ثقافة

تحدّيات على طريق الإصلاح (٩) سيطرة الائتماري على الائتماني.. وضعف القراءة النقدية

وإزاء واقعنا المتردي -وأزماته التي لا تنتهي- دوما يكون الحلّ، الذي يتردد في الخطاب الديني الرسمي، الذي تُشرف عليه الدولة، والخطاب الديني الشعبي الذي تُشكّله الجماعات، أنّ مشاكلنا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية؛ تنتهي فور العودة إلى الله، وهذه العبارة رغم تداولها -حتى تبدو مسلَّمة من المسلَّمات- إلا أنها في الواقع لا تخلو من تسطيح قضية معقّدة، وهروب من تبعات المسئولية المُلقاة على عاتق الإنسان، تجاه تغيير واقعه، وإلقاء تبعية الأمر على الله، وكأنّ الله هو المكلّف من الإنسان بالتغيير والتعمير، وهذا يناقض الواقع.. حيث جعل الله الإنسان -مسلما أو غير مسلم- على خطّ واحد في علاقته بالكون، فمن يمتلك أن يُغيّر ويُطوّر من واقعه يمنحه الله التقدم والتطوّر، فمشاكلنا أكثر تعقيدا من أن تُختزل في ضعف الجانب الإيماني، الذي لا نُقلل من أهميته في تعزيز الأخلاق والرقابة الذاتية، إلا أننا أمام إشكاليات بالغة التعقيد، انتهت بنا إلى هذا الواقع المتردي، لا بديل أمامنا عن أن نُراجع ونُغربل الكثير من الأفكار، أن نقرأ في ذلك مليار مرة قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” لعلنا نستوعب معنى أن التغيير يبدأ من الأرض، وليس من السماء.

فإذا عُدنا إلى أنفسنا سنجد أنّ من أسباب ضعف الجانب الروحي/الإيماني هي ضآلة المساحة الممنوحة للأخلاق، في تراثنا وخطابنا الديني المعاصر؛ نتيجة هيمنةِ الائتمار الفقهي على الحياة، واتخاذِه مرجعيةً في التفكير والسلوك؛ ما أدّى إلى اختلاط معنى الأخلاق بالفقه في عالم المسلمين؛ بل تسيّد فهمٌ لدى المسلم يختصرُ كلَّ ما هو أخلاقي بما هو فقهي، حيث اقترن في الضمير الإسلامي، الواجبُ بالمعنى الفقهي بمفهوم الحُسْن بالمعنى الأخلاقي، واقترن المحرّمُ بالمعنى الفقهي بمفهوم القُبح بالمعنى الأخلاقي، مع أن الحُسْنَ والقُبحَ من أحكام العقل العملي “الأخلاقي”، وأحكام هذا العقل لا تتطابق دائما مع أحكامِ الواجب والمحرّم في مدونة الفقه الإسلامي”.

ونمت واتسعت وتضخّمت المقاربات الفقهية والكلامية، واستبدّت بالفقه ظاهرةُ التكرار المملّة، فتراكمت المتونُ وشروحُها وشروحُ شروحها، وصار رجلُ الدين يستمدُّ مكانتَه من دراستِه وتدريسِه وكتابته في الفقه وأصوله، وأصبح يتحدّد على أساسها مصيرُ مقامه الديني والدنيوي، وما يُمنَح من حقوق وامتيازات مادية وروحية ورمزية وعلمية، ونمت بعض الظواهر التي لا صلةَ لها بالواقع في التفكير الفقهي كما تنمو طفيلياتُ النبات التي لا جذور لها في التربة، مثل ظاهرة الافتراض الفقهي أو الفقه الافتراضي، الذي غرقت فيه ذهنيةُ بعض الفقهاء، فراحوا يفترضون مسائلَ شاذة، وربّما تورّط أحدُهم بافتراضاتٍ تثيرُ السخريةَ أحياناً”. ( )

وبالتوازي مع ذلك أمست مدونةُ الأخلاق في تراثنا هي الأفقر، مقارنةً بالفقهِ وأصوله وعلمِ الكلام والتفسيرِ والحديثِ، وغيرِها من علوم ومعارف التراث. فقد ضمرت المدونةُ الأخلاقية في الإسلام، وشحّ التأليفُ فيها، لذلك قلّما نجد مؤلفاتٍ مهمةً تبحث في فلسفةِ الأخلاق، أو كتابات تحدّد ماهيةَ الأخلاق النظرية والعملية، وتحلّل طبيعةَ صلة الدين بالأخلاق والأخلاق بالدين، فلم تتمكن الدراسات الأخلاقية من استقلالية تساعد على نمو وتطور هذا الحقل المعرفي الضروري؛ لإحداث نهضة في عالمنا الإسلامي، فنسيانُ الأخلاقِ، وعدمُ الاكتراثِ بحقوقِ الإنسان -بوصفه إنسانا- من أهمّ أسباب الإخفاق الحضاري، أو الموت المجتمعي على حد تعبير طه عبدالرحمن “الأخلاق صفات لا يختلُّ بفقدها نظام السلوك فقط، بل أيضا نظام الحياة؛ فلو تصوّرنا وجود مجتمع ما غير متمسّك بالأخلاق ولا بالقيم التي تُسنِد هذه الأخلاق، لوجب أن نعُدّه لا مجتمعا فاسدا فحسب بل مجتمعا ميتا لأنه لا حياة بغير أخلاق”.( )

وتضررت الأخلاق بالتصورات السلبية السائدة في مجتمعاتنا التي ربطتها تارة بمباحث الفلسفة النظرية التي لا يضرّ فقدها الإنسان في شيء؛ بل قد يستغنى عنها، إذ ليست ضرورية، بل هي بمنزلة ترف لا يضرنا عدم تحققه. وربطتها تارة أخرى بالفقه وشدّدت على الصلة العضوية بين الفقه والأخلاق، وكأن لا أخلاقَ خارجَ المدوّنة الفقهية، حتى صارت هذه القضيةُ واحدةً من المسلّمات المضمرة في العقل الفقهي، وذلك ما ضيّع شيئا من معاني الأخلاق. ولم يقتصر ذلك على الفقهاء؛ بل لم يتخذ متكلمو الإسلام ومحدثوه ومفسروه من العقلِ الأخلاقي مرجعيةً في فهمهم للإسلامِ، وتفسيرهم لنصوصه المقدسة، فتصدّعت الأخلاقُ في مدونة الفقه الإسلامي التي لم تكترث بالنزعة الإنسانية في الدين، فـ”غيابُ مرجعيةِ العقلِ الأخلاقي قاد التفكيرِ الفقهي إلى التشديدِ على ما هو جزئي وتجاهل ما هو كلي، والتمسكِ بالفروعِ وتركِ الأصول، والتنقيبِ في الحروف وإهمالِ المقاصد، والتركيزِ على التفاصيل الدقيقة في تقييم السلوك وعدمِ الاكتراث بالنزعةِ الخيرية والمؤشراتِ الأخلاقية وتعبيرِها في سلوك المسلم عن روحِ الدين وأهدافِه الإنسانية.” ( )

وإذا كان الائتمار الخارجي أسهم في ضعف الجانب الرُّوحي والأخلاقي، وأنتج قشرة تدين هشّة بلا ضمير ائتماني تجاه المجتمع، فإن الدور المغلوط الذي تقوم به السلطة السياسية وجماعات التمايز بالإسلام الصحيح عن المسلمين من مساجلات وصراعات سياسية بلافتات دعوية يقف حاجزا -هو الآخر- دون أيّ ارتقاء بالجانب الروحي الإيماني، ما أضعف النزوع الشخصي إلى التّمسك بالقيم الدينية والروحية، وفقد الثقة في تجارب التدين. ومن أبرز النماذج على ذلك المسجد، فهو بخمس صلوات استراحة رُوحية من ضوضاء الحياة اليومية، وخطبته الأسبوعية ودروسه وعظ يستهدف تجديد الزاد الروحي للمسلم بما يُقوّي بداخله معاني الرجاء والخوف من الله والمحبة والتسامح مع الناس والمحاسبة والمراقبة مع النفس، تلك الروحانية التي تبعث الأمل في عدل أكبر عندما يشعر الإنسان بالعجز، وتُحرّك بداخله معاني السكينة والاطمئنان ليقبل بنتائج جولات سعيه المتكررة؛ أخذا بالأسباب وبحثا عن وسائل النهوض.

ومع النشأة الأولى للمسجد في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- كان دارا للعبادة والقضاء وطلب العلم واستقبال وفود القبائل وجمع الزكاة والصدقات وإعلان النفير العام، إلا أن الأمر لم يدم طويلا، فالمسجد في تاريخ المسلمين مرّ بأطوار تاريخية، انتقلت معها تلك الوظائف تباعا خارج المسجد، فبعد رحيله -صلى الله عليه وسلم- شرع خلفاؤه مستفيدين من الخبرة الفارسية والرومية في إنشاء الدواوين، فاستقلّ بيت المال بنفسه وديوان الجند ودار الحكم ودار القضاء؛ وصولا لاستحداث مدارس مستقلة عن المساجد أوائل القرن الثالث الهجري.. وهذا ما رأت فيه “جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين” انتقاصا لدور المسجد، وإن قبلت على مضض بفكرة تخلّى المسجد عن مهامه التاريخية إلا أنها تمسّكت بدوره في التعبئة لمعركتها نحو التمكين، وجعلتها مسلّمة دينية ترقى لأن تكون الركن السادس في أركان الإسلام.

فالجماعات تعيش فترات مواجهة شعارها “هاجروا وقاتلوا في سبيل الله”، فمتى اهترئ نظام سياسي؛ شعرت أنها على أعتاب مرحلة التمكين، وأن تلك الدولة هي أرض الجهاد المبشَّر به.. كما تعيش فترات هدنة طويلة شعارها “وأعدّوا” وتُعرف تلك المرحلة بهدنة الإعداد، أو ما قبل التمكين، وفي تلك الفترات تنشط الجماعات لممارسة ما تُطلق عليه “الدعوة” انطلاقا من المسجد الذي تراه ساحة مثالية لاستقطاب عناصر جديدة من الشباب المتطلّع إلى التدين، الباحث عن صحيح الالتزام، فمثل هؤلاء أهداف مناسبة كربط عام تقترب منهم الجماعات عاطفيا لا فكريا؛ فغاية تلك المرحلة إشباع الأخ عاطفيا وتعزيز نزوعه المفرط إلى المثالية، فإذا اطمأنت لقابليته واستعداده العاطفي؛ انتقلت به من دائرة الربط العام إلى الدعوة الفردية فتقترب منه فكريا بتسكينه في لقاء مفتوح، قد يكون درسا أسبوعيا لأحد الشيوخ أو حلقة لتصويب قراءة القرآن الكريم، فإذا انتظم انتقل بعدها إلى لقاء مغلق ينعقد أسبوعيا، وآخر شهريا لإعداده ليكون ترسا في ماكينة التنظيم، وعلى قدر استجابته سمعا وطاعة، وسلامته من داء التساؤل المستمر والتفكير النقدي، يأتي التصعيد التنظيمي وصولا لبيعة العمل كأحد الأعضاء المنتظمين في الجماعة المخلصين لها الساعين لإقامة دولتها دولة المسلمين التاريخية، على رفات دولة المواطنة الجغرافية.

وترى كل جماعة في نشاطها داخل المسجد حقا مشروعا، وأن منعه محاربة لدعوة الإسلام، فكل منها يرى نفسه الجماعة الناجية المستكملة لأركان الدعوة فهما وإخلاصا وعملا فهي دون غيرها من يستحق تمثيل الإسلام حصريا، وعلى النقيض تراها الأنظمة الحاكمة من تنظيمات محظورة قانونا لأن تمويلها ولائحتها لا تخضع للقوانين المنظمة للعمل العام، ولا يخلو نشاطها من سرية وغموض يحتاج إلى سنوات -أحيانا- لتظهر خباياه التي تضرّ بأمن وسلامة المجتمع.

وأمام إصرار الجماعات على الانطلاق من المسجد في التعبئة والانتقاء والتجنيد تحوّلت المساجد إلى ساحات صراع تارة بين الجماعات المتنافسة على اكتساب أنصار وعناصر جُدد لاسيما في فترات التراجع الأمني وإطلاق يد الجماعات في العمل المسجدي، وتارة أخرى بين الجماعات والأنظمة السياسية التي احتاجت إلى عقود؛ لتدرك أن فترات الهدنة أشدّ خطرا من فترات المواجهة، وأن نهاية نظام السادات لم يكن باغتياله في أكتوبر 1981، بل بدأ قبل ذلك بكثير عندما أطلق العنان للحركة الأصولية؛ لتجنّد كل جماعة عناصر جديدة من المسجد، فتعلّمت من سنوات الكرّ والفرّ أن السيطرة على المساجد هو أول الطريق لعزل أبناء الحركة الأصولية مجتمعيا.. وكما أن الجهات الأمنية لا تملّ عن تتبع النشاط المسجدي؛ فإن الجماعات هي الأخرى لا تملّ من استراتيجيات التخفي، فإذا سُلب منها مسجد عادت إلى آخر في عملية تُطلق عليها “الفتح”، ولعلّ من أعجب تجارب الجماعات مع التخفي ما قامت به جماعة الجهاد المصرية على مدار اثني عشر عاما من مهادنة الدولة المصرية ظاهرا؛ متخذة من أفغانستان قاعدة لدولة الخلافة المرتقبة بينما يُمارس أعضاؤها سرا الدعوة إلى الله -من منظورهم- من خلال توسيع قواعد التنظيم بتجنيد عناصر جديدة من الشباب الذي يتردّد على دروس مساجد شيوخ الفكر السلفي، ومن يستكمل مرحلة الإعداد العقائدي- يلتحق في سرية تامة بمعسكرات التدريب الخاصة بجماعة الجهاد في أفغانستان، ثم يعود إلى مصر استعدادا لمعركة الفتح؛ ولأن المسجد ليس ساحة لجماعة بعينها، قادت الجماعة الإسلامية -عن غير قصد منها- الشرطة المصرية إلى خلايا الجهاد، فإصرار الجماعة الإسلامية على الاحتفاظ بمسجد “آدم” بعين شمس مركزا لنشاطها؛ أدخلها في مواجهة مع الشرطة أعقبها حملة اعتقالات، كشفت مصادفة من خلال التحقيقات عن خلايا جماعة الجهاد التي عرفت طريقها إلى معسكرات التدريب في أفغانستان، انطلاقا من دروس المسجد، وعرفت تلك الحادثة إعلاميا بقضايا طلائع الفتح، وكان انكشافها سببا في تصدّع مجلس قيادة الجهاد المصري في الخارج وانقسامه.

ومع كل عودة من الجماعات إلى العمل المسجدي -نقطة البداية المتكررة في مشروعها نحو الأسلمة- تدخل الدولة المصرية جولة جديدة، ليس في إصلاح الفكر الديني بل في حوكمة المساجد الأهلية وإخضاعها لوزارة الأوقاف، بما يحرم الجماعات من أهم مساحات المجال العام، وإنْ فشل موظفو وزارة الأوقاف – أئمة المساجد – في إحداث تفاعل إيجابي داخل المجتمع، حيث تقف علاقة روّاد المسجد بالواعظ غالبا عند حدود السؤال الفقهي المرتبط بالمناسبات الدينية والاجتماعية، إلا أنّهم نجحوا في توفير الحماية اللازمة للميكروفون والمحراب والمنبر ويُراقب أداءهم مفتشون مهمتهم الدعوية الأولى تتمثل في الاطلاع على دفتر الحضور والانصراف، لا يشغلهم سؤال المجتمع ولا يُحفّز عزيمتهم تردّيه الأخلاقي ولا يُبالون بضعف معدلات الاستجابة المجتمعية لخطابهم، فأئمة المساجد أكثرهم اختار طريق العمل الوعظي (الدعوة الإسلامية على حدّ تعبيرهم)، ليس لشيء سوى أنه حصل على مجموع متدنّي في الثانوية الأزهرية، فلم يجد خيارا سوى الكلية الشرعية، وبعد التخرّج وجد في الوعظ المسجدي فرصة عمل لأكل العيش، لا تحتاج منه سوى إتقان حفظ القرآن الكريم ومعرفة أهم الأحكام الفقهية، بما يُمكّنه من اجتياز اختبارات القبول مع أول إعلان وظيفي، فقدرته على الحفظ والاستدعاء من الذاكرة وملف أمني نظيف من أي صلة بالجماعات يضمن له فرصة في مجال الوعظ، فليس من شروط وظيفته ملكات إبداعية أو قدرات نقدية تمكّنه من إعادة قراءة التراث الوعظي ولا يُبالي رؤساؤه بقدراته على التأثير في جمهور مسجده فكريا أو سلوكيا أو روحيا، فمثل تلك المهام لم يسمع بها قط ضمن مهام وظيفته الثلاثية داعية وإمام ومدرس بالأوقاف! وفي ظل روتينيّة أداء موظفي المساجد واستقطابية وتعبئة الجماعات- خفتت روحانية المسجد وغُيّب دوره الإصلاحي.

من جانب آخر، من أخطر معوّقات إصلاح الفكر الديني ما يعيشه البعض من تكبر/تعملق معرفي من جانب، وما يعيشه البعض من احتقار الذات المعرفية من جانب آخر، ما أدّى إلى فقدان الدافعية وانحطاط الهمّة، والجبن عن المواجهة الفكرية، فيُقلّدون القدامى ويُرددون الموروث الشائع دون إعمال عقل أو إعادة نظر، يشعرون في أنفسهم بالضعف والخوف والجُبن عن ممارسة قراءة نقدية متعمّقة، يُحاولون التغلب على إحساسهم بالدونية المعرفية بإنتاج القديم مرة أخرى بتغليف وتعليب جديد حتى تُقنع النفسُ العقلَ أنه يُنتج معارفه، والواقع أنّه لا ينطلق من مقدمات حقيقية بل من مقدمات مزيفة، يُحذّر من مخالفة الشائع، ويُردد شعارات من قبيل “الدفاع عن الهوية يقتضى المحافظة على اتفاق مع المحيط المعرفي، وعدم الدخول في معارك معرفية مفاسدها أكبر من منافعها”.

يُداهن كلا الطرفين المحيط المعرفي، ويتحدّث بلغته تقليدا أو حداثة، يميل إلى تقليد الأقوياء حتى يُخفي ضعفه، ويبدو مثلهم، فالتقليد ليس سلفيا تراثيا فحسب؛ بل هناك حداثة مُقلّدة نراها في الحداثة بنسختها العربية التي نقلت الشكل، وردّدت النتائج دون أن تمتلك روح الحداثة القائمة على الإبداع، أمثال هؤلاء من الحداثيين العرب مقلدين لا اختلاف بينهم وبين السلفية الفكرية، سوى في جهة التقليد المتبعَة، فالضعيف نفسيا أمام الغرب يُنتج معرفة يرضى عنها الغرب، والضعيف نفسيا أمام التراث يُنتج معرفة لا تتقدم قيد أنملة عن نتاج القدامى، فيسعى إلى تحقيق انسجام مع محيطه المعرفي غايته الراحة النفسية، وليس نتاج معرفي حقيقي.

“فالمثقف العربي فاشل؛ لأنّه يضرب بسيف غيره.. التقليديون يضربون بسيف التاريخ، والحداثيون يضربون بسيف الغرب، واحد يضرب بسيف الزمان والآخر يضرب بسيف المكان؛ حتّى أصبح لدينا نظرية ثالثة في التحسين والتقبيح النقلي والعقلي والغربي”.

فبعض النّخب الدّاعية إلى التجديد تبنّت فكرة القطيعة مع التراث، واستبدلت قيم الغرب به، في محاولات لا يمكن وصفها بالتجديد، فهي تُجسّد نوعا من التبعية والتقليد، وهذا النموذج المزيّف للتجديد، المتطرّف في الإعجاب بالغرب منح دعاة الانغلاق مبررا لتطرفهم في رفض كل جديد، فبدافع من قلق على الهوية نظر التقليديون بتطرّف إلى كلّ محاولة تجديدية، بوصفها حركة تمرد وانشقاق على الأمة، هدفها الإطاحة بتراث الأمة وهويّتها، فالتجديد اقترن في تفكيرهم بالاغتراب الفكري والاستلاب الثقافي.

وفي مقابل احتقار الذات معرفيا يأتي التكبر والتعملق المعرفي من بعض الباحثين والدارسين، فرفضوا علوما إنسانية بأكملها، واستخفّوا بمنهاجياتها؛ لأنّها لم يعرفْها السابقون، فالعلم، من منظورهم، ما تركه القدامى فحسب، وما جهلوه فلم ينقلوه عنهم ليس له وزن ولا قيمة معرفية، فتدفع النفسُ العقل لتسخيفِ وتحقيرِ كلّ المعارف التي تجهلها، وتتكبر على مكتسبي تلك المعرفة؛ ليرفع الباحث عن كاهله عبء البحث في هذا العلم الذي يجهله، فالأنا لها دورها المؤثّر على العقل؛ ليخترع وسائل عديدة؛ لتحقير معارف

الآخرين، لسانُ حالِهم “لا نراك اتبعك إلا أراذلنا”؛ لأنّ من يعرضُها مجاهيلَ القوم، فرفْض الفكرة نابعٌ من رَفْض صاحبها؛ لأنه من مجاهيل الباحثين، وليس معاريفهم أو لأنّه ينتمي إلى مدرسة فكرية مخالفة؛ ولو قالها المعاريف أو قالها أحدُ أبناء مدرسته الفكرية لأصبحت موضع عناية، يصِف طرْحَ فلان بالضحالة وضعْف المستوى حتى لا يشعر بالقصور والنقص المعرفي، تضغط الأنا عليه ليطلب من العقل أن يجد لها مخرجا من هذا الثقل.. كيف يتحدث هؤلاء في مناطق لم أعرفها! فيندفع بتكبره إلى تصغير المعارف التي يجهلها.. فهو أكبر منها وممن يطرحونها، ورويدا رويدا يخرج من مجال الجدل والنقاش المعرفي والبحثي إلى التجريح الشخصي واتهام النوايا.. بدافع من هذه الخصلة غير الأخلاقية، يصعب عليه أن يعترف بالخطأ ولو بينه وبين نفسه، ينتقد معارف الآخرين ويسكت عن قصوره المعرفي.

أخيرا الفكر الإصلاحي يُعيد العقل إلى عمله في البحث عن الجديد، واكتساب المعرفة التي يجهلها، ويُعزز دوافعه للبحث والنظر، فيقرأ ويراجع ويكتشف.. يُطالب العقل بالتواضع المعرفي وتطهير النفس من التّكبر فيكون لينا أمام المعرفة ينقد نفسه، ويُقرّ بأنّه مُخطئ، فلا سبيل إلى التطور معرفيا، إلا إذا بدأت كل مدرسة وتيار بنقد ذاتي يُقدّم كشف حساب بالأخطاء حتى يُمكنه التصويب والمضي إلى الأمام، فالمدارس الكبرى ما كُتب لها الاستمرارية إلا لقيامها بمراجعات نقدية، من هنا تأتي أهمية بثّ الوعي وتعميق الشعور بالحاجة إلى التجديد وتنمية النزعة النقدية لتقصّي الحقائق وإدراك الأبعاد الحقيقية لواقعنا الثقافي وما نعيشه من أزمات.

 

 

 

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى