رؤى

ما بعد الطوفان.. حديث المال!

في عام 2005، أصدر فنان موسيقى الراب الأمريكي “جيزي” ألبوما بعنوان “تراب أور داي”. تضمنت كلمات إحدى أغنيات الألبوم استخداما من قبل “جيزي” لمثل شائع انتشر في أوساط الأمريكيين، منذ أواخر الستينات تقريبا، ويمكن ترجمته إلى العربية على هذا النحو “المال يتحدث في حين يمضي الهراء”. ويشير المثل كما الأغنية إلى قوة المال، ومدى تأثيره على مجريات الأمور.

ويبدو أن “حديث المال” بات عاملا مقلقا لصناع القرار في كلٍ من دولة الاحتلال والحليف والداعم الأمريكي. حيث نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت تحليلا في شهر أغسطس 2026، حول رواتب ضباط جيش الاحتلال وكيف تأثرت -شأنها شأن أمور أخرى كثيرة في الكيان الصهيوني- بالمعركة المستمرة منذ السابع من أكتوبر من عام 2023.

وأكد التقرير الذي صاغه الصحفي يوسي يهوشع أنه “في الجيش الإسرائيلي يفهمون أمرا واحدا: بعد ما يقارب ثلاث سنوات من القتال، أصبح الاستنزاف أحد التحديات الرئيسة للجيش. إذا كان النقاش الأساسي في السابق حول بناء القوة يدور حول الدبابات والطائرات والذخائر والتكنولوجيا، فإن المورد الأكثر أهمية اليوم هو الإنسان الذي يشغّلها”.

وأشار يهوشع في تقريره إلى بيانات عُرضت في مؤتمر تناول الموضوع المشار إليه أعلاه في شهر مارس الماضي وكشف عن “واقع مقلق فيما يتعلق بتعويضات الضباط الشباب، سواء في الوحدات التكنولوجية والاستخباراتية أو في وظائف الأركان الحيوية”.

حيث تؤكد البيانات الداخلية مدى عمق الأزمة في أوساط هؤلاء الضباط فـ” 73% من أفراد الخدمة الدائمة يؤكدون وجود ضرر شديد في قدرتهم على أداء دورهم في الأسرة والأبوّة، و62% فكروا في تغيير كبير في حياتهم بسبب الاضطراب الناجم عن الخدمة، وفقط 49% يؤكدون رغبتهم في مواصلة الخدمة الدائمة، و18.5% فكروا مؤخرا في التسريح الفعلي من الجيش”.

إلا أن هذا النزيف المالي لا يقتصر على جيش الإبادة الجماعية، وإنما يعاني الجيش الذي أمده على مدار عامين كاملين بالسلاح والعتاد -أي الجيش الامريكي- من الأزمة ذاتها.

حيث كشفت صحيفة الغارديان البريطانية (27 أغسطس 2026) عن وثائق وشهادات تؤكد أن الحرب الصهيونية/الأمريكية المشتركة على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، قد استنزفت موازنة سلاح البحرية في الجيش الأمريكي.

وأوضحت الصحيفة.. أن هذه الحرب دفعت البحرية الأميركية، إلى تحويل أموال مخصصة للرواتب الخاصة بأفرادها وبنود أخرى، لتغطية تكاليف العمليات القتالية. كما أن حسابات رواتب العسكريين الأميركيين تواجه عجزا، بسبب سحب أموال منها لتمويل العمليات القتالية. ونقلت الصحيفة عن ضابط متقاعد في سلاح البحرية قوله، إن هذه الحسابات تكاد تنفذ لأن “الحصالة قد كُسرت” على حد تعبيره لتغطية نفقات المعركة.

وذكر مسئول آخر، أن عمليات الصيانة غير العاجلة لمنشآت البحرية المقامة على سواحل الولايات المتحدة،  تأجلت بسبب عدم وجود أموال كافية لتمويلها.

وخلصت الصحيفة إلى أن سلاح البحرية الامريكي أصبح قريبا من الإفلاس واعتبرت أن هذا يشكّل “صفعة” لإدارة الرئيس ترامب. ولا يقتصر النزيف على أموال الرواتب فحسب؛ بل يتعدى ذلك إلى نزيف السلاح والذخيرة أيضا. حيث كشفت صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية (29 أغسطس 2026) عن قلق متزايد في صفوف واضعي الخطط العسكرية الأمريكيين- من أن الاستنزاف المستمر للأسلحة والذخيرة الأمريكية في الحرب ضد إيران قد يشكل خطرا، يهدد مدى قدرة الولايات المتحدة، على التصدي لمواجهة مستقبلية مع الصين أو مع روسيا.

ونقلت الصحيفة عن مسئولين عسكريين قولهم إن استنزاف المخزون الأمريكي قد وصل إلى مستويات وصفوها بغير المسبوقة.

وأوضحت الصحيفة أن تعويض ما فُقد من المخزون المذكور أعلاه، قد يستغرق عدة سنوات، خاصة وأن مصانع إنتاج الولايات المتحدة من السلاح تصارع حاليا لحفظ التوازن بين تلبية متطلبات الجيش الأمريكي ومتطلبات أوكرانيا في حربها مع روسيا.

أن النزيف المالي الذي يعاني منه حاليا كلا الجيشين -الصهيوني والأمريكي- يكشف عن إدراك عميق من قبل ما يعرف بـ”محور المقاومة” في المنطقة عن نقطة ضعف أساسية عند كلا الحليفين.

فهما يواجهان شعوبا على أتم الاستعداد لدفع ضريبة الدم لتحقيق غاياتها في هذه المعركة، أما تل أبيب وواشنطن -شأنهما شأن كافة المجتمعات التي قامت على أساس استعماري إحلالي- فليس لدى أي منهما استعداد للتضحية بالمال فضلا عن الدم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى