزراء إلى قتل ألف لبناني مقابل كل قتيل في الجيش الإسرائيلي، وأعرب وزير آخر عن حزنه على وفاة بن سمحون، لكنه أخطأ في كتابة اسمه الأول، وأصدر وزير ثالث بيان حداد على وفاة “المقدم من غولاني”، في حين كان المتوفى في الواقع هو قائد في سلاح المدرعات. على شاشة التلفزيون اشتكى وزراء من أنهم هم، وليس “صاحب الشعر الأحمر” (ترامب)، الذين يجب ان يحضروا الآن جنازات الجنود الأربعة. في الواقع لم يحضر أي ممثل حكومي جنازة قائد الكتيبة. من جهة أخرى حرص رئيس الحكومة السابق نفتالي بينيت على الحضور.
الروليت الروسية
جثمان المقدم بن سمحون دفن بعد ظهر أول أمس في مقبرة كيبوتس بيت شيتا. وتحت أشعة الشمس الحارقة احتشد تقريبا ألف مدني وعسكري لإلقاء النظرة الأخيرة. وقدم قائده، قائد الفرقة 162 العميد سغيف دهان، اعتذار نيابة عن الكثير من أصدقائه الذين ما زالوا يقاتلون في لبنان.
ومن كلمات التأبين في الجنازة يمكن للمرء أن يستشف الانطباع نفسه الذي ترسخ خلال سلسلة اللقاءات القصيرة في السنوات الأخيرة مع بن سمحون، المتزوج من ضابطة في الخدمة الدائمة، وهو أب لولدين صغيرين: شاب ذكي، موهوب وساحر، يتمتع بروح دعابة نادرة في الأوساط العسكرية، حيث تسود الجدية المفرطة بين معظم العاملين.
في الساحة قبل دخول كيبوتس شيتا كتب أحدهم بخط اليد على لافتة “إلى متى”، إس.أو.إس (انقذونا)، لكن لم يكن هناك أي تلميح سياسي أو صوت احتجاج في الجنازة نفسها. وتحدث شقيق سمحون، الذي رثاه، عن ضرورة ضرب الأعداء. وقال الضباط أن عليهم مواصلة المهمة حتى لو لم يوضحوا على أي أساس يستند الهدف بالتحديد.
من المرجح ان تستمر لعبة الروليت الروسية التي يمارسها الجيش الإسرائيلي في لبنان في الأسابيع القادمة، تبعا لردود فعل ترامب. ويبدو أن نتنياهو والوزراء متشائمون جدا، ويبدو أن الجيش يخشى من مواجهتهم بشأن أهداف الحرب. في نهاية المطاف ربما هذه المرة أيضا سيظهر سياسي – بينيت؟ غادي ايزنكوت؟ يئير غولان؟ ليقدم للجمهور ما يحدث في لبنان والصلة الواهية بينه وبين التصريحات المتعلقة باستعادة الأمن لمستوطنات الشمال.








