مقدمة أصوات: يكشف هذا التقرير عن وجه شديد الوضاعة لسياسات الاحتلال؛ يتمثل في إعادة إحياء المخططات الاستعمارية القديمة عبر صناعة ميليشيات عميلة وعصابات مأجورة من قطاع الطرق وتجار المخدرات لتكون ذراعا تنفيذيا له ولجهاز “الشباك” داخل القطاع.
إن استعانة الاحتلال بهذه الشرذمة الخارجة عن الصف الوطني لتنفيذ جرائم التهجير، ونهب بيوت المواطنين، وحرقها، والاعتداء على العائلات الآمنة، ليس إلا دليلا دامغاً على إفلاس جيش الاحتلال وعجزه الميداني أمام ضربات المقاومة؛ ما دفعه للاستعانة بأدوات رخيصة لخلق الفوضى وزرع الفتنة الداخلية، في محاولة يائسة لكسر إرادة الشعب الفلسطيني.
********************************
كانت المهمة التي طلب من الجنود تنفيذها غير مألوفة من البداية، حتى قبل تصاعد الأحداث واستخدام السلاح. وصفت بأنها “عملية منسقة” في منطقة خانيونس. المنسقون: جنود من الجيش الاسرائيلي يخدمون في قطاع غزة، وأفراد من مليشيا فلسطينية مسلحة تعارض حماس؛ لكن كلمة “تنسيق” هي كلمة مضللة في هذا السياق. لم يكن الجنود يعرفون الوضع الذي دخلوا اليه، ولم يعرفوا إلا لاحقا أنهم يشهدون تفعيل آلية تحكيم إثر نزاع داخلي في احدى المليشيات العاملة في قطاع غزة.
قال مقاتل مطلع على الحادثة لصحيفة “هآرتس”: “أطلق أحد أفراد العشيرة الذين كنا معهم النار -على ما يبدو بالخطأ- على زوجة أحد أفراد العشيرة المسلحين. أمام أنظارنا وعلى الأرض حدد الثمن، وأطلقت النار على ساقيه. تقبل الجميع الأمر وكأنه حكم مشروع. كنا نقف هناك في حالة صدمة تامة”.
هذه الحادثة التي وقعت في وقت سابق من هذه السنة ليست إلا نتيجة ثانوية للتعاون بين الجيش الإسرائيلي والمليشيات في قطاع غزة. ومن مظاهر طمس الحدود أيضا ظاهرة تجول أفراد المليشيات بحرية في المواقع الكثيرة التي أقامها هناك الجيش الإسرائيلي، حسب شهادات جمعتها “هآرتس”. وقال ضابط خدم في قطاع غزة بأنه شاهد “الكثير من أفراد المليشيات” بعد زيارته في تلك المواقع. ينظم المسلحون مظاهرات استعراضية، ويصورونها وينشرونها في الفيس بوك لأغراض دعائية ومن أجل تجنيد نشطاء جدد. من جانبهم يقدم الجيش الإسرائيلي والشَّبَاك الدعم للمليشيات، بسبب معارضتها لحماس، وهناك صلة وثيقة بين الطرفين، وتنسيق يقوم على المصالح المشتركة. “ما المشكلة في ذلك؟”، “هذا جيد”، قال رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في السنة الماضية. وقالت مصادر في غزة أن الجيش الاسرائيلي قدّم لعناصر المليشيات دعم ناري مدفعي ومرافقة بمسيرات عندما شنت عمليات ضد التنظيم الإرهابي، في الأراضي المحدودة التي ما زال يسيطر عليها.
ولكن المليشيات لا تستخدم فقط ضد نشطاء حماس؛ بل أيضا ضد سكان غزة الذين يحاولون البقاء على قيد الحياة في القطاع. وحسب معلومات جمعتها الأمم المتحدة، فقد عمل المسلحون بالتنسيق مع الجيش الاسرائيلي في طرد سكان غزة من بيوتهم. ووصف ضابط في سلاح الجو ما شاهده عندما تتبع المليشيات بمساعدة طائرة استطلاع وهجوم مسيرة، بمرافقة عنصر من الشَّبَاك: “رأيناهم يصلون في شاحنتين أو ثلاث شاحنات صغيرة تشبه بدرجة كبيرة سيارات حماس. كانوا يركضون ويطلقون النار على الناس. لقد دخلوا إلى مبنى ونهبوا كل ما وقع تحت أيديهم وخرجوا بأكوام من المعدات، وبعد ذلك أحرقوا البيت”.
في الأشهر الاخيرة تابعت “هآرتس” مشروع المليشيات الذي ترعاه إسرائيل. سبق أن تناولت وسائل الإعلام المحلية والدولية عملياتها. ولكن رسم الخرائط استنادا إلى صور الأقمار الصناعية وتحليل الشبكات والمحادثات مع فلسطينيين في داخل القطاع والمعلومات التي جمعتها الامم المتحدة وتصريحات المليشيات نفسها وشهادات مقاتلين وقادة في الجيش الإسرائيلي، تكشف عمق هذا التعاون. كل ذلك يؤدي إلى استنتاج واضح وهو أن المليشيات الفلسطينية المسلحة أصبحت الذراع التنفيذية للجيش الاسرائيلي والشباك في داخل القطاع.
يوجد لهذا المشروع جوانب سياسية أيضا. تقول إسرائيل أنها تربط أي تقدم في خطة ترامب لإنهاء الحرب في غزة بنزع سلاح حماس، في حين ترى حماس بالمليشيات تهديدا وتطالب بحلها شرطا لنزع سلاحها.
في غضون ذلك وعلى أرض الواقع، تدق أجراس الانذار. فبعد بدء مشروع المليشيات صرح جنود لـ “هآرتس” بأن الديناميكية التي ظهرت تثير الخوف من وقوع أحداث تشبه مذبحة صبرا وشاتيلا. وأكد ضابط في سلاح الجو تحدث مع “هآرتس”: “انظروا كيف ترسل إسرائيل والجيش الاسرائيلي والشَّبَاك مليشيات مسلحة ومدربة لتنفيذ جرائم حرب، وأنا الذي من المفروض أن اقوم بحمايتهم ثناء العمليات كي لا يصابوا بأذى”.
لقد صنع مشروع المليشيات في غزة تاريخ بالفعل. فحتى في المراحل الأولى للحرب جاء في التقارير أن إسرائيل كانت تفكر في تشغيل العشائر بديلا لحماس في الحكم، بسبب معارضة الحكومة لإدخال السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة.
في حزيران 2025، اعترف نتنياهو علنا بأنه “بناء على نصيحة مسئولين أمنيين، قمنا بتشغيل عشائر في غزة تعارض حماس”. جاء رد نتنياهو على مزاعم بأن الحكومة سلّحت “مجرمين مرتبطين بداعش” في إشارة الى رجال ياسر أبو شباب، الذي كان يقود مليشيا في منطقة رفح، وكان يصدر تصريحات متكررة لوسائل الاعلام العالمية. عندما أصيب أفادت التقارير بأنه نقل إلى إسرائيل لتلقي العلاج.
ياسر أبو شباب لم يعد على قيد الحياة، لكن مشروع المليشيات الذي ارتبط باسمه ما زال يتطور وينمو، بل وأكثر من ذلك منذ إعلان وقف اطلاق النار في تشرين الأول 2025، مع ذلك انقسم القطاع إلى قسمين، حيث خضع أكثر من نصفه لسيطرة الجيش الاسرائيلي، في حين خضع النصف الآخر لسيطرة حماس. وتوجد خمس جماعات مسلحة بارزة تطلق على نفسها أسماء مثل “القوات الشعبية الفلسطينية”، “آلية مكافحة الإرهاب الفلسطينية”. تظهر أفلام الفيديو التي ينشرها أحيانا عشرات المسلحين، حسب مصادر في قطاع غزة، يصل عدد أعضاء هذه الجماعات إلى المئات. وكل واحدة منها لها منطقة نشاط محددة في المنطقة الخاضعة لسيطرة الجيش الإسرائيلي. ويبدو أن المليشيات تنشط أيضا في منطقة سادسة حددتها “هآرتس”، وتنتشر هذه المليشيات في بيت حانون، الشجاعية، دير البلح، خانيونس ورفح.
ويتيح قرب قواعد المليشيات من خط الفصل بين الجيش الاسرائيلي وحماس -الخط الاصفر- لها شن عمليات بسهولة في المناطق التي تسيطر عليها حماس. وتلقي مصادر في قطاع غزة وتصريحات المليشيات نفسها ومنشورات متواصلة في وسائل الاعلام الضوء على عملياتها، وتشير هذه المصادر إلى وقوع معارك واشتباكات بين أعضاء المليشيات وأعضاء حماس في عدة مواقع في القطاع خلال الأشهر القليلة الماضية. وأفاد أعضاء المليشيات بقتل أعضاء من حماس في رفح. أيضا جاءت أنباء عن مواجهات نتج عنها ضحايا في خانيونس، وفي منطقة مخيمات وسط القطاع. ويتفاخر أعضاء المليشيات بالاستيلاء على سلاح لأعضاء حماس، وهددوا بملاحقة أعضاء المنظمة.
وحسب الجنود الذين تحدثوا مع “هآرتس” فان أعضاء المليشيات يشاركون في عمليات الجيش الاسرائيلي. وقال ضابط في سلاح الجو أن الجيش الإسرائيلي يرسل المسلحين إلى عمق مناطق سيطرة حماس، إلى مناطق يصعب الوصول إليها، وذلك، ضمن أمور أخرى، لجمع طائرات مسيرة تستخدم للتهريب: “كانت التعليمات: أحضروا لي الطائرة المسيرة وخذوا كل ما فيها – لا يهم إذا كانت سلاح أو مخدرات، هم يأخذون كل شيء”.
قائد مليشيا في دير البلح أكد تعاونه مع الجيش الإسرائيلي في تهجير سكان غزة. وقال في فيلم فيديو نشره في أيار: “هذه رسالة ننقلها من الطرف الإسرائيلي – أخلوا المكان”. وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية في نفس الشهر بالحصول على تقارير تفيد بأن قوات المليشيات أمرت سكان غزة بالإخلاء، وإن عائلات النازحين قالت إنها حصلت أيضا على مكالمات هاتفية من مهجرين قالوا أنهم من القوات الإسرائيلية، يأمرونها بالمغادرة في غضون فترة قصيرة.
في شهر حزيران أفادت الأمم المتحدة بأن نازحين قدموا شهادات تفيد بأنهم هربوا بعد أن “تقدمت القوات الاسرائيلية – بمساعدة فلسطينيين مسلحين – نحو مناطقهم السكنية وهي تلقي القنابل من الجو”. وما زال من غير الواضح بالتحديد أين نفذت المليشيات عمليات تهجير لسكان غزة، لكن في الأشهر الأخيرة أخلى سكان غزة الذين يعيشون في منطقة الخط الأصفر من بيوتهم، بالتزامن مع عمليات الجيش الاسرائيلي من أجل توسيع منطقة سيطرته على حساب الأراضي التي تسيطر عليها حماس.
تظهر فيديوهات كثيرة، التي تنشرها المليشيات، مسلحين يركبون سيارات وغارات وتدريب عسكري واستعراضات ومسيرات مسلحة واستعراضات عسكرية وتهديدات – كلها تهدف إلى تحدي حماس. وقالت مصادر في حماس للصحيفة بأنه بالنسبة لها فإنه طالما أن المليشيات تملك السلاح وتحصل على الدعم، فإنه لا يمكنها التنازل عن سلاحها الدفاعي لأنها ستصبح هدفا للمليشيات.
في نهاية الشهر الماضي أعلن مجلس السلام، الهيئة التي أنشأها الرئيس ترامب للتعامل مع غزة، عن اتفاق يهدف إلى تنفيذ المرحلة الثانية في خطة السلام. وتربط المادة 8 والمادة 10 في الاتفاق بصراحة بين نزع سلاح حماس وانسحاب الجيش الاسرائيلي من قطاع غزة ونزع سلاح المليشيات، لكن نتنياهو أعلن أن إسرائيل ترفض وثيقة “مجلس السلام”، وفي غضون ذلك أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية بيانا أدانت فيه قرار نتنياهو، أيضا زار جارد كوشنر، صهر ترامب، إسرائيل قبل اسبوع من أجل الدفع قدما بالجهود الدبلوماسية.
في الوقت الذي يبحث فيه مبعوثو الرئيس الامريكي عن حلول، لا يساور المؤسسة الأمنية أو الميدان أي شك في هوية الشركاء بشأن المسار الذي انتهجته إسرائيل. وأشار مسئولون كبار في الجيش الاسرائيلي في تصريحاتهم للصحيفة بأن الشخصيات الرئيسية في المليشيات ليست قادة سياسيين أو بديل شرعي لحماس، بل هم زعماء عصابات سابقة وتجار مخدرات استغلوا الفوضى في قطاع غزة والفراغ الحكومي لتحقيق مكاسب شخصية.
وأشارت مصادر في قطاع غزة إلى أن بعض أعضاء المليشيات هم أعضاء سابقون في جهاز الأمن التابع للسلطة الفلسطينية. ونشر أحد قادة المليشيات، شوقي أبو نصيرة، فيلم فيديو أوضح فيه موقفه وقال: “لقد بقيت في الميدان وتعرضت لهجمات حماس مثل غير، قتل ابني وابنتي ودمر بيتي. من المهم أن أدافع عن نفسي وعن الشعب الفلسطيني وعن كرامتي”. وأكد أبو نصيرة على أن رجاله ينسقون أمنيا وعسكريا مع إسرائيل، واتهم حماس بالترويج لمصالح إيران. “لقد اتخذت قرار تحرير الأرض من حماس. إذا قيل أن هذا هو سبب تعاوني، فأنا أتعاون معهم”.
“هم ببساطة يكرهون حماس ويحصلون على الكثير من المزايا والنفوذ من إسرائيل، وهذا يكفي للطرفين”، قال ضابط في سلاح الجو. وينظر كثيرون في المؤسسة الأمنية إلى قرار السماح لهم بحمل السلاح ووضع مناطق في قطاع غزة تحت سيطرتهم بأنه مقامرة محفوفة بالأخطار. وقد سألت صحيفة “هآرتس” الجيش الإسرائيلي عن توصياته للقيادة السياسية بشأن موضوع المليشيات، وكيف يعمل على تقليص الأخطار التي يتعرّض لها الجنود، وكيف يعمل على منع قتل الأبرياء في غزة، وما هو موقف المستشار القانوني في الجيش، وردا على ذلك حوّل الجيش الإسرائيلي الأمر إلى الشَّبَاك الذي لم يقدم أي رد.
تظهر صور للأقمار الصناعية وأفلام الفيديو من الميدان توسع ملحوظ في مجمع مليشيا أبو شباب في شرق رفح، الذي يضم ترسانة معدات حديثة، النادرة في قطاع غزة. وتستعرض المليشيا أعمالها باستخدام أدوات هندسية ثقيلة وتعبيد منطقة نشاطات جديدة وعربات جديدة مجهزة بمكيفات من نوع “تورنيدو”. وتظهر أيضا ملعب مغطى بالعشب الصناعي ومسجد ومحل بقالة ومحل للملابس. وقد صوّرت المليشيات في الشجاعية وهي توزع دراجات هوائية ملونة على الأطفال. وحسب مصادر في الجيش الإسرائيلي فإن بعض هذه المعدات مستوردة من إسرائيل.
وقد قال ضابط رفيع أن “استخدامهم يمثل قيد عملياتي أكثر مما هو ضرورة تكتيكية. نحن في نهاية المطاف بحاجة إلى كيان محلي يمكنه فرض النظام في المناطق التي تخضع لسيطرة الجيش الإسرائيلي وتنفيذ مهمات في المناطق التي يتمتعون فيها بميزة نسبية على مقاتلينا”. مع ذلك فإن موقف الجيش الإسرائيلي من المليشيات هو ثانوي، لأن القرار بشأن مستقبلها يعتمد على مدى الضغط الذي سيستخدمه ترامب على إسرائيل، وعلى استعداد نتنياهو للتقدم في المسار السياسي.








