مقدمة أصوات:
يحاول عاموس هارئيل -في هذا المقال المنشور أمس الجمعة في هآرتس- التنصل من جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبها جيش الاحتلال في غزة- بطريقة مبتكرة وهي الاعتراف بالجريمة ثم محاولة تفنيد تفاصيلها.. فيشير مثلا إلى عدد قتلى جيش الاحتلال في غزة، ليقول أن جيشا قويا ينخرط في أعمال تدمير متعمدة لا يقدم نتائج (خسائر) كهذه.. ثم يسوق قصة فكاهية عن مقاتلين وطيارين مُنعوا من إطلاق النار في مواجهة الخطر خشية من الإضرار بالمارة! لكن 74 ألف شهيد فلسطيني تقريبا، لا يؤكدون وجود عملية إبادة منهجية مخطط لها في نظر هارئيل الذي يزعم أن ثلث الشهداء من عناصر حماس والجهاد الإسلامي، وهو ما لم يقل به أحد على الإطلاق قبله.. ثم ينصرف إلى الفيلم الذي لم يشاهده -باعترافه- ليزعم أن التصديق على الهجمات كان يغض الطرف عن احتمالية مقتل 100 مدني فلسطيني فقط في الهجمة الواحدة، وليس 500 مدني كما ورد بالفيلم!
المقال:
مثل كل مواطني البلاد، أنا لم اشاهد فيلم “نازا” حتى الآن. ولكن مثل الجميع لدي رأي، ليس حول الفيلم نفسه، بل حول الضجة المبررة والمذعورة التي ثارت في إسرائيل في أعقاب عرضه، بدون إتاحة -لأي معلق تقريبا- الوقت لمشاهدته.
إلى حين يُعرض الفيلم يمكن للمرء -على الأقل- البدء في فهم ما يناقش، استنادا للمقال الذي نشره رفيف دروكر- الذي شاهد الفيلم- في “هآرتس”، والمقابلة التي أجراها دروكر في القناة 13 مع يوفال إبراهام، أحد مخرجي الفيلم الإسرائيليين. أيضا تحدثت مع أشخاص شاهدوا كل الفيلم.
يبدو أنه للمرة الثانية، هناك رد فعل مبالغ فيه ومتسرع من قبل المؤسسة السياسية والعسكرية وقطاعات واسعة في الاعلام الإسرائيلي. أنا أجد أنه من الغريب أن يصدر رئيس الأركان إيال زمير بيانا متسرعا، إذ لم يكتف بالدفاع عن قواعد القتال في الجيش الإسرائيلي وإدانة صُنّاع الفيلم؛ بل أمر أيضا بفتح تحقيق لكشف هوية الـ 24 جندي وضابط، الذين معظمهم من الاستخبارات، الذين أجريت معهم مقابلات للفيلم بدون الكشف عن هويتهم، وإخفاء وجوههم.
لعله كان يجدر بالجيش الالتزام بروحية بيان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي الأولي: لم يتواصل معنا صُنّاع الفيلم على الإطلاق للنقاش أو طلب رد قبل عرضه، ولم يُسمح لنا بمشاهدته، وبعد مشاهدته سنفحص مدى صحة الادعاءات الواردة فيه.
لا توجد مصلحة للجيش الإسرائيلي بحملات التشهير وكتم الأفواه. من جهة أخرى، ليس من الغريب الغضب الشديد الذي ينتاب الحكومة ومتحدثيها منذ فوز الفيلم بجائزة في مهرجان فنيسيا السينمائي، الذي استقبل بتصفيق من الجمهور لمدة 25 دقيقة. هذه فرصة مثالية لنتنياهو كي يحوِّل النقاش في الحملة الانتخابية من جديد عن اخفاقاته وتقصيره، التي سمحت بوقوع مذبحة 7 أكتوبر، إلى جانب الفشل الذريع لقوات الأمن- إلى منافسة وطنية مزيفة، سيخسر فيها اليسار دائما، وسيتهم دائما بمساعدة العدو، بغض النظر عن المواقف التي يعلنها قادة كتلة المعارضة في الواقع.
في الخلفية تكمن مشكلة مزمنة، تفاقمت بسبب الحرب الحالية. يتركز النقاش الداخلي على مسائل الدعاية والضرر المحتمل الذي يُلحقه الفيلم بإسرائيل في العالم.
أولا: إذا تحدثنا عن الدعاية فإن الضرر الرئيس ناتج عن التصريحات المتهورة التي أصدرها الوزراء وأعضاء الكنيست منذ المذبحة، أيضا عن اضطهاد صناع الفيلم الآن، إلى درجة الدعوة إلى إعدامهم بشكل علني.
ثانيا: تكمن الحقيقة فيما يحدث على أرض الواقع، وليس بطريقة عرضه ومناقشته. وخلافا لما قد يفهم ضمنا من كلام إبراهام لرفيف دروكر، لم تتجاهل كل وسائل الإعلام في إسرائيل الأمر. فقد نشرت تحقيقات مفصلة في “هآرتس” بقلم ينيف كوفوفيتش وبار بيلغ وتوم لفنسون وغيرهم، كشفت عن نتائج مُقلقة حول الحرب والثمن الباهظ الذي دفعه الجنود الذين شاركوا فيها (من بين الأسباب لما يسمى الآن “الضرر الأخلاقي”).
وتظهر أقوال إبراهام، حتى في رده على انتقادات الفيلم، طمس متعمد كما يبدو، بين الصحافة والتوثيق السينمائي والنشاط السياسي. فما هي المعايير المهنية التي يعتقد أنه ملزم بها بحكم نضاله ضد احتلال الضفة الغربية، وبعد ذلك ضد حرب إسرائيل على غزة؟ على الأقل من خلال المقابلات، تثير تغطية الفيلم تساؤلات حول تجاهل مخرجيه للسياق العام (الفظائع التي ارتكبتها حماس في 7 أكتوبر)، وحول تعمّدهم استخدام صور ومقارنات مع المحرقة.
ويشتبه في أن اختيار الأحرف الأولى “نازا” لا يرتبط كثيرا بمعناها العسكري (ضرر عرضي، أي المس بمن لم يشاركوا في القتال)، بل لأنها تذكّر المشاهدين المتحدثين باللغة الإنجليزية بالدمج بين كلمتي نازيون وغزة.
بعد صدمة المذبحة، يفضل كثير من الإسرائيليين التظاهر بالانتماء والشعور بالانفصال. يتجاهلون ما يرتكب باسمهم في غزة، ويخترعون رؤية بديلة، ثم يتفاجئون عندما يرفض العالم قبولها بدون نقاش.
لقد اعتبر الجيش الإسرائيلي المذبحة في الغلاف، لا سيما الوحشية التي ارتكبها قتلة حماس، حدثا له أبعاد كارثية. شاهد الكثير من القادة والجنود الذين قاتلوا بعد ذلك في غزة هذه المشاهد بأنفسهم، في البيوت المحترقة في الكيبوتسات، حفلة نوفا، أوفكيم وسدروت، حتى قبل أن تجف الدماء. لقد غذّت هذه التجارب الرغبة في الانتقام، بل والقناعة بضرورة رد مستوحى من الكتاب المقدس، لأن هذه هي الطريقة الوحيدة لبقاء إسرائيل، من خلال إعادة فرض الردع على جيرانها.
في نفس الوقت غذى السياسيون والجنرالات والمعلقون الكراهية والانتقام بتصريحات تحريضية، يضاف إلى ذلك، عند بدء العملية البرية، ضرورة حماية القوات التي تعمل في منطقة مأهولة مكتظة ومواجهة المسلحين الذين يختبئون وراء وتحت السكان المدنيين.
أدت هذه الظروف إلى عدة خطوات: تعليمات متساهلة نسبيا بإطلاق النار نظرا للخطر الذي يهدد القوات (في حالات كثيرة قتل فلسطينيون لمجرد اجتيازهم، أحيانا بدون معرفتهم، لخط وهمي لم يرسم على الأرض)، تصاريح واسعة بارتكاب أضرار جانبية (الهجمات صُدِّقَ عليها أحيانا حتى عندما كان هناك شك أن 100 مدنيا سيقتل، وليس مثلما جاء في الفيلم، 500)، والتدمير المنهجي للمباني.
يستمر تدمير المباني والبنى التحتية حتى اليوم. وهناك مبررات لذلك، تستند إلى استخدام حماس للمساحات الحضرية، حيث يستخدم عدد كبير من الشقق لتخزين السلاح ونصب الكاميرات وزرع العبوات. ولكن هناك أيضا اعتبار آخر يهدف إلى إبعاد إعادة بناء الفلسطينيين عن خط الاستيطان الإسرائيلي الأول. في المقابل، أصبحت إجراءات الموافقة على تصاريح الأضرار العرضية الآن اكثر صرامة، وانخفض عدد المدنيين الذين قتلوا في قطاع غزة في هذه السنة بشكل ملحوظ. في الأشهر الأولى للحرب سادت حالة من الهياج، بعضها ينبع من القاعدة الشعبية، وبعضها مفروض من جهة معاكسة. في محادثات لم يكشف عن هوية أصحابها، أكد الكثير من الضباط هذا الأمر.
خلاصة ما وصف هنا واضحة تماما: ارتكبت إسرائيل جرائم حرب في غزة، سواء على يد جنود يعملون بشكل فردي، أو من خلال عمليات لوحدات وفرق كانت جزء من منظومة أوسع. توجد أوجه تشابه في هذا مع طريقة عمل الأمريكيين في المعارك الحضرية في العراق وسوريا (وخاصة في الحملة ضد داعش). إن طريقة تصرف حماس، بدرجة كبيرة، جرّت الجيش الإسرائيلي إلى هذا الفخ، حيث سقط المدنيون الفلسطينيون ضحايا له.
أنا لست خبير في الإبادة الجماعية، لكن الادعاءات التي تُطرح بثقة حول ارتكاب الإبادة الجماعية لا تبدو مقنعة. لقد تكبد الجيش الإسرائيلي 472 قتيلا في العملية البرية في قطاع غزة وآلاف المصابين، وعدد أكبر من المقاتلين الذين يعانون من صدمة نفسية. هذه ليست نتائج حققها جيش قوي منخرط في أعمال تدمير متعمدة. توجد شهادات كافية من مقاتلين وطيارين منعوا من إطلاق النار في مواجهة الخطر خشية من الأضرار بالمارة. ولا يشير معدل الخسائر الفلسطينية – 74 ألف قتيل تقريبا، ثلثهم على الأرجح من عناصر حماس والجهاد الإسلامي – إلى وجود عملية إبادة منهجية ومخطط لها.
إن ما حدث في قطاع غزة خلال أجزاء من القتال هو أمر صعب ومقلق بحد ذاته، ويتطلب نظرة فاحصة ومراجعة ذاتية، لتجنب تكرار الأخطاء والتجاوزات في الحروب التي قد تندلع هنا في المستقبل. بدلا من ذلك تنشغل إسرائيل بإثارة الفوضى وملاحقة مخرجين في الداخل وإظهار التظاهر بالاستقامة في الخارج. قد يساعد كل ذلك نتنياهو على إيقاظ قاعدته الشعبية قبل الانتخابات، لكن يصعب تصديق أنه يوجد لذلك أي فائدة أخرى.








