اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الصيني شي جين بينج، أمس الجمعة، زيارة الدولة الصينية إلى الولايات المتحدة، التي امتدت من 23 إلى 25 سبتمبر، في محطة جديدة بالغة الأهمية في مسار العلاقة بين أكبر اقتصادين في العالم.
ورغم كثافة الاتصالات والبيانات الصادرة عن الجانبين، فإن نتائج الزيارة لا تشير إلى تسوية نهائية للخلافات البنيوية بين واشنطن وبكين، بقدر ما تعكس محاولة متعمدة للانتقال من إدارة الصراع المفتوح إلى إدارة التنافس ومنع تحوله إلى مواجهة شاملة.
وكان اللقاء الرئيسي بين ترامب وشي جين بينج، قد انعقد في البيت الأبيض صباح الخميس الماضي، فيما واصلت الزيارة نشاطاتها الرسمية في اليوم التالي.
وقد أكدت البيانات الصينية والأمريكية أن الطرفين اتفقا على بناء ما وصفاه بـ”علاقة بناءة من الاستقرار الاستراتيجي” قائمة على الاحترام والإنصاف والتبادلية.
الاقتصاد والتجارة كانا في قلب القمة، باعتبارهما أكثر الملفات التي شهدت خلال السنوات الماضية انتقال العلاقة الأمريكية – الصينية من التعاون الواسع إلى سياسة الرسوم والعقوبات والقيود على التكنولوجيا والمعادن الاستراتيجية.
وقد أسفرت المفاوضات الأخيرة عن تشغيل مجلس التجارة الأمريكي–الصيني الذي كان قد جرى تأسيسه في تفاهمات مايو الماضي، إلى جانب تفعيل مجلس للاستثمار.
ووفق البيت الأبيض، توصّل الطرفان إلى توصيات لمنح معاملة جمركية أكثر تفضيلا لسلع غير حساسة بقيمة 30 مليار دولار في كل اتجاه، أي أن الرقم يتعلق بحجم السلع المشمولة بالترتيبات الجمركية التفضيلية. كما تقرر إنشاء مجموعة عمل لمعالجة عوائق دخول المنتجات الزراعية إلى الأسواق.
وتكتسب هذه الخطوة أهميتها من كونها تنقل جزءا من العلاقة التجارية من التفاوض السياسي المباشر بين الرئيسين إلى آلية مؤسسية يفترض أن تستمر في معالجة الخلافات. وتشمل السلع الأمريكية المستفيدة، بحسب البيان الأمريكي، المنتجات الزراعية والأسماك والمأكولات البحرية والأخشاب ومستحضرات التجميل والأجهزة الطبية، فيما تشمل الواردات الأمريكية من الصين بعض السلع الاستهلاكية.
ويمثل ملف المعادن النادرة أحد أكثر عناصر القوة الاستراتيجية التي تمتلكها الصين في مواجهة الولايات المتحدة. وقد ظل ضمان تدفق هذه المواد إلى الصناعات الأمريكية من المطالب الرئيسية لواشنطن، خصوصا أن المعادن النادرة تدخل في قطاعات التكنولوجيا والدفاع والطاقة والصناعات المتقدمة.
لكن الصياغة الرسمية الصادرة عن البيت الأبيض لا تتحدث عن تخلي الصين عن أدوات الرقابة على صادرات المعادن النادرة، وإنما عن استمرار العمل لمعالجة النقص في الإمدادات والعمل على إعادة مستويات الشحن إلى مستويات مناسبة.
لم يقتصر النقاش على القضايا الثنائية، وإنما امتد إلى ملفات دولية وإقليمية، وفي مقدمتها إيران والشرق الأوسط. وأكد الجانبان أن إيران يجب ألا تمتلك سلاحا نوويا، كما اتفقا على مبدأ عدم السماح لأي دولة أو مؤسسة بفرض رسوم مرور على الممرات المائية الدولية.
وفي السياق نفسه، نقل الجانب الصيني عن شي جين بينج دعوته الولايات المتحدة وإيران إلى العودة إلى مسار الحوار والمفاوضات، ودعمهما للعودة إلى مذكرة إسلام آباد، باعتبارها إطارا لاستئناف المسار الدبلوماسي.
وإذا كان ملف التجارة يمثل الوجه التقليدي للتنافس الأمريكي/الصيني، فإن الذكاء الاصطناعي يمثل ساحته الجديدة والأكثر حساسية.
لم يخرج الطرفان من القمة باتفاق شامل يحدد قواعد ملزمة لتنظيم الذكاء الاصطناعي، لكنهما اتفقا على إنشاء حوار أمريكي/صيني حول الذكاء الاصطناعي لتبادل وجهات النظر بشأن مخاطره وفوائده، مع عقد الجولة التالية في نوفمبر، فضلا عن إنشاء قناة اتصال ثنائية للتعامل مع حوادث الذكاء الاصطناعي.
من أكثر التفاهمات أهمية، توقيع الجيشين الأمريكي والصيني مذكرة تفاهم لتعزيز الاتصالات أثناء الأزمات والوقاية من التصعيد العسكري.
وبحسب الجانب الصيني، اتفق الطرفان العسكريان على الإسراع في توقيع مذكرة التفاهم، إلى جانب مواصلة التعاون في البحث عن رفات العسكريين الأمريكيين المفقودين في الصين.
وتكمن أهمية هذا المسار في أن أخطر سيناريو في العلاقة الأمريكية/الصينية ليس بالضرورة قرارا متعمدا ببدء حرب، وإنما احتمال أن يؤدي احتكاك عسكري أو حادث في منطقة متوترة إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة. وبالتالي فإن قنوات الاتصال أثناء الأزمات تصبح جزءا من إدارة المخاطر الاستراتيجية.
ويظل ملف تايوان حاضرا في خلفية هذه المعادلة. فقد أعاد شي جين بينج، خلال محادثاته التأكيد على موقف الصين من وحدة أراضيها، ودعا واشنطن إلى التعامل بحذر مع قضية تايوان. وبذلك فإن القمة لم تحل الخلاف حول تايوان، لكنها أبقت الخلاف داخل إطار الحوار المباشر بين القيادتين.
اتفق ترامب وشي جين بينج، على دعم كل منهما استضافة الآخر لقمة مجموعة العشرين ومنتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ خلال 2026، مع نية الرئيسين حضور قمم الطرف الآخر.
وهذه النقطة تتجاوز البروتوكول. فاستمرار اللقاءات الشخصية بين ترامب وشي جين بينج، يمثل آلية لإدارة الملفات الأكثر حساسية، خصوصا في ظل إدراك الطرفين أن التفاوض عبر الأجهزة الحكومية وحدها قد لا يكون كافيا عندما يتعلق الأمر بقرارات استراتيجية تمس الأمن القومي أو المصالح الاقتصادية الكبرى.








