ثقافة

تحدّيات على طريق الإصلاح (٧) تجاهل التعددية التدينية

من التحديات التي تُواجه تيار الإصلاح، ما أمسى عليه الفكر الديني، من تجاهل للتعددية التدينيّة، والسعي دوما إلى نفيها، فالخطاب الديني يُرسّخ لأحادية من شأنها أنها لا تُفسح مجالا للتعريف بالخطابات الأخرى، ولا تقبل أن تتعايش معها، فمثل تلك الأحادية والشعور بالتمايز عن الآخرين؛ بامتلاك صحيح الإسلام- هي الفكرة الأصيلة في خطاب الجماعات التي تتمايز هي الأخرى، عن الخطاب الرسمي الذي تصفه بخطاب السلطة وعلماء السلطان بأنها تمتلك الإسلام الحقيقي، فتُوظّف لصالحها زخم الأحادية الذي يُروِّج له الخطاب الرسمي.

إنّ نظرة عامة على واقع الخطاب الديني الرسمي في العالم الإسلامي ستكشف أنّه يتعدد، ويتنوع في بعض جوانبه، تبعا للمؤسسات أو الشخصيات التي يصدر عنها، ويتأثر ترتيبه للأولويات والقضايا بعلاقته بالسلطة السياسية، التي تُهمّش بعض القضايا أو تمحوها من دائرة خطابها الديني الرسمي، بينما تجعل من البعض الآخر مركزا لخطابها، فقضية النقاب واحتجاب المرأة عن مجتمعات الرجال، حاضرة في خطاب المملكة العربية السعودية بوصفها واجبا شرعيا، غائبة عن خطاب دولة مثل إندونيسيا، قضية الذِّكر الجماعي (مجالس التهليل) حاضرة في الخطاب الرسمي في بعض الدول، منفي بوصفه بدعة في خطاب دول أخرى.. وتعددية الخطاب لا تعنى تعدد الدين الإسلامي إلى مجموعة أديان، وإنما تعدد الخطابات المعرِّفة به تعددية نابعة من تنوع الأفكار وطرق عرضها، وترتيب أولوياتها بالإضافة إلى طبيعة النصوص الاحتمالية، فمتى كان النّصّ احتمالي الدلالة، أو احتمالي الثبوت فإنّه يُنتج اختلافا مشروعا يُصبح فيه كلّ رأي جزءًا من خطاب لا يحقّ له أن ينفي الخطاب الآخر، أو يدعى لنفسه الامتلاك المطلق للحقيقة.

فالخطاب الإصلاحي يحتاج أن يُركز على إظهار تعددية الاجتهاد والتأويل كإحدى مرتكزات التعامل مع النصوص غير المقطوع بدلالتها، فرغم علم الكاتب أو المتحدث المؤدلَج بتعدد الآراء في المسألة أو الحكم يسكت عن جميع الآراء، ويتبنى رأيا يسوقه للجمهور كأنّه الرأي الوحيد في المسألة معززا خطابا دينيا أحاديا يُقصى المخالف، ويراه مبتدعا ومضلّلا، وليس مجتهدا، وهذه إحدى الإشكاليات التي تُغذّى التّعصب، الذى يدفع إلى خطاب متطرف، يُنتج التكفير والإرهاب باسم مواجهة الإلحاد والكفر، فالجماعات تنطلق في خطابها من قراءة أحادية، لا تعترف بغير قراءتها، يدعمها فكر ديني عام لا يتبنى تعددية تُجدّد فهم الإسلام، فيُصبح الإسلام قراءة خاصة لنصّ تقدمه الجماعة على أنّه النهج الذى انحرف عنه العالم الإسلامي.

من جانب آخر.. تُشْعل أحادية الخطاب الديني، حالة من الصراع والمساجلة الفكرية، بين الحين والآخر في قضايا تعددت آراء القدامى حولها، تبعا لاختلاف مناهجهم في البحث والدراسة، فمنهجيات المدرسة العقلية الفلسفية تختلف عن مدرسة المحدّثين، تختلف عن مدرسة الفقهاء، إلا أنّ الفكر الديني المعاصر يتجاهل ذلك، فتكتفي بعض خطاباته الإقصائية ذات المنهج الانتقائي، بتقديم التراث ككتلة ثابتة ذات رؤية واحدة، من يُخالفها فهو منكر لما عليه الأمة.

على سبيل المثال.. مقاضاة ومخاصمة الدكتور مصطفى محمود، فيلسوف العامة وأحد ممثلي المدرسة الفلسفية الإسلامية المعاصرة في جناحها المحافظ، لرفضه تفسير الشفاعة بدلالتها الحرفية الشائعة، عند الأشاعرة والحنابلة، وهو في موقفه ذلك يحذو حذو مدرسة الاعتزال قديما التي رأت في تمسك الحنابلة والأشاعرة بالمعنى الحرفي للشفاعة ما يتنافى مع العدل الإلهي، ورغم أنّ مصطفى محمود سبقه في ذلك -كما أشار في دفاعه( ) عن رأيه- شيخ الأزهر محمد مصطفى المراغي الذى فسّر الشفاعة بالبُشرى، وقريب منه قول ابن تيمية الذي جعل الشفاعة بمعنى الدعاء، غير أنّ ما كتبه مصطفى محمود عن الشفاعة، أثار عاصفة من الهجوم وصلت إلى دعوات لمحاكمته وتفسيقه بل وتكفيره، وهذا نموذج واضح للإقصاء من خطاب لصالح خطاب آخر.

وبعيدا عن مناقشة مضمون القضية الجدلي الخلافي، فما طُرح حول فهم الشفاعة قديما وحديثا لا يعدو كونه خطابات دينية متعددة، ينبغي ألا يمارس أحدها دور الإقصاء للخطاب الآخر، أو استعداء السلطة أو الجماهير ضده، أو اتّهامه بالفسق أو الكفر، فلا تخلو حالة السجال والإقصاء من تحريض سلطوي وأيديولوجي، وفي خضم المعارك حول سلامة العقيدة، بوصفها مبررا لإقصاء صاحب الخطاب المختلف، تُستباح كلّ الوسائل باسم الدفاع عن الدين، فينشأ الخوف، ويترسخ الجمود، ويموت التفكير.

إنّ تركيز تيار الإصلاح، على قبول تعددية خطابنا الإسلامي، يُخرجنا من حالة المساجلة والمغالبة والإقصاء المستمر مع خطابات أخرى حاضرة فينا، وإن زعمنا غيابها، أو تغييبها بما يستنزف طاقاتنا، ويضعف من محاولة التعايش بيننا، كما أن مثل تلك الأحادية الإقصائية تُؤسس لخطاب التطرف القائم على نبذ الحوار وتبنِّى العنف، وجعْل الأفكار الإنسانية لها قداسة العقائد، فعمليات التفجير المتكررة في عالمنا ليست مواد متفجرة سريعة الاشتعال؛ بل خطاب فكري أحادي رآه بعض الشباب دينا مقدسا يستحق الموت من أجله، ولن يخرجنا من ذلك إلا قبول تعددية في الخطاب الإسلامي؛ تُثمِّن الثابت المشترك، وتتجاوز عن المختلف بشأنه، تعددية نوعية تُثرى الفكر، ويتسع بها خيارات المسلمين فعلا وتركًا.

ليس من الصواب، ما يظنّه البعض من إمكانية توحيد الخطابات الإسلامية في خطاب واحد، وأن تلك الأحادية ضرورية لتوحيد المسلمين على فهم الإسلام، متجاهلا طبيعة النصوص الاحتمالية، والسياقات الخارجية الموجّهة لقراءات النصوص، والقدرات العقلية المتفاوتة في التعامل مع النصوص، وطبيعة اللغة ذات الدلالات المتعددة أحيانا، فيسعى إلى تجاهل تلك التعددية التي يعج بها الفضاء الثقافي للعالم الإسلامي، ومتناسيا الطبيعة الحوارية للقرآن الكريم التي رسخت لما هو أعمق اختلافا وأشد تباعدا، من التعدد داخل الخطاب الإسلامي إلى احترام تعدد أديان ومعتقدات البشر الذي كفله النّص القرآني “لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِين”( )، “لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ”( )، فإذا كان القرآن الكريم صان اختلافا عقائديا في حياة البشر، فكيف نمنع تعددية داخل بنية الخطاب الديني الواحد، ظنا منّا أن ذلك يتنافى مع وِحدة المسلمين، أو يُنقص من صلابة الخطاب الإسلامي!

ترسيخ تعددية الخطاب الإسلامي يتطلب خلق حالة من الوعي العام بأن الخطابات القائمة على الاستدلال النقلي، أو المنطلقة من العقل في قراءة النقل، تتساوى من حيث كون كلٍّ منها خطابا، فليس من حق أحدها أن يزعم امتلاك الحقيقة، وإن سيطر فعليا بسبب علاقته الوثيقة بالسلطة السياسية، وأمكنه بذلك إقصاء الخطاب الآخر، وإخراجه من دائرة الضوء.

كذلك يحتاج الخطاب الديني الرسمي لترسيخ “التعددية” إلى التحوّل من دور المتحدث الواحد الفوقي في جمهور من المتلقين إلى دور المحاور المتفاعل مع الجمهور بوصفه الطرف الآخر المشارك في إنتاج الخطاب؛ لذا نحن في حاجة إلى تطوير وسائل التواصل، وتفعيل الحوار الداخلي في المؤسسات الدعوية والتثقيفية والتعليمية، ومواقع التواصل الاجتماعي، لنعزّز ثقافة قبول التنوع والاختلاف لمواجهة ثقافة الانفعال والصخب والجلبة.

فلم يعرف كِتاب الدعوة الخالد “القرآن الكريم” صوتا أحاديا، بل خطابات حاور فيها الله عز وجل الشيطان في علّة عصيانه، وحكى في مواضيع كثيرة حوار الأنبياء مع أقوامهم، وكأن القرآن الكريم يريد أن يُرسخ في الوجدان المسلم الطبيعة الحوارية التي تطلب ثنائية يتبادل فيها الطرفان دور المستمع والمتحدث، وسط حالة من الاستماع الجيد، والحديث المبنى على الحجة والمنطق والدليل على أرضية من التسليم باحتمالية الصواب والخطأ، ونسبية الطرح الإنساني في التعامل مع النصوص فهما وإدراكا.. فصوّر القرآن الكريم الأنبياء في حالة حوار حتى اللحظة الأخيرة مهما كانت قوة الصدام، واحتدام الصراع، كما صوَّر طبيعة الخطاب الشيطاني القائم على الصخب والجلبة والتشويش على الأفكار بإثارة الانفعالات “وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ”( )؛ فأيّ منطلق في خطابنا علينا أن نسلك حواري عقلاني يقبل التعددية أم حوار انفعالي تشويشي يحرض على الصدام!

 

 

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى