يحلو لي تلقي تلك التطمينات التي يبثها دكتور مدبولي في ثنايا خطاباته ولقاءاته وتصريحاته بشأن الدولة المصرية.. فتلك التطمينات تسبب لي ارتياحا شديدا؛ بل وتقر بها عيني.. فالمواطن -عزيزي المواطن- إذ لم يكن مطمئنا تمام الاطمئنان على الدولة، فإنه لا يكون بخير على الإطلاق.. حاضر الدولة ومستقبلها.. أمنها وأمانها.. احتياجاتها ومتطلباتها- يجب أن يكون شغله الشاغل، هذا إذا كان مواطنا بحق.. فلا تقف الدولة لديه عند كونها كيانا اعتباريا جُعل ليكون مُنظما ومُسيّرا من خلال مؤسساته لمصالح الناس لتحقيق حالة من الرضاء العام بحسن الأداء- فهذا مفهوم قديم، قِدم تاريخ أول ظهور للدولة.. الوضع الآن اختلف كثيرا.. بل إن المفاهيم التبست حول الدولة الآنية التباسا كبيرا.. فرغم أنها ماثلة في عالم الأعيان، إلا أنها محتجبة أيضا في خفايا الأذهان.. لا يعلم بحالها -على وجه الحقيقة- إلا العالمون ببواطن الأمور من المقربين الذين يكون من أدق تفاصيل عملهم- بث هذه الرسائل المطمئنة لجموع المواطنين.. وربما حملت رسائل سابقة شيئا من الغموض، لا ترتاح له النفس.. وإن كانت تحمل شحنة كبيرة من الأمل إلا أنها أيضا باعثة على القلق، فليس مما يرتاح له المواطن -عزيزي المواطن- أن يجد مكان دولته المحبوبة -ذات صباح- شاغرا، بسبب أنها تركته وذهبت إلى مكان آخر، وإن كان هذا المكان أفضل بكثير، فالمواطن دائما ما يعدم طريقة للانتقال على نحو سريع وبصورة آمنة.
ما يرتاح إليه المواطن بحق هو أن يسمع عن الدولة “كل خير” بشأن ما تجاوزته من مصاعب، وما تغلبت عليه من معوقات وانتصارها على ما واجهها من تحديات.. والحديث عن كل ذلك بصيغة الماضي.. هنا ينتشي المواطن بإحساسه بالغفلة التامة والخدر اللذيذ الذي كان ينعم به، والدولة تعمل في صمت خشية إزعاجه.
يصدق المواطن بيقين تام ما يصدر عن الدولة من بيانات وتصريحات وقرارات وتأويلات، ويكذّب عينيه وظروفه ومعاناته وبؤسه، فإذا صدر قرار عنها ظاهره الإضرار به من ألف وجه وباطنه مصلحته من وجه واحد، فإنه يميل إلى القبول.. فإذا ما تراجعت الدولة ورأت تغيير موقفها، يكون مُقدرا تماما للأسباب التي أدت إلى ذلك، حتى دون الاطلاع عليها.. فالباعث الحقيقي لديه هو الحرص على صيانة الدولة وقوتها وحصانتها ومنعتها وديمومتها، وقدرتها على التأقلم والتماهي مع مختلف الظروف.
عندما يسمع المواطن عبارة “ليس على الدولة أن توفّر أو تقدّم أو تيسّر أو تحسّن أو تسمح… فإنه لا ينتظر بقية العبارة؛ فقد استقر في وعيه ذلك منذ زمن بعيد، وهو لا يترجم شطر العبارة في عقله إلى عجز أو خطأ أو سوء تقدير؛ بل يعزوه دائما إلى تقليص ٍواجب وامتناعٍ شريف وإحجامٍ متعقل عن فعل ليس إلى الوصول إليه سبيل؛ فيتحول عقله تلقائيا إلى ما يجب عليه هو تقديمه، وما سيقتطعه من قوته وقوت “عياله” ليقدمه للدولة حتى تقوى وتتبوأ المكانة التي تستحقها بين الدول.. فليس للانتماء ثمن يُدفع كما قال أحدهم، وليس على المواطن المحب لدولته انتظار العطاء منها وإن صغر. يريد المواطن مزيدا من عبارات الطمأنة التي لا تخص حاضره ولا مستقبل أولاده.. بل يريد عبارات تبعث في نفسه الطمأنينة بشأن اقتصاد دولته الذي سيكون من أقوى اقتصادات العالم بعد خمسة عقود، ما سيغمر جيل الأحفاد في رفاهية غير مسبوقة.. سيتذكرون وقتها بمزيد من الإكبار تلك التضحيات العظيمة التي قدمتها الدولة ورجالها بينما كان المواطن يغط في سبات عميق.




