رؤى

رائد إصلاح الفكر الديني الإمام محمد عبده (٢) الإمام والسياسة إبان ثورة عرابي

وُلد محمد عبده في قرية “حصة شبشير” بمديرية الغربية سنة 1266هـ – 1845م، ونشأ في قرية محلة نصر إحدى قرى مركز شبرا خيت بمديرية البحيرة، تعلّم القراءة والكتابة في منزل والده، ثم انتقل إلى دار حافظِ قرآنٍ.. قرأ عليه جميع القرآن، ليُلحقه والده بعدها بالمسجد الأحمدي بطنطا؛ سنة 1279هـ 1862م؛ لشهرة قرائه بفنون التجويد، وبعد خمس سنوات انتقل إلى  الجامع الأزهر؛ ليستكمل دراسته، وفي سنة 1287هـ – 1870م التقى الشيخ بجمال الدين الأفغاني لأول مرة، فعندما كان الأفغاني في طريقه إلى استانبول توقّف في القاهرة، وقضى بها أربعين يوما، أخذ يتردد خلالها على الجامع الأزهر، الذي سرعان ما عاد إليه ثانية، فلم يتحمل قصرُ الخلافة في استانبول جمالَ الدين الأفغاني سوى عام واحد، فكما استقدمه الخليفة إلى عاصمة الخلافة أمر بترحيله عنها، ليستقبل في مصر سنة 1288هـ – مارس1871م، بحفاوة بالغة من الخديوي إسماعيل ووزيره رياض باشا، اللذين منحاه فرصة الدعوة إلى أفكاره؛ أملا في استكمال ما بدأه رفاعة رافع الطهطاوي (1216هـ/ 1801 م – 1290هـ/ 1873م) ورجاء التّخلص من نفوذ الأجانب الذي طغى على نفوذ الخديوي المثقل بالديون.

قضى جمال الدين الأفغاني ثمانية أعوام في مصر، انخرط معه فيها الشيخ محمد عبده الذي عمل بالتدريس بمدرسة دار العلوم بعد حصوله على عالمية الأزهر، وبدافعٍ من ثورية الأفغاني وتعجّله، أو لأسباب لم تتكشّف للباحث تخلّى الأفغاني عن الخديوي إسماعيل، وساند مساعي ابنه توفيق باشا في أن يحلّ محلّ والده، فترأس الأفغاني وفد المصريين إلى قُنصل فرنسا بمصر، وأبلغوه أن حزبا بمصر قد تشكّل، ويُطالب بأن يتنازل الخديوي إسماعيل عن الحكم لولده توفيق الذي كان عضوا بمحفل الأفغاني.

وصدر قرار السلطان العثماني بعزْل إسماعيل باشا، وتولّى توفيق حكم مصر عام 1879، وقدّم الخديوي توفيق جمال الدين الأفغاني في محفل عام، قائلا: “أنت موضع أملي في مصر أيها السيد”([1]) ولم تمضِ سوى شهور، واتّهم الخديوي توفيق “أمله في مصر” بتأسيس جمعية سرّية لإفساد الدين والدنيا مُشيرا بذلك إلى “الحزب الوطني الحرّ” و”جمعية حلوان”، وقُبض على “جمال الدين الأفغاني” وخادمه “أبو تراب”، وأودعا باخرة عند السويس سارت بهما إلى بومباي بالهند في 24 أغسطس 1236هـ – 1879م، وكانت هذه آخر أيام الأفغاني في مصر التي ودعها بقوله: “إنني خرجت من الديار المصرية وما ألّفت كتابا، ولكني تركت لكم أثرا يُغنى عن جميع الكتب، وهو محمد عبده، وكفى به لمصر عالما”.([2])

وصدرت أوامر الخديوي توفيق بتحديد إقامة الشيخ محمد عبده في قريته محلة نصر، فلم يغادرها لمدة عامٍ، حتى قبل الخديوي مساعي وزيره رياض باشا، فرضي عن الشيخ عبده، وأعاده إلى القاهرة سنة 1297 هـ – 1879م، وأسند إليه رئاسة تحرير جريدة الوقائع المصرية، الجريدة الرسمية للحكومة، فنجح الشيخ محمد عبده في جعلها منبرا إصلاحيا يستهدف الشعبَ أكثر من الحكومة بمقالاته في إصلاح التعليم وطريقة الحكم، فالشيخ رأى الإصلاح يأتي ببناء وعي الشعب أو ما أطلق عليه تربية الشعب تربية تُساعده على قبول النهوض، والسير في طريق الإصلاح مخالفا نهْج أستاذه جمال الدين الأفغاني الذي رأي الإصلاح يُفرض من أعلى، فالحكومة هي المرجو إصلاحها؛ لتفرض الإصلاح بعد ذلك على الشعب.

وأتت الرياح بما لا تشتهي السفن، فاصطدم الشيخ بالسلطة التي كان قد قرّر مهادنتها، فعندما قام أحمد عرابي باشا بحركته المطالِبة بالتسوية بين طوائف الشعب وإعلان الدستور انحاز إليه الشيخ، رغم أنّه في البداية كان على خلاف مع عرابي ورجاله، فتمسّك الشيخ أول الأمر برأيه في تنبيه الرأي العام، وإنهاض الأمة على أسس التربية والتعليم؛ لتُوكل إليها حقوقها، وهي أمينة عليها، وأنّه ليس من المصلحة أنْ نُفاجئ البلاد بأمر قبل أن تستعد له، وحذّر في بيت “طلبة عصمت باشا” قائد الإسكندرية “أن هذا الحركة قد تجرّ البلاد إلى احتلال أجنبي يستدعي تسجيل اللعنة”، وابتسم “أحمد عرابي” وقال: “أبذل جهدي في ألا أكون مورد هذه اللعن”.([3])

لكن ما إن بدأت الأحداث تتصاعد إلا وكان الشيخ محمد عبده في طليعة المثقفين الذين أسهموا في الثورة، وأصبح أحد قادة الحركة الوطنية المصرية يبثّ أفكاره عن الحرية والعدالة على صفحات الوقائع المصرية، التي وضع لها نظاما حديثا في إدارتها وتحريرها، وجعلها تصدر باللغة العربية وحدها، فتحوّلت من جريدة حكومية إلى جريدة ثورية، تنشر خيانات أعداء الثورة، وتُمجد مؤيدي الثورة، وعاونه في ذلك عدد من تلاميذ “الأفغاني” من أمثال: عبدالكريم سليمان، وسعد زغلول، وإبراهيم الهلباوي الذين حرّضوا في مقالاتهم ضد الخديوي توفيق الذي تعرّض لمحاولة عسكرية لاغتياله لم يُقدّر لها النجاح.

وانبرى الشيخ محمد عبده يخطب في الجموع يُحَرّضهم على الثورة، ويشرح لهم في خطبه معاني القومية، وأهمية أن تعتمد الحركة الوطنية على جميع عناصر الأمة بلا استثناء، ويحثّ المواطنين على التبرع بالأموال، ويمتدح المديرين الذين بذلوا جهودا في هذا الشأن.

وفي 9سبتمبر 1881، انضمّ الأزهر للثورة، فخرج الأزهريون في مظاهرات انتهت بتنحية شيخ الجامع الأزهر محمد العباسي لانحيازه للخديوي، وحلّ بدلا منه الشيخ شمس الدين الإمبابي الذي أفتى بضرورة عزل الخديوي توفيق، وأفتى الشيخ حسن العدوي بشرعية عصيان الخديوي، وأفتى الشيخ محمد عليش بأنّه لا يصحّ أن يكون توفيق حاكما للمسلمين بعد أن باع مصر للأجانب.

وبعد أقلّ من أسبوع ضُربت الإسكندرية بالمدافع البريطانية، على وجه الدقة في الساعة الثامنة من يوم الإثنين غُرة رمضان 1299هـ – 17يوليو 1882، واستمرت الأحداث على ما هو معروف حتى سلّم أحمد عرابي في 14 سبتمبر 1882، سيفه لقائد القوات الإنجليزية الزاحفة إلى القاهرة التي دخلتها في 15 سبتمبر دون مقاومة تُذكر، وانتكست أعلام الثورة العرابية، ووقع في التاريخ المصري ما كان قد حذّر منه ” الشيخ محمد عبده “.

وبدأت فترة تصفية الحسابات من جانب سلطات الاحتلال والخديوي ضد العرابيين والوطنيين، وقُبض على ” الشيخ محمد عبده “، وبقي في السجن ثلاثة أشهر، وُجهت إليه فيها إهانات لا تتفق مع مركزيه الديني والاجتماعي، وصدر الحكم بنفيه إلى بيروت ثلاث سنوات امتدت إلى ستّ سنوات بسبب مواقفه الصلبة ضد ” الخديوي”، وفي 23 ديسمبر 1882، أصدر “الخديوي توفيق” أمرا بإلغاء جرائد الزمان والسفير والطائف والمفيد والنجاح لقطع ألسنة الثورة العرابية.

 

 

([1]) موسوعة هذا الرجل من مصر، ص460.

([2]) المجددون، ص373.

([3]) موسوعة هذا الرجل من مصر، ص٤٦٥.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى