رؤى

في الذكرى الـ 48 لتوقيع كامب ديفيد.. كيف رأى رجال الدولة المصرية الاتفاقية؟

في السابع عشر من سبتمبر 1978، وقّع الرئيس الراحل أنور السادات، مع مجرم الحرب مناحيم بيغن رئيس وزراء الكيان الصهيوني، برعاية الرئيس الأمريكي جيمي كارتر.. اتفاقية كامب ديفيد، والتي أسفرت عن إطار عمل لتسوية “سلمية” بين مصر وإسرائيل.. ومعاهدة السلام لاحقا عام 1979.

قوبلت الاتفاقية برفض واستنكار عربي واسع، واصطلح على تسميتها في الخطاب المعارض بـ”اتفاقية العار” لما مثّلته من خروج منفرد عن الإجماع العربي في مواجهة دولة الاحتلال.. ما أسفر عن تعليق عضوية مصر في جامعة الدول العربية حينها.

شهدت كواليس مفاوضات كامب ديفيد عام 1978، معارضة شديدة واستقالات تاريخية من قِبل كبار مسئولي السلك الدبلوماسي، وكبار القادة العسكريين في مصر، الذين اعتبروا الشروط التي قبل بها الرئيس السادات- تنازلا مجحفا يُضعف الموقف العربي والمصري.

لم يتوقف الأمر على الاحتجاج الشفوي.. فقد تقدّم محمد إبراهيم كامل وزير الخارجية آنذاك باستقالته من منصبه في منتجع كامب ديفيد عشية توقيع الاتفاقية.. وقال كامل في شهادته للتاريخ التي صدرت في كتاب شهير بعنوان “السلام الضائع في اتفاقات كامب ديفيد” أن هذه الاتفاقية هي “مذبحة التنازلات” وأضاف “إن أي اتفاقية ستبرم في نهاية الأمر على هذا الأساس- ستكون كارثة على مصر، وعلى الشعب الفلسطيني، وعلى الأمة العربية جمعاء”.

انتقد الرجل في كتابه أيضا.. انفراد السادات بالقرار وعشوائيته كما وصف القبول بما عُرض بأنه “انحراف بمصر نحو الانضمام إلى حلف استراتيجي أمريكي إسرائيلي”.

كما اعتبر محمد إسماعيل فهمي، وزير الخارجية الذي قدم استقالته قبل بدء المفاوضات، في كتابه “التفاوض من أجل السلام في الشرق الأوسط”- أن السادات ألقى بكل الأوراق الرابحة لمصر، وخصوصا حائط التضامن العربي، مجانا للاحتلال، وأن الاتفاقية جمّدت القضية الفلسطينية وعزلت مصر عربيا.

أما المشير محمد عبد الغني الجمسي وزير الحربية والقائد العام للقوات المسلحة، والذي أقاله السادات من منصبه في أكتوبر 1978، بعد احتدام الخلاف بينهما حول الترتيبات الأمنية في سيناء- فقد ذكر في شهادته، اعتراضه على الشروط الإسرائيلية، التي فرضت تجريد مساحات واسعة من سيناء من السلاح الثقيل، وتحديد حجم القوات المصرية فيها.

واعتبر الجمسي أن هذه البنود تمس بالعمق الاستراتيجي للأمن القومي المصري، وتكبِّل قدرة الجيش على المناورة لحماية حدوده الشرقية بالشكل الكافي.

المشير الجمسي قاد اللجنة العسكرية المصرية المعنية ببحث الترتيبات الأمنية، وكان من أشد المعارضين للصيغة الإسرائيلية التي قبلها السادات لاحقا.

وحول تقسيم سيناء: اعترض الجمسي بشدة على جعل المنطقة (ج) المحاذية للحدود الدولية خالية تماما من الأسلحة الثقيلة والطيران، ومقتصرة فقط على قوات شرطة مدنية وأسلحة خفيفة. وأكد الجمسي في مذكراته والتقارير العسكرية التي رفعها قبل إقالته، أن تجريد أكثر من ربع مساحة سيناء من السلاح الثقيل يمنع القوات المسلحة من تشكيل خطوط دفاعية قوية في مواجهة أي عدوان مفاجئ، ويحرم الجيش من ميزة “العمق الاستراتيجي” للدفاع عن العمق المصري (قناة السويس والدلتا).

الفريق سعد الدين الشاذلي، رئيس أركان حرب القوات المسلحة الأسبق، قدَّم في شهادته، تفكيكا عسكريا تفصيليا لقيود التسليح والتقسيم، وأوضح أن الاتفاقية فرضت قيودا صارمة على مصر داخل أرضها، في حين لم تفرض قيودا مماثلة وكافية على دولة الاحتلال داخل حدود فلسطين (المنطقة د).

وأشار الشاذلي إلى أن تحديد عدد القوات المصرية في المنطقة (أ) بـ22 ألف جندي فقط وبدبابات محدودة، وتخفيضها في المنطقة (ب) إلى كتائب حرس حدود خفيفة، وجعل المنطقة (ج) للشرطة فقط، يعني عسكريا أن 80% من مساحة سيناء أصبحت معزولة عن الحماية العسكرية الفعلية للجيش المصري، ما يمنح طيران العدو تفوقا مطلقا للسيطرة على الأجواء دون مقاومة أرضية تذكر.

اللواء حسن الجريتلي رئيس هيئة عمليات القوات المسلحة الأسبق، وأحد العقول المدبرة لعمليات حرب أكتوبر، ركّز في شهادته على “القيود العملياتية الميدانية” وأكد الجريتلي أن معاهدة السلام سحبت من القيادة العامة للجيش المصري حرية المناورة الاستراتيجية ونقل القوات؛ فبموجب الاتفاقية، لا يحق لمصر زيادة جندي واحد أو نقل مدرعة أو طائرة مقاتلة إلى المناطق المقيدة إلا بموافقة مسبقة من العدو وتنسيق عبر القوات متعددة الجنسيات (MFO). واعتبر الجريتلي أن هذا الوضع جعل الحدود الشرقية “هشة عسكرياً” وجرّد مصر من القدرة على الردع السريع.

وحلل الفريق فوزي أبعاد الوجود الأجنبي المرتبط بتقسيم سيناء منتقدا بشدة طبيعة القوات متعددة الجنسيات (MFO) التي تشكلت لمراقبة التزام مصر بتقسيم سيناء وقصْر التسلّح. وأوضح فوزي أن هذه القوات صُممت لتكون خارج مظلة الأمم المتحدة (بسبب الفيتو السوفيتي المتوقع حينها)، ما جعل القيادة الفعلية والتوجيه لها خاضعا للإدارة الأمريكية والصهيونية. كما اعتبر وجود هذه القوات بصلاحيات تفتيش واسعة داخل سيناء بمثابة رقابة استخباراتية دائمة على تحركات الجيش المصري على أرضه. وجاء تقسيم سيناء كالتالي:

منطقة (أ) : من قناة السويس إلى عمق 50 كم تقريبا. يُسمح بفرقة مشاة ميكانيكية واحدة (22 ألف جندي) بأسلحة محدودة.

وهو ما يمنع مصر من حشد جيوشها شرق القناة، ما يجعل القوة المتواجدة معزولة عن الدعم السريع.

منطقة (ب) وسط سيناء: ويُسمح فيها بتواجد كتائب حرس حدود خفيفة فقط (أربع كتائب) وبأسلحة خفيفة لدعم الشرطة.

وهي منطقة مكشوفة تماما لعدم وجود الدبابات ومضادات الطائرات، ما يجعل من وسط سيناء ممرا سهلا لأي اختراق مدرع أو جوي.

منطقة(ج): وتشمل الشريط الحدودي المحاذي للأرض المحتلة وقطاع غزة وشرم الشيخ، ويُحظر تواجد أي جندي مصري، وتتولاها الشرطة المدنية والقوات الدولية فقط.

وهو ما اعتبره القادة أخطر بند، حيث عُزلت مصر عسكريا عن حدودها مباشرة، وظلت سيناء تعاني أمنيا من هذا الفراغ حتى تمكنت مصر بعد عام ٢٠١٤، من تعديل بعض هذه الترتيبات لصالح مصر وأمنها القومي .

 

 

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى