مختارات

في ذكرى الثورة.. والحلم الذي لم يمت

مالك خوري- نقلا عن صفحته على فيس بوك

ليست ثورة الثالث والعشرين من يوليو، بالنسبة لي مجرد حدث في التاريخ، لكنها كانت أيضا الثورة التي رسمت مسارا في حياتي وفي هويتي وتطور وعيي الشخصي والسياسي والأخلاقي والفني والفكري.

فهي لم تكن مجرد ذكرى وطنية. إنها الثورة الأم؛ الثورة التي خرجت من مصر لتزلزل بنية الاستعمار في آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية، وتعيد للمقهورين إيمانهم بأن التاريخ لا تصنعه الإمبراطوريات وحدها، بل تصنعه أيضا.. الشعوب حين تكتشف قوتها.

هي الثورة التي وضعت مصر والعالم العربي في قلب حركة التحرر الإنساني، وجعلت الانحياز للفقراء والكادحين والمهمشين فعلا سياسيا وأخلاقيا، قبل أن تتكالب عليها الإمبريالية، والصهيونية، والرجعيات العربية، حتى نجحت في إسقاط مشروعها.. لكنها لم تستطع إسقاط معناها.

حين مات جمال عبد الناصر، لم أكن ناصريا. كنت فتى يافعا بدأ يكتشف الماركسية، من دون أن يكون قد أدرك بعد.. اتساع آفاقها. لكنني يومها اكتشفت شيئا آخر: أن الأفكار لا تولد في الكتب وحدها، بل في التجارب التي تمنح الإنسان معنى الكرامة.

حينها، خرجت إلى شوارع مدينتي الجنوبية اللبنانية صيدا التي اتشحت بالسواد، ورأيت مدينة كاملة تبكي. هناك، بين آلاف الغرباء الذين كانوا يشعرون أنهم عائلة واحدة، بكيت أنا أيضا، وأنا أردد: ناصر… ناصر… ناصر.

بعد سنوات طويلة، أدركت أن ما جذبني إلى تلك التجربة لم يكن شخصا بقدر ما كان نموذجا. رجلٌ جعل استقلال الوطن شرطا لكرامة الإنسان، والانحياز للفقراء معيارا للأخلاق، ومقاومة الإمبريالية جزءا من الإيمان بقدرة الشعوب على صناعة مستقبلها.

ربما لهذا السبب، لم أشعر يوما أن رحلتي نحو الماركسية كانت خروجا من عباءة يوليو، بل امتدادا لأفضل ما فيها؛ انحيازها إلى الإنسان، وإيمانها بأن العدالة ليست حلما طوباويا، بل مشروعا تاريخيا يصنعه البشر.

ومنذ ذلك اليوم، بقيت تلك البوصلة ترافقني.

حصنتني، بقدر ما يستطيع إنسان أن يتحصن، من إغراءات الاستسلام لعالم الهيمنة، ومن الانضمام إلى أولئك الذين استبدلوا بأحلام شعوبهم أحلام الإمبراطوريات. وما زالت، حتى اليوم، تدفعني إلى إعادة اكتشاف موقعي داخل كل مقاومة تواجه الاستعمار، والاستغلال، والظلم، دفاعا عن عالم أكثر عدالة.. وعن مستقبل اشتراكي أكثر إنسانية.

قد تُهزم الثورات، وقد يرحل قادتها، لكن الأحلام التي توقظها في وجدان الشعوب لا تموت.

ولهذا، يبقى الثالث والعشرون من يوليو بالنسبة لي.. ليس ذكرى ماضٍ، بل وعدا بمستقبل ما زالت شعوبنا وكل شعوب العالم تكتب حروفه وكلماته وجمله يوميا من عرق نضالها، ودماء نكرانها لذاتها، ومقاومتها التي لا تلين لكل أشكال الذلّ والعبودية.

رابط الصفحة:

https://www.facebook.com/photo?fbid=10215889661471228&set=a.2467663147731

 

 

 

زر الذهاب إلى الأعلى