في تقرير له ذكر موقع بلومبرغ إيكونوميكس أن التطورات الجيوسياسية الأخيرة في المنطقة- أحدثت ما يمكن وصفه بالاضطراب في الاقتصاد المصري، ولا يوصف بالزلزال كما حدث في 2022، بسبب تداعيات الحرب الروسية الأوكرانية.
وذكر التقرير أن قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات قد ازدادت بسبب الإصلاحات التي بدأت قبل نحو عامين، والتحول إلى سعر صرف أكثر مرونة، وحزمة الدعم الدولية المرتبطة ببرنامج صندوق النقد الدولي(60 مليار دولار) لكن في ظل وجود الاختلالات الهيكلية المزمنة، وعدم طرح برامج علاج لها، نُقِلَ الجزء الأكبر من التكلفة إلى سعر الصرف وارتفاع معدلات التضخم والدين العام.. وتضرر القطاع الخاص. كما عرض التقرير دورة تاريخية متكررة لأزمات ميزان المدفوعات: أزمة، ثم برنامج إصلاح وتعافٍ، ثم تراكم ضغوط نتيجة محاولة تثبيت سعر الصرف واستخدام الاحتياطي، ثم ظهور سوق موازية، وأخيرا خفض قيمة الجنيه.
وذكر التقرير نقلا عن وزير المالية المصري أن الاقتصاد المصري نما بأكثر من 5% خلال السنة المالية المنتهية في يونيو. لكن هناك فرق بين نمو الناتج المحلي الحقيقي، ونمو نصيب الفرد من الناتج، وتحسن القوة الشرائية للأسر، ونوعية النمو ومصادره، وهل يعبّر هذا النمو عن زيادة الطاقة الإنتاجية والصادرات والاستثمار الخاص، أم أن جزءا منه يعكس التعافي من مستويات منخفضة سابقة؟ وأضاف الوزير أن الدين العام انخفض من 97% إلى 82.4% من الناتج المحلي الإجمالي؛ لكنه يظل تحت ضغط مرتفع بسبب التدفقات النقدية اللازمة سنويا لخدمة الدين.
وتكتسب خدمة الدين أهمية خاصة في الحالة المصرية؛ لأنها تربط المالية العامة بسوق الصرف والاحتياطي النقدي. فالأقساط والفوائد الخارجية تعني طلبا مستمرا على العملة الأجنبية، بينما إعادة تمويل الديون المحلية ترفع تكلفة الاقتراض عندما تكون أسعار الفائدة مرتفعة.
ويمثل الاحتياطي النقدي وسادة مهمة أمام الصدمات الخارجية، وقد وصل الاحتياطي النقدي إلى أعلى رقم له على الإطلاق الأسبوع الماضي (57.2145 مليار دولار) لكن ذلك لا يكفي وحده لقياس قوة المركز الخارجي. فالمقارنة الصحيحة يجب أن تشمل الالتزامات الخارجية القريبة، وأقساط الدين المستحقة، وفوائد الدين، والواردات، ومصادر التدفقات الدولارية.
لذلك فإن السؤال الأدق ليس كم يبلغ الاحتياطي؟ بل كم يغطي من أشهر الواردات؟ وما حجمه مقارنة بالالتزامات الخارجية قصيرة ومتوسطة الأجل؟ وما الجزء الذي يمثل أموالا متاحة فعلا، مقابل الودائع (تمثل 32% من الاحتياطي) والالتزامات المرتبطة بمصادر تمويل أخرى؟
يرصد التقرير عوامل ساعدت على امتصاص الصدمة، منها التدفقات القياسية لتحويلات المصريين بالخارج بلغت (47.3 مليار) بنسبة ارتفاع تصل إلى (29.6%)، وعودة مليارات الدولارات من الاستثمارات إلى سوق الدين، والحفاظ على سياسة سعر صرف مرنة، وخفض الإنفاق على دعم الطاقة. وهذه العوامل تفسر جزئيا لماذا لم تتكرر بصورة مطابقة أزمة 2022.
لكن وجود مصادر قوية للنقد الأجنبي لا يعني تلقائيا أن الاختلال الخارجي أصبح مستداما. فالسياحة والتحويلات والاستثمارات المالية يمكن أن تتحسن بقوة، بينما يظل الاقتصاد محتاجا إلى زيادة قدرته على توليد النقد الأجنبي من صادرات السلع والخدمات والإنتاج القابل للتصدير.
تناول التقرير أيضا دراسة خطة لتسوية تشابكات مالية بين وزارة المالية والهيئة العامة للسلع التموينية والبنوك المحلية بقيمة 140 مليار جنيه منذ عام 2014. ويربط المسئولون تراكم هذه الالتزامات بفروق أسعار السلع التموينية، وتغيرات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف السلع المستوردة والشحن، والاعتماد على تسهيلات ائتمانية بضمان وزارة المالية.
لا يعكس تقرير بلومبرغ حالة من الارتياح بقدر ما يستدعي حالة من التأمل، فما زالت المسارات التي فاقمت الأزمة مطروقة، وما زالت الاختلالات الهيكلية قائمة وما زالت السياسات التي تحمّل تبعات فاتورة الإصلاح للطبقات الفقيرة متبعة، مع زيادة الضغوط الاقتصادية على السواد الأعظم من المصريين، بالاستمرار في الاقتراض على نحو موسّع.








