رؤى

الأستاذ الإمام محمد عبده رائد إصلاح الفكر الديني(٣) في المنفى

في المنفى التقى الشيخ محمد عبده بجمال الدين الأفغاني مرة أخرى، فبعد عام ونصف قضاها الشيخ في بيروت، سافر إلى باريس سنة 1302 هـ – 1884م بدعوة من الأفغاني، ليصدرا معا صحيفة العروة الوثقى في 13 مارس 1884، التي عنيت بإفهام الشرقيين واجباتهم التي كان التفريط فيها موجبا لسقوطهم، وشحذ همم الشعوب من الفتور وانحطاط العزائم، ودعوة المسلمين كافّة إلى التمسك بالأصول التي كان عليها أسلافهم، وإبطال الزعم بأن المسلمين لا يتقدمون في مضمار المدنية، وتقوية الروابط والصلات بين الأمم الشرقية، ورفع لواء الجامعة الإسلامية، وتنكيس أعلام بريطانيا في الهند ومصر والتحريض على الثورة ضد المستعمرين، سيما الإنكليز والمستبدين من الملوك، وكانت تُرسل إلى مصر وغيرها من البلاد سرا، لكن المستعمر والسلطة المستبدة حالت دون المجلة، فتوقفت عن الصدور بعد العدد الثامن عشر، وفي بعض المصادر بعد العدد العاشر.

وفي سنة 1931، كشف محمد رشيد رضا في مجلة المنار أن صحيفة العروة الوثقى التي صدرت 1884، كانت لسان جمعية سرية عُرفت بالاسم نفسه أسسها الأفغاني وعبده عندما التقيا في بيروت، وظلّت سرية حتى كشف عن ميثاقها محمد رشيد رضا بعد أن أصبحت على حد قوله من الحوادث التاريخية، ( ) وذيّل مقاله بنص اليمين الذي وضعه الشيخ محمد عبده؛ ليُقسم به المنتسب إليها ( ).

وبتوقّفِ “العروة الوثقى” افترق الأستاذ والتلميذ، وذهب الأفغاني إلى إستانبول، وذهب “محمد عبده” إلى طرابلس الشام، ومنها إلى بيروت حيث انشغل بالتعليم، فعمل بالتدريس في المدرسة السلطانية، وكتب للتدريس فيها رسالة التوحيد سنة 1885، بلغة تناسب العصر، ودعا فيها إلى فتح باب الاجتهاد، ولم تصرفْه عقوبةُ النفي إلى بيروت عن محاولات الإصلاح السياسي، فوضع رسالتين في الإصلاح: أولهما في شرح طُرق إصلاح الدولة العثمانية، والثانية في إصلاح ولاية الشام، وأرسلهما إلى إستانبول.

استفاد الشيخ محمد عبده من إقامته في باريس فتعلّم اللغة الفرنسية، واطّلع على حضارة أوروبا الحديثة، فجمع بين مصادر الثقافة القديمة والحديثة؛ ما قوّى في نفسه دافع الإصلاح الاجتماعي والسياسي وضرورة أن يسبقه إصلاح ديني، فتعدّ سنوات باريس في حياة الشيخ محمد عبده، وما أعقبها من سنوات المنفى في بيروت بداية لمسار جديد ابتعد به الشيخ عن مسار الأفغاني القائم على التغيير الثوري الذي يعتمد على التغيير من أعلى، ويدعو إلى الصدام مع المستعمرين والحكام والجامدين من علماء الدين، فكانت فكرة العمل السري والتغيير بالقوة عند الأفغاني بداية الطريق الذي سيدعو له محمد رشيد رضا، ويمضي فيه تلميذه حسن البنا، وتخرج منه جماعات التمايز بالإسلام عن المسلمين.

وقد استوقف الدكتور عبد السلام حيدر أوجه الشبه بين تجربة محمد عبده وأفلاطون الحياتية، وما تبع كلّ تجربة من قرارات تكاد تكون واحدة، فأفلاطون عندما كان شابا تعرّف على أستاذه سقراط وعندما حدث تحوّل سياسي في أثينا وقامت الحكومة الجديدة، أًصدرت قرارا باسم الديمقراطية بإعدام سقراط، فصُدم أفلاطون ويئِس من السياسة، وتغرّب -طوعا- بعد أن أيقن أن العدالة لا تتحقق بين جهلاء، وإنما ينبغي التمهيد لذلك بالتربية والتعليم؛ لذا عمل معلما، وبعد عودته لأثينا أنشأ الأكاديمية، وعكف على التعليم بقية حياته.

وحدث مثل هذا مع الشيخ محمد عبده؛ فتعرّف على أستاذه الأفغاني ومنهجه في التثوير، وعندما حدث تحوّل سياسي في مصر، غير أنّ سقراط رفض الهروب بينما هرب الأفغاني -على حد تعبير حيدر- ونُفي محمد عبده الذي قرر في أعقاب عودته من المنفى التركيز على التربية والتعليم، بعد أن زاد يئسه من السياسة، ولعن ساس ويسوس! سيما بعد أن قامت الخلافة العثمانية بتسميم أستاذه الأفغاني، وأيقن أن النهضة لا تتحقق بين جهلاء، وإنما ينبغي التمهيد لها بالتربية والتعليم، فعكف عليهما بقية حياته، ولا يستبعد حيدر تأثّر محمد عبده بتجربة أفلاطون وقراراته، فتعليقات محمد عبده على كتاب “البصائر النصيرية” كما تبدو في المجلد الثاني من أعماله الكاملة تدلّ على عمق معرفته الفلسفية، كما أنّه أشار إلى أفلاطون أكثر من مرة في “رسالة التوحيد”.

وإن اتفقت مع الدكتور عبد السلام حيدر في تشابه التجربة إلا أنّ تحوّل الشيخ محمد عبده عن مسار جمال الدين الأفغاني ومفارقته له لم يكن وليد ما وصفه حيدر بهروب الأفغاني، لأنّ الأفغاني وعبده التقيا مرة أخرى في باريس، وأصدرا معا العروة الوثقى، وأسسا جمعية سرية كشف عنها رشيد رضا بعد خمس وعشرين عاما من رحيل عبده، وأظنّ تحوّل الشيخ محمد عبده ناتج عن عدة عوامل منها: فشل تجربته مع التغيير الثوري المتمثل في ثورة عرابي، وانفتاحه أكثر على الثقافة الغربية في باريس، وتجربته العلمية في بيروت، فـ “عاد من النفي أكثر ملاينة للإنجليز مما أثار عليه مصطفى كامل باشا ورجال الحزب الوطني، حتى ساءت العلاقة بينه وبينهم بسبب ذلك”( )، فالشيخ عاد من النّفي بفكر آخر غير الذي ذهب به، فأغلق باب السياسة، وهادن السلطة، وانشغل بإصلاح الأزهر والتعليم والقضاء، ومثل هذا التوجه لم يُولد فجأة، بل ظهر مبكرا في موقفه الواضح من تحركات أحمد عرابي، ونصائحه له بالتمهل وضرورة إعداد الشعب بالتعليم أولا؛ ليتحمل مسئولية إدارة بلاده.

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى