ليست مأساة أطفال غزة، مجرد أرقام تُضاف إلى تقارير الأمم المتحدة، ولا صورا عابرة تمر على شاشات الأخبار ثم تُنسى؛ بل هي جرح مفتوح في ضمير الإنسانية، وجريمة مستمرة تُرتكب بحق الطفولة، أمام أعين عالم يملك القدرة على الفعل ويختار الصمت!
هناك، حيث كان يجب أن تُسمع ضحكات الأطفال في المدارس والساحات، وتُرسم أحلامهم على دفاترهم الصغيرة، لا يُسمع اليوم إلا صوت القصف، وصراخ المصابين، وبكاء الأمهات اللواتي فقدن أبناءهن، أو فقدن كل ما كان يمنح الحياة معناها.
لقد حُرم أطفال غزة، من أبسط حقوقهم التي أقرتها الشرائع والقوانين الدولية: الحق في الحياة، والتعليم، والرعاية الصحية، والأمان، وحتى الحق في أن يناموا ليلة واحدة دون خوف، تحولوا إلى وجوه شاحبة؛ تحمل آثار الجوع والمرض والنزوح، وإلى أرواح صغيرة دفعت ثمنا لا ذنب لها فيه، بينما يقف العالم عاجزا أو صامتا أمام هذه المأساة.
أي حضارة هذه التي ترفع شعارات حقوق الإنسان، بينما تُدفن الطفولة تحت الركام؟ وأي نظام دولي هذا الذي يتحدث عن العدالة والقانون، ثم يعجز عن حماية طفل خائف يبحث عن الأمان في خيمة لا تقيه حر الصيف، ولا برد الشتاء ولا شظايا الصواريخ؟
إن الصمت الدولي لم يعد مجرد غياب للموقف، بل أصبح أزمة أخلاقية وإنسانية عميقة، فكل بيان لا يوقف القتل، وكل اجتماع لا ينقذ طفلا، وكل قرار لا يجد طريقه إلى التنفيذ، يتحول عمليا إلى عجزٍ، يمنح استمرار المأساة مساحة أكبر.
أين المؤسسات الدولية التي جعلت من حماية الأطفال عنوانا لعملها؟ أين المدافعون عن حقوق الإنسان؟ أين كل الشعارات التي رُفعت لعقود حول حماية الطفولة؟ هل أصبحت حياة الطفل مرتبطة بهويته وجنسيته؟ وهل فقد الطفل الفلسطيني حقه في أن يُرى إنسانا كامل الحقوق مثل أطفال العالم؟
وسط هذا الصمت الدوليٍ المخزي، برز صوت واحد، هو صوت رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، بوصفه من أبرز الأصوات الأوروبية التي دافعت عن حقوق المدنيين في غزة، ودعت إلى وقف المأساة والظلم الواقع على أطفال غزة، ومحاسبة مرتكبي الجرائم بحق الإنسانية، في موقف يعبّر عن شجاعة سياسية وإنسانية ومتحديا الضغوط الدولية.
إن التاريخ لا يرحم، ولن يغفر لمن شاهدوا الجوع والحصار والدمار، ثم اكتفوا بالتعبير عن القلق والاستنكار، فالحياد أمام معاناة الأطفال ليس موقفا محايدا، والصمت أمام قتل الأبرياء ليس غيابا عن المسئولية؛ بل فشل أخلاقي وإنساني ستبقى آثاره شاهدة على هذه المرحلة في التاريخ الإنساني.
سيأتي يوم تُفتح فيه صفحات هذه الحقبة السوداء، وسيُطرح السؤال على العالم أجمع: لماذا تركتم أطفال غزة يواجهون هذا المصير؟ لماذا عجزت كل هذه المؤسسات عن حماية أكثر البشر براءة؟ ولماذا كانت الحسابات السياسية والمصالح أقوى من صرخة طفل يبحث عن الحياة؟
إن أطفال غزة لا يحتاجون إلى مزيد من الخطب ولا إلى دموع عابرة أمام الكاميرات، بل يحتاجون إلى فعل حقيقي: وقف القتل، وإنهاء الحصار، وتوفير الحماية، ومحاسبة من ارتكبوا الجرائم البشعة بحق الطفولة.
فإذا استمر هذا الصمت، فلن يكون العالم قد خذل أطفال غزة وحدهم، بل سيكون قد خسر شيئا أكبر: المعنى الحقيقي للإنسانية، والقيم التي ظل يتغنى بها لعقود.








