رؤى

تحديات على طريق الإصلاح (٢) ابتعاد الدعاة عن المنهجية القرآنية في تناول الغيبيات

يُثار بين الحين والآخر جدلٌ حول ما كنّا نظنّه مُسَلَّمَة ثابتة، فإذا بها وجهٌ من أوجه الدلالة المحتملة التي اختصرها الخطاب الديني في وجهٍ واحدٍ مغفلا ما عداه، ومن ذلك الجدل الذي أُثير حول نفْي أحد الدعاة عبْر إحدى الفضائيات أن يكونَ الذبيحُ هو إسماعيل، مرجحا كونه إسحاق عليهما السلام؛ ليطفو على السطح كونُها مسألة خلافية في تراث المفسرّين، استوقفتْ الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في تفسيره التحرير والتنوير مرجحا كونه إسماعيل عليه السلام.

وعلى النقيض قد يُثير الخطاب الديني مسألة أبعد ما تكون عن المقدس، وتلقى قبولا واسعا، وكأنّها من مسلمات الوحي، ومن ذلك كشْف أحد الدعاة عبْر إحدى الفضائيات عن أسباب أمْر الله إبراهيم عليه السلام بذبح ابنه، مستندا إلى إحدى مأثورات كُتب التفسير التراثية! محققا هذا المقطع نسب مشاهدة تخطّت عشرين مليون مشاهدة في عدة أيام! فبدلا من أن يُقاوم الخطاب الديني تلك النزعة الشعبية المندفعة نحو الخُرافة بخروجها عن إطار الوحي إذا به يُسايرها، مستميلا الذوق العام، الشغوف بكلّ غريب، المتطلع إلى اكتشاف أسرار عالم الغيب.

وهذا يجعلنا نتساءل ما الطريق لثبوت العقائد الغيبية؟ هل تثبت بقولٍ تناقلتْه كتب التفسير؟ وهل تراث المفسرين تعبيرٌ دقيقٌ عن مراد الله؟ كيف نحكم على تلك المسألة بكونها من العقيدة التي يجب الإيمان بها أو بكونها من المسائل التي يجوز أن أقبل أو أرفض ما قيل فيها؟ ولماذا هذا التفاعل المجتمعي مع هذا النمط من الإجابات؟

لا يُوجد في إسلام الوحي كهنوت ديني يخصّ مجموعة من رجال الدين بمعرفة حقائق وخفايا الغيب وأسراره، فنافذتنا الوحيدة إلى معرفة عالم الغيب هي صريح الوحي الذي تحدّث عن هذا العالم بقدرِ ما يُعزّز سعيَ الإنسانِ إلى السّمو الأخلاقي والتسامح والتخفف من الأطماع، فرسم الوحي صورا رمزية موجزة لمشاهد الحساب والثواب والعقاب.. مبتعدا بالإنسان عن دوامة التفكير في قضايا ليس لها مساس بالواقع الاجتماعي، فلم يتحدث عن الذات الإلهية؛ لاعتبارها غيبا مغلقا على العقل البشري، لا يستطيع سبر أغواره، مكتفيا بالتأكيد على صفاته “جلّ اسمه”، وفي الوقت الذي لم يُركّزْ القرآن على طبيعة اتصال الله بالرسول عبر جبريل -عليه السلام- ركّز على سلوك الرسول الاجتماعي، داعيا إلى التأسي به، وقرن الإيمان بالعمل الصالح في أكثر من خمسين آية، لربْط العقيدة بالحياة الاجتماعية، فالمنهج القرآني يُبقى الإنسان واقعيا يعيش همومه الحقيقية، ويكدح إلى ربّه من خلال تجاربه الاجتماعية، دون استغراقٍ في استكناه عوالم غيبية يعجز العقل عن استيعابها، ولن يكون لتفاصيلها أثر في حياته.

فالإيمان حالة من اليقين والاعتقاد الجازم الذي لا سبيل إليه إلا بالدليل العقلي الدقيق الذي انتهى في أحكامه إلى الحسّ أو الضرورة، أما الأدلة النقلية كما يقول أئمة مثل الرازي والسعد وأبو حامد الغزالي ومحمد عبده ومحمود شلتوت لا تُفيد اليقين العقائدي، ولا تُحصّل الإيمان المطلوب، ولا تثبت بها وحدها عقيدة؛ لأنّها مجالٌ واسعٌ لاحتمالات دلالية تحول دون تحقق الثبوت اليقيني، ومن قال بأنّ الدليل النقلي يُفيد اليقين الذي تثْبت به العقيدة اشترط فيه أن يكون قطعيا في وُروده، قطعيا في دلالته، ومعنى كونه قطعيا في وروده ألا يكون هناك أيّ شبهة في صحة ثبوته، وذلك لا يكون إلا للقرآن الكريم، والأخبار المتواترة المعدودة، ومعنى كونه قطعيا في دلالته أن يكون له معنى واحد، لا يُختلف عليه، فلا يحتمل التأويل. فـ”العقائد وطريق ثبوتها لا بد أن يعمّ العلم بها جميع الناس، ولا يُختّص بالعلم بها طائفة دونَ أخرى؛ لأنّها أساس الدين، وبها يكون المرء مؤمنا، فكيف يُتصوّر في مؤمن أنّه يجهلها؟ ومن مقتضيات هذا العلم العام بها ألا يقع خلاف بين العلماء في ثبوتها أو نفيها”.

ففرْق كبير بين الدين/ الوحي المقّدس في نصوصه الأصلية التي أكّد على بن أبي طالب، رضي الله عنه، أنها “لا تنطق بذاتها، وإنما ينطق بها الرجال”، وبين الفكر الديني غير المُقدّس الذي يُمثّل محاولات عقل الإنسان الاجتماعي التاريخي؛ لفهم معاني الوحي، فينبغي أن نحذر من دمجها في المقدس، والتّعالي بها عن الدراسة العلمية التي تكشف عما يكتنفها من صواب وخطأ وحقيقة وأسطورة، بما في ذلك تُراث المفسرين، الذي أخذ يتضخم طبقة بعد طبقة بما نقله بعض رواة المسلمين من شروح وحواشي لكُتب الأديان السابقة؛ في محاولة من المفسِّرين لتفصيل مُجمل القرآن، فتروى الطبقة التالية ما كان من الطبقات قبلها، وتزيد عليه ما وصل إليها من صحيح وغير صحيح، على حد قول جلال الدين السيوطي “إنهم لم يقصدوا الصحة، وإنما رووا ما ذُكر في كل آية من الصحيح والسقيم”.([1])

كذلك لم تسلم حركة تفسير وتأويل القرآن الكريم من التأثّر بصراع الفِرق، وتطاحن المذاهب، فارتبط ازدهار حركة التدوين بالمذاهب الفقهية في التشريع، وجدل المتكلمين، وآراء غلاة المتصوفة في العقائد، ومناقشات النحويين في المسائل اللغوية، فتوجّه كل منهم إلى القرآن الكريم  بحثا عن أدلة تُوافق مذهبه، واختاروا من المرويات والتأويلات ما يتفق وما أرادوا، فصار القرآن بهذا كأنّه تابع لا متبوع ومحكوم عليه لا حاكم.

فلا أمل في إصلاح الخطاب الديني إلا بالاستفادة من المنهجية القرآنية المقتصدة في تناول الغيبيات، فما تناوله القرآن الكريم مجملا يتناوله الخطاب الديني مجملا بلا تفاصيل، ملتزما بالنصوص قطعية الدلالة قطعية الثبوت، فالعقيدة لا تثبت بأخبار أحاد ظنية الثبوت، ولا بنصوص غير قطعية الدلالة، وأن يكفّ عن الاستغراق في تفصيلات عزف القرآن عن بيانها، فلم يَطُلّ عليها إلا عبر نافذة محدودة، كي يُوفّر طاقة المجتمع للتفكير في تدبير شئون حياته ودراسة سُبل الاستفادة من الطبيعة المحيطة به، واكتشاف خفاياها الناطقة بوجود الله. وأن يَسلك الخطاب الديني مسلك القرآن الكريم في تناول تاريخ الرسل وأممهم في سياق التعريف بسُنن الله، مُبقيا الاحتمالي على تعدده، والمُجمل على إجماله، متجنبا الخوضَ في تفاصيل سكت عنها الوحي؛ ومن هنا لا يدخل الخطاب الديني في خصومة مع الروايات التي تُقدّمها الحفريات والآثار عن تاريخ الإنسان، فتناول الخطاب الديني العقيدة بعيدا عن المنهجية القرآنية نوع من الكهانة المضللة، وليست الدعوة المستهدية.

(1) الإتقان في علوم القرآن ٢/٢٢٤:٢١٠.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى