يحكي مسار التعليم الديني بالجامع الأزهر، وأوكسفورد قصة حضارتنا وحضارتهم؛ بين الانعزال والتفاعل، والوصاية والاستقلال، بدأ التعليم بالجامع الأزهر أقدم مدارس الشرق العام 989، وبعده بحوالي مئة عام، تأسست “أوكسفورد”، أقدم مدارس الغرب الناطقة بالإنجليزية، على غرار الأزهر في قواعده وأروقته العلمية، ونظامه الوقفي، وفي الوقت الذي لم تكن أوروبا قد عرفت المكتبات العامة، كانت مكتبة الجامع الأزهر، في القرن العاشر الميلادي تحتضن مليونا وستمائة ألف كتاب، وذلك قبل أن يُفكّر الخليفة في بيعها؛ ليُسدّد المرتبات المتأخرة للجند والموظفين، تلك الكتب التي اشتراها بالرّطل “الفرنجة” -على حد تعبير المسلمين- أو “الصليبيون” -على حد تعبير الغرب- ونقلوها إلى كنائس وأديرة فجامعات أوروبا.
لكن سرعان ما تجمّد الأزهر وتحرّكت أوكسفورد، التي سبقت الأزهر، بسبعة قرون، في التحوّل إلى نظام التعليم الحديث في منتصف القرن الثالث عشر الميلادي، فأنشأت أوكسفورد الكليات؛ لتدريس العلوم والفنون بينما تأخّر الأزهر في ذلك إلى منتصف القرن العشرين عندما دُفع إليها دفعا بتوجيه من السلطة السياسية العام1930.
وفي الوقت الذي جمد فقه الوقف في الأزهر، وفسدت نظاراته، طوّرت أوكسفورد نظامها الوقفي ملتزمة في إدارته بشفافية مالية وقانونية صارمة؛ ليصل الوقف العام 2017، إلى نحو 1429 مليون إسترليني (1786 مليون دولار)، متمتعة باستقلالية عن الحكومة البريطانية في إدارة كامل شئونها، حتى أصبحت واحدة من أفضل عشر جامعات عالمية.
وبالقدر الذي شجّعت أكسفورد مبكرا محاولات النقد، ومحاكمة أنساق المجتمع الثقافية، والدفع نحو المزيد من التفكير العلمي والعقلانية والإبداع والتفاعل مع متطلبات الواقع بما يُحدث حالة من التطوير والتغيير المستمر، أُحبطت تلك المحاولات في الأزهر قديما؛ مثلما حدث مع أول دراسة نقدية لنظام التعليم الأزهري للشيخ محمد الأحمدي الظواهري، في كتابه: “العلم والعلماء ونظام التعليم” العام 1907 ([1])، الذي دعا فيه إلى إصلاح الأزهر، وكان ينحو في دعوته منحى شيخه محمد عبده، فأغضب الكتاب أروقة الأزهر والخديوي عباس حلمي الثاني، حتّى أنّ شيخ الجامع الأزهر، الشيخ الشربيني، أمر بإحراق مخطوطة الكتاب الأولى. ومثلما حدث مع الشيخ عبد المتعال الصعيدي في محنته الأولى بسبب كتابه: “نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر” العام 1924، ومحنته الثانية لمقاله المنشور في جريدة السياسة الأسبوعية 20 فبراير 1937 فأُحيل فيهما إلى مجلس تأديب، وعُوقب على نقده واجتهاده.
وفي الوقت الذي احتفظت فيه أوكسفورد عبر تاريخها بمسافات بعيدة تفصلها عن تقلبات السلطة السياسية، عجز الأزهر عن قطع الحبل السري الرابط بينه وبين السلطة السياسية، فمن رحم المشروع السياسي وبتوجيهٍ منه وُلد إصلاح الفكر الديني وتطوير التعليم الأزهري، مما جعله تابعا له، ومتأثرا به، بل ومغضوبا عليه أحيانا؛ إذ لا تخلو العلاقة بين الإصلاحي والسياسي في تجاربنا الحديثة من وقوع تعارض يُؤدي إلى التضحية بالإصلاحي، بل ومعاقبته، فبعد جهود الشيخ الأزهري، رفاعة الطهطاوي، في تأسيس المدارس وإدخال العلوم الحديثة وإتاحة الفرصة لتعليم المرأة في عهد محمد على، نُفى الشيخ رفاعة الطهطاوي إلى السودان، وأُوقف مشروعه في عهد الخديوي “عباس الأول” في 4 كانون الأول (ديسمبر) 1848.
وبعد موت “عباس الأول” 16 تموز (يوليو) 1854 في مؤامرة من مؤامرات القصور، وتولّي الخديوي سعيد باشا حكم مصر، أمر بعودة الطهطاوي من منفاه، وأسند إليه نظارات مدارس: الحربية والهندسة ومصلحة الأبنية، ومشروع مطبعة بولاق لطبع كتب التراث، لكن فجأة، على عادة الشرق، عزل الخديوي رفاعة الطهطاوي من العمل عام 1861، وبقي دون عمل رسمي إلى أن مات الخديوي سعيد.
وفي محفل تتويج الخديوي توفيق على عرش مصر قدّم الخديوي السيد جمال الدين الأفغاني إلى المصريين قائلا: “أنت موضع أملي في مصر أيها السيد”، ولم تمرّ سوى بضعة شهور حتّى أمر الخديوي بترحيل “أمله” عن مصر في 24 آب (أغسطس) 1879، وتحديد إقامة تلميذه الشيخ محمد عبده في قريته، حتّى عفا الخديوي عن الشيخ بعد عامٍ من الإقامة الجبرية، وأُسند إليه رئاسة تحرير جريدة “الوقائع” المصرية، لكن سُرعان ما غضب عليه الخديوي مرة ثانية، وأصدر أمرا بنفيه خارج مصر؛ لمشاركته في ثورة عرابي 1881، ثمّ عاد وعفا عنه بعد ستة أعوام من النّفي، وسُمح له بالعودة إلى مصر شريطة ألا يعمل بوظائف التعليم.
ورث عباس حلمي الثاني حكم مصر بعد موت أبيه، فقرّب الشيخ محمد عبده، وأُسند إليه وظيفة أول مفتٍ للديار المصرية، وعضوية مجلس إدارة إصلاح الأزهر، لكن لا تكاد تمضي بضعة أعوام حتّى يغضب الخديوي على الشيخ؛ ويُؤلب عليه الجامدين من علماء الأزهر، وزاد الطين بلّة فتوى الشيخ وقتها بجواز الأكل من طعام غير المسلمين، والتزيّ بزيهم (البدلة)، فاتّهم الشيخ في دينه، واضطر إلى الاستقالة من مجلس إدارة الأزهر، ولاحقته الإساءات حتى مات حُزنا، في 15 تموز (يوليو) 1905.
وفي عهد الملك أحمد فؤاد الأول؛ تُسند مشيخة الأزهر إلى الشيخ محمد مصطفى المراغي الذي لم ينسَ قول الإمام محمد عبده للخديوي عباس حلمي الثاني: “إن إصلاح الأزهر أعظم خدمة للإسلام، وإصلاحه إصلاح لجميع المسلمين” فيُشكّل لجنة برئاسته لدراسة سُبل إصلاح الأزهر، منتهيا إلى ما عُرف تاريخا بمذكرة المراغي الإصلاحية، التي أثارت سخط الملك والجامدين من الأزهريين، وزاد الأمر سوءا فتوى الشيخ بجواز ترجمة معاني القرآن الكريم، التي نُظر إليها بأنّها باب لتحريف القرآن الكريم، واضّطر الشيخ إلى تقديم استقالته في 2 تشرين الأول (أكتوبر) 1929، والابتعاد عن الأزهر قرابة خمس أعوام، حتى ثار طلاب الأزهر مطالبين بعودة الشيخ “المراغي” هذه المرة، ليس من أجل مذهبه الإصلاحي؛ بل لقوّته في الدفاع عن حقوقهم، فلم يعد خريجو الأزهر وحدهم من يعمل بوظائف القضاء والتعليم، فبات ينافسهم بقوة خريجو مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم، سيما أنّهم يجمعون بين العلوم القديمة والحديثة، وهذا ما دفع الأزهريين إلى قبول إجراءات إصلاحية محدودة من الشيخ المراغي، ومن قبله الشيخ الأحمدى الظواهري، أهمّها: إدخال بعض العلوم الحديثة إلى الأزهر، بعد عقود من الجمود والتقليد والرفض لمحاولات الشيخ محمد عبده.
وفي عهد الرئيس جمال عبد الناصر ومشيخة الإمام محمود شلتوت للأزهر صدر قانون تطوير الأزهر1961، متضمنا حزمة من الإصلاحات التي قبلها الأزهريون على مضض وارتياب، فيُعاد هيكلة الكليات الشرعية، ولأول مرّة تُنشئ كليات عملية، ومعهد للطلاب الوافدين، وتُدرس اللغات الأجنبية ضمن برامج التعليم، ويُسمح للفتيات بالالتحاق بالأزهر، لكن كما منح القانون للأزهر سلب منه، فنُقلت صلاحيات شيخ الأزهر إلى وزير خاص بشؤون الأزهر مما دفع بالشيخ محمود شلتوت إلى تقديم استقالته.
هكذا جاء تطوير الأزهر متأخرا عن أوكسفورد قرابة سبعمائة عام، وشأن كل محاولة إصلاحية تأتي من أعلى تمسّ الحجر وتخطئ الإنسان، تُغيّر في الشكل واللوائح لكنها قد لا تنجح في إقناع العقول بضرورة استكمال مسار التغيير، فالمشروع السياسي للخديوي ثم الملك ثم الرئيس هو ما دفع الأزهريين نحو التغيير، وليس قناعتهم بالرؤية الإصلاحية التي طرحها إصلاحيون أمثال الطهطاوي أو عبده أو شلتوت، وفرق كبير بين أن يكون الإصلاح جوهريا حقيقيا نابعا من حيوية وتفاعل الأزهر مع أفكار التراث المتنوعة ووليد مشكلات الواقع وأسئلة الحاضر ومنفتحا ومتشابكا مع الحضارة الحديثة، وبين أن يكون إصلاح الفكر الديني لتحقيق غايات سياسية مباشرة يُصيبها التغيّر أو التراجع أو الفتور.
فلم تختلفْ تجربة الشيخ شلتوت مع الرئيس عبد الناصر عن تجربة الشيخ رفاعة الطهطاوي مع الخديوي محمد على باشا وأبنائه، ولا عن تجربة الشيخ محمد عبده مع الخديوي توفيق وعباس حلمى الثاني، ولا عن تجربة المراغي مع الملك فؤاد وفاروق، فكلٌّ واحدة منها مثّلت حلقة من حلقات التداخل بين المشروع السياسي ومسار إصلاح الفكر الديني، ما أضعف المسار الإصلاحي؛ فرغم أنّ الإصلاح بوصفه فاعلية فكرية، نوع من ممارسة السياسة بآليات الفكر، وكون الممارسة السياسية نوعا من ممارسة الفكر بآليات السياسة إلا أنّ بينهما اختلافا نوعيا من حيث الآليات والغايات، ففي الوقت الذي تنشغل الممارسة السياسية بالهموم الآنية للسلطة، وتسعى نحو اليومي والمتغير والمباشر في خضم انشغالها باتخاذ القرارات، ينشغل المفكر الإصلاحي بتحليل وتفسير ظواهر أكثر عُمقا وأبعد مدى، ويسعى نحو الجوهري والثابت والحقيقي الذي يقترب من حدود العلم.
ارتباط إصلاح الفكر الديني بالمشروع السياسي للسلطة ينحرف بالإصلاحيين عن مسارهم الحقيقي ويُدخلهم في دائرة البحث الدائم عن مبررات دينية للمواقف السياسية، فالسلطة تُراهن تارةً على مؤسسات الخطاب الديني الرسمي، وتارةً على الخطابات الدينية غير الرسمية، فقد راهن الملك فاروق في صراعاته الأخيرة مع الوفد على جماعة الإخوان المسلمين في ظلّ ضعف وهامشية تأثير أشكال العمل الإسلامي التقليدي الأزهر والطّرق الصوفية وأنصار السنة المحمدية، وشهدت الحقبة الناصرية في بدايتها تقارباً مع “الإخوان المسلمين”، ثم اختلافا ومواجهة لخطابهم بخطاب ديني رسمي أزهري، ثم عادت وتصالحت الحقبة الساداتية مع الجماعات، فانطلقت من الجامعات المصرية الجماعة الإسلامية التي خرج منها التيارات السلفية وجماعة الإخوان المسلمين(التأسيس الثاني)، وعشرات الجماعات الجهادية، مستمدة تلك الجماعات زخمها من توحدها المزعوم مع دعوة الإسلام، وسعيها المستمر لاستعادة الأصل الديني الغائب، من منظورها، الخلافة الإسلامية.
وفي ظل تلك السجالات المتكررة يتراجع التجديد والإصلاح الذي يتطلب حيويّة فكرية، لا تنبع من المكانة الروحية لمؤسسة أو مدينة، ففي فترة ازدهار الحضارة الإسلامية نهضت مدن وليدة مثل البصرة والكوفة، ولم تنهض مدن ذات مكانة روحية مثل مكة والمدينة، فالنهوض الذي يسبقه الإصلاح يأتي من تشجيع التفكير الإبداعي الحرّ والتواصل النقدي الخلاق للاستفادة من آليات إنتاج المعرفة في مجالات الدارسات الإنسانية، ومواجهة الاستقطاب الأيدلوجي والشّحن العاطفي بمزيد من العقلانية والحوار، والتصدّى لدعوات الكراهية والتّعصب بالدعوة إلى التسامح والتعايش.
([1]) جاء الكتاب في أبواب أربعة: فالباب الأول في العلماء، أخذ المؤلف فيه على العلماء أنهم لا يعرفون شيئا سوى مناقشات الفنون والكتب التي يدرسونها، فلا يعنون بمطالعة الجرائد والمجلات العلمية، ولا يعرفون شيئا من اصطلاحات الناس وعاداتهم وغير ذلك من أمورهم، ولا يميلون إلا إلى ما وجدوا عليه من قبلهم، لأنهم لا يرون الكمال إلا في علومهم ومعتقداتهم وكتبهم وطرق تدريسهم وسائر أحوالهم. والباب الثاني في المدارس الدينية -الأزهر والمدارس الملحقة به- وخلاصة ما جاء فيه أن هذه المدارس صارت لا فائدة فيها، وأصبحت لا تؤدي وظيفتها للعالم الإسلامي، لاختلال نظامها، وفساد طرق التعليم فيها، فيجب إصلاحها بحمل طلابها على المطالعة ومعرفة نظم الأشياء وحقائقها، وما في هذا العالم من شرائع وديانات، وما إلى هذا من الاصطلاحات التي جاءت في هذا الباب. والباب الثالث في العلوم، وقد عاب فيه طرق دراستها، ورأى أن يُضاف إليها كثير من العلوم الحديثة وتاريخ الملل والمذاهب والآراء واللغات الأجنبية، ورأى أيضا أن يؤلف فيها كتب حديثة ملائمة لهذا العصر، وذكر أن الكتب التي تدرس فيها لا تختار من جيد ما ألفه السلف، وإنما تختار من الرديء القليل الفائدة. والباب الرابع في طرق التعليم، وخلاصة ما جاء فيه أن منتهى الكمال في هذه الطرق هو التفنن في فهم عبارات المتون، وإيراد ما لا يحصى من المعاني في فهمها، والإكثار من الاعتراضات والأجوبة عنها، وهي طريقة معيبة لا تهتم إلا بهذه المباحث اللفظية، ولا يعنيها تفهيم الطلاب مسائل العلوم في ذاتها. ( يُنظر: محمد عبدالمنعم خفاجي، الأزهر في ألف عام، ج3، ص178،177).








