كتب ميخائيل ميلشتاين:
العار هو الشعور الأساسي الذي يجب أن ينتاب كل إسرائيلي- يهودي يطّلع على مجموعة الأحداث الصعبة التي وقعت في الأيام الأخيرة: الاعتداء بالضرب على الفلسطيني أحمد الحسيني بالقرب من باب العمود، والاضطرابات العنيفة في قرية جالود في الضفة، وقبل ذلك الاعتداء على عمال أجانب في بات يام؛ أمّا الشعور التالي الذي يجب أن يتبلور، فهو القلق العميق إزاء السؤال عن أيّ تغيير جوهري وسيئ، تحديدا في صورتنا وقيَمنا، تدل عليه هذه الحالات التي تزداد بالتدريج.
على الإسرائيليين أن يستفيقوا ويدركوا أن ثمة خللا جوهرياً في الطريقة التي ينقل بها صنّاع القرار إليهم حقيقة الواقع بشأن الموضوع الفلسطيني. وفي هذا السياق، تُطرَح الحجج البالية التي تقول إن الانتقادات الموجّهة إلينا مصدرها معاداة السامية، أو محاولة كسب ودّ جماهير مسلمة. وهذا ليس سوى ضماد رخو يُلصَق فوق مشكلات حقيقية؛ فالعالم يرى أن إسرائيل دولة تعاني جرّاء دوامة استراتيجية حادة، وتزداد تطرفا، وتتحرك بفعل تصورات وأهداف توراتية (أرض الميعاد، وإبادة العماليق، وعقيدة يشوع بن نون)، وتنزلق إلى تمييز شديد ضد الأقليات التي تسيطر عليها (بحسب ما يتضح في “منظومة تهويد الجليل” التي يدفع بها سموتريتش، بالتوازي مع السعي للاحتكاك بالمواطنين العرب وتطبيع إقصائهم). المشكلة ليست في “الهسباراه”، أو العلاقات العامة، وحتى لو تحسنت، فلن يكون في وسعها تفسير واقع قاتم أمام جماهير أجنبية.
إن العالم، أو على الأقل العالم الغربي، لا يكره إسرائيل ولا ينكر حقها في الوجود، لكنه يبدي انتقادا مشروعا للتقدم نحو واقع الدولة الواحدة، في ظل رفض أيّ نقاش بشأن تسوية القضية الفلسطينية؛ ولا يفهم أهدافها على الساحات المتعددة، وفي مقدمتها غزة (ويرفض الأوهام المطروحة، وعلى رأسها “الهجرة الطوعية”)؛ وفوق كلّ شيء، يثور أمام ازدياد المشاهد الصعبة الآتية من الضفة الغربية. وبدلا من أن يفهم المواطن الإسرائيلي بصورة واقعية أن هذه هي نتائج التغيير في سياستنا وطابعنا، يتلقى تفسيرا، مفاده بأن العالم ساذج ومنافق، ولا يعرف العرب مثلما نعرفهم، وأنه سيدفع ثمن ذلك غاليا.
كذلك، هناك أيضا محاولة لطمس الحقيقة تُرافق الشكوى المتكررة من أن أفعال حفنة متطرفة تضرّ بمشروع الاستيطان بأكمله، ولا سيما بشأن العلاقة الوثيقة بين تصاعُد العنف اليهودي وبين “ثورة الاستيطان”، وفي مركزها إقامة البؤر الزراعية، وهو مشروع فئوي يحاول أن يقدم نفسه على أنه مشروع وطني باسمنا جميعا، ومن أجلنا جميعا. وهنا أيضا تُخفى عن الجمهور حقيقة معقدة: لا يمكن في الوقت نفسه فرض السيادة فعليا في الضفة الغربية وتعريف البؤر التي تولّد احتكاكات حادة بأنها “أصل استراتيجي”، ثم الاستغراب من نشوء واقع دموي شبيه بالبلقان، ومن فقدان فرص التطبيع، ومن بدء تشبيه صورة إسرائيل في العالم بصورة جنوب أفريقيا في عهد الفصل العنصري، في ظل التقدم نحو “ابتلاع” ثلاثة ملايين فلسطيني من دون مناقشة مسألة وضعهم ومكانتهم.
إن مكانة إسرائيل في العالم تشبه ضفدعا يُسخّن بالتدريج داخل قدر؛ كلّ يوم، ينضم تطوّر جديد: المقاطعة البريطانية لمنتوجات المستوطنات (من دون أن يتدخل الأميركيون لمصلحة إسرائيل)، وتفتيش أمتعة الإسرائيليين في هولندا، بحثا عن مثل هذه المنتوجات، أو تعطيل الرحلات الجوية إلى موريشيوس؛ كذلك تقييد الموافقات الدبلوماسية والطرد من مقر مركز التنسيق المشترك (CMCC) في كريات غات، والتذكيرات الساخرة بجرائم الاستعمار ونفاق الغرب، أو التوضيح أننا “إسبرطة” و”شعب يعيش وحيدا” قادر على تدبُّر أموره وحده؛ هذا كله ردّ هزلي، وفوق كل شيء خطِر، يتهرب من مواجهة دلالات السياسة التي يجري ترويجها. ويتعيّن على صانعي السياسات أن يكونوا على دراية، ليس فقط بالفصول المظلمة من تاريخ الشعوب الأُخرى، بل أيضا بالدروس المريرة المستقاة من تاريخنا، ولا سيما فيما يتعلق بخرابٍ وُلد من عمى سياسي شديد وهيمنة حركات مسيانية متطرفة.
إن صبر العالم على إسرائيل يتراجع بسرعة، لكن لا يزال هناك انتظار متعمّد قبل تشديد الموقف تجاهها، انطلاقا من الإدراك أن الأجواء قبيل الانتخابات متوترة، وأن تغييرا ربما يحدث بعدها؛ وعلاوةً على الحاجة المستمرة إلى التشكيك في الأحكام القاطعة التي يطلقها صانعو السياسات، يتعيّن على الإسرائيليين أن يدركوا، ولا سيما قبيل الذكرى السنوية الثالثة لـ”7 أكتوبر”، أن تعزيز القوة العسكرية، بحسب ما ينفَّذ حاليا هو خطوة مهمة، لكن المناعة الوطنية تُبنى أيضا على الشرعية الدولية، وعلى التماسك الداخلي بشأن الرؤية والأهداف، وهما مسألتان تشهدان تراجعا حادا ومُقلقا، مقارنةً بالوضع الذي كان قائما قبل ثلاثة أعوام.








