“الحرب الأطول بتاريخ الدولة”٬ هكذا عنونت صحيفة معاريف العبرية تغطيتها، لدخول المعركة المستمرة منذ السابع من أكتوبر من عام 2023، على أكثر من جبهة يومها الألف.
ولكن وعلى العكس من الخطاب الذي تروِّج له الحكومة الصهيونية الحالية والذي يردده نفر غير قليل من “العرب” أيضا، والذي يقوم على فكرة مفادها أن دولة الاحتلال استطاعت استيعاب الضربة التي تلقتها في اليوم المشار إليه أعلاه، وحوّلت دفة المعركة لصالحها، فإن المحللين والمعلقين الصهاينة، كان لهم رأي آخر في هذا الشأن.
فصحيفة معاريف في تغطيتها المذكورة أعلاه، اعتبرت أن الدولة العبرية خرجت للقتال منذ ألف يوم و”علقت بدون استراتيجية خروج واضحة من المعركة”.
وهو ما ذهب إليه أيضا الوزير السابق وزعيم حزب يسرائيل بيتنا أفيغدور ليبرمان، حين صرَّح من منطقة غلاف غزة: “ألف يوم على الحرب وكافة الجبهات لا تزال مفتوحة بدون حسم”.
فكرة “غياب الحسم” رغم الإمكانيات العسكرية الضخمة، ورغم الدعم الأمريكي غير المحدود، عبَّر عنها أيضا المحلل العسكري ألون بن دافيد، في تصريحات للقناة 13 العبرية حيث قال: “ألف يوم على أطول حرب في دولتنا، والتي لا يوجد فيها حتى انتصار واحد”.
فعلى جبهة قطاع غزة المحاصر، اعتبر المحلل آفي يسخاروف، في مقال في صحيفة يديعوت أحرونوت، أنه “بعد ألف يوم من حربٍ ضاريةٍ مدمرة، حصدت خلالها مئات الأرواح في الجانب الإسرائيلي وعشرات الآلاف في الجانب الفلسطيني، حدث ما لا يُصدَّق”.
فالمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة “لم تنج من الحرب فحسب، بل تمكنت من البقاء، هيئة حاكمة وحيدة في غزة، رغم تضرر بنيتها العسكرية واغتيال غالبية قياداتها، كما أنها تعيد ترميم نفسها”.
حيث أن المقاومة في غزة وفقا ليسخاروف “تُعيد تسليح نفسها، وتُرمم البنية التحتية للأنفاق في الأراضي التي تسيطر عليها، وتُعيد إنتاج الأسلحة وحتى الصواريخ”.
أما على جبهة جنوب لبنان التي زعمت حكومة العدو مرارا وتكرارا أنها تمكَّنت من تصفية المقاومة فيها نظرا لاغتيال عدد من كبار قادتها، لا يبدو الوضع مختلفا.
فالمقاومة التي “حُيِّدَت” وفقا لقادة العدو، نفذت طبقا لتقرير للقناة 12 العبرية مئات الهجمات بين 17 أبريل 2026 و20 يونيو من نفس العام- تصدّرتها الهجمات بالطائرات المسيّرة والمحلّقات المفخخة، التي بلغ عددها 637 عملية وأطلقت المقاومة اللبنانية 402 هجوما صاروخيا و22 عملية بعبوات ناسفة.
هذه العمليات كان لها أثر على مستوطنات شمال فلسطين، حيث ذكر مركز تل حاي الإقليمي للمعرفة أن 85% من شباب الجليل (شمال فلسطين) غادروا المنطقة خلال الحرب، وأكثر من نصفهم أبلغوا عن تضرر قدرتهم على التحمل النفسي.
كما تضررت 84% من الشركات في المنطقة من حيث حجم مبيعاتها السنوية، وفكر ما يقرب من نصفها في الإغلاق أو الانتقال إلى مكان آخر، كما تعاني الزراعة -عماد الجليل- من ضربة قاسية.
وأضافت القناة 14 في التلفزة العبرية أن “عدد الأطفال في كل سنة دراسية في 80 مستوطنة يهودية انخفض بنحو 40%” معتبرة أن هذا معطى انهيار وأن “الجليل يفقد اليهود”.
أما على صعيد الخسائر البشرية؛ فقد أحصت صحيفة “يديعوت أحرونوت” العبرية 2105 قتيلا في دولة الاحتلال منذ بداية الحرب الأطول في تاريخها والتي اندلعت في السابع من أكتوبر 2023.
كما اعترفت وزارة الحرب الصهيونية بأن 26200 جندي أُصيبوا خلال 1000 يوم من الحرب (منذ 7 اكتوبر) منهم 9000 إصابة جسدية و7700 إصابة نفسية مع جسدية٫ وهو ما يشكل زيادة 40% خلال 3 سنوات عن كل حروب دولة الاحتلال السابقة.
كما اعتبرت صحيفة هآرتس العبرية أن الشرخ في العلاقة الحميمة بين الولايات المتحدة ودولة الاحتلال يزداد.. ووصفت الحرب على ايران بأنها “أحدثت شرخا غير مسبوق” بين الحليفين.
هذا الشرخ انعكس أيضا على الموقف من قطاع غزة، حيث تراجعت الولايات المتحدة، وفقا للمحلل السياسي لصحيفة يديعوت أحرونوت ناحوم برنياع، عن ربط نزع سلاح المقاومة بإعادة الإعمار في غزة.
ولخصت عيناف تسنغاوكر، والدة أسير صهيوني سابق في قطاع غزة وضع دولتها في تصريحات لها قالت فيها: “من يتحملون مسئولية الإخفاق تعهدوا لنا بتحقيق نصر مطلق، لكننا في كل جبهة فُتحت منذ ذلك الإخفاق أمام فشل مطلق، ففي إيران، لم يسقط النظام، ولم يُقض على البرنامج النووي، ولم يُزَل تهديد الصواريخ و في لبنان دفعنا ثمنا باهظا من الدماء، ولم يعد الأمن كاملا، وفي غزة، المقاومة لم تُهزم، بل تواصل بناء قوتها وتخطط للهجوم التالي”.
هذا “الفشل المطلق” كما اسمته تسنغاوكر، تسبب في حالة سخط واسعة في أوساط المستوطنين الصهاينة٬ تمثلت في وقفات احتجاجية ومظاهرات انطلقت في أنحاء فلسطين المحتلة للمطالبة بلجنة تحقيق في أحداث السابع من أكتوبر2023.
حيث تظاهرت عائلات ثكلى أمام منزل وزير التعليم يوآف كيش، مطالبةً بتشكيل لجنة تحقيق حكومية.
وجرت مظاهرة احتجاجية عند تقاطع زخرون يعقوب وساحة باريس بالقدس، وجرت مظاهرة في موقف سيارات رعيم، حيث أقيم حفل نوفا.
كما انتقلت المطالبة بلجنة تحقيق الى الاعلام العبري حيث كتب الصحفي “بن كاسبيت”: “بعد مرور 1000 يوم على أسوأ كارثة (7 أكتوبر) في تاريخ دولتنا منذ تأسيسها، لا تزال لجنة التحقيق الرسمية غائبة حتى الآن”.
واعتبرت صحيفة معاريف العبرية أن “القيادة السياسية تختبئ وراء أغلبيتها السياسية في الكنيست الإسرائيلي بهدف ضمان أن يقتصر الفشل على المستوى التكتيكي فقط”.
والحق.. أنه رغم مرور ألف يوم على السابع من أكتوبر ورغم كافة محاولات حكومة العدو لتصوير ذاتها ودولتها على أنها تجاوزت ذلك اليوم؛ فإنها في حقيقة الأمر لا تزال كالأسير الصهيوني السابق في غزة روم برسلافسكي، الذي قال في رسالة للمستوطنين في ذكرى 1000 يوم على 7 أكتوبر: “سأبقى دائما مختطفا في غزة، فغزة لن تفارقني أبدا، المشاهد التي رأيتها لن تخرج من داخلي، وما مررت به سيبقى معي طوال حياتي”.








