جمع الشيخ محمد مصطفى المراغي، الشيخ محمود شلتوت، القادم من الإسكندرية بالشيخ عبد المتعال الصعيدي القادم من طنطا، فرغم أنهما حصلا على شهادة العالمية في العام نفسه سنة 1918، وأنّهما اصطفّا خلف سعد زغلول في ثورة 1919، إلا أنّهما لم يتعارفا إلا عبر الشيخ المراغي. تلميذ الأستاذ الإمام محمد عبده الذي لم ينسَ قول الإمام، للخديوي عباس حلمي الثاني: “إن إصلاح الأزهر أعظم خدمة للإسلام وإصلاحه إصلاح لجميع المسلمين”.
عُرف الشيخ المراغي بمرونة وحكمة قرّبت منه الجميع مع اختلافهم، فوثَقَتْ فيه الحركة الوطنية والإنجليز والإخوان المسلمون والقصر وإصلاحيو ورجعيو الأزهر، إلا أنه لم يكن له شعرة معاوية، فغضب وأغضب أحيانا.. مارس الشيخ المراغي العمل السياسي في جميع مراحل حياته مثل أستاذه الشيخ محمد عبده، ما جعله جزءا من الحالة السياسية المزاجية المتقلبة في ذاك العصر..
وُلد الشيخ محمد مصطفى محمد المراغي في 9 مارس1881م/1319هـ بالمراغة مركز طهطا سوهاج، وبعد أن أتمّ حفظ القرآن الكريم التحق بالجامع الأزهر حتى أكمل دراسته متفوقا على أقرانه وسابقيه، فكان أصغر من حصل على شهادة العالمية سنة 1322هـ – 1904م في سن الثالثة والعشرين، في وقتٍ كان يمكث طالب الأزهر نحو أربعين سنة حتّى ينال شهادة العالمية، وفي لجنة الامتحان جلس الشيخ المراغي لأول مرة أمام الشيخ محمد عبده، فلم يسبق له أن تتلمذ على يده -كما هو شائع- ووجد الإمام محمد عبده في الشيخ المراغي أزهريا من طابع آخر غير طابع رجال الأزهر حينها، فاجتاز امتحان العالمية بتفوق، رغم مرضه بحمى شديدة، و تكريما له دعاه الإمام محمد عبده إلى منزله.
لم تمضِ سوى شهور؛ حتى سافر الشيخ المراغي إلى السودان بترشّيح من الإمام؛ ليكون قاضيا شرعيا لمديرية دنقلة، انتقل بعدها قاضيا لمديرية الخرطوم، وهناك تعلّم اللغة الإنجليزية، وتوثّقت علاقته بالسودانيين، وجمعته بالحاكم العام الإنجليزي للسودان علاقة طيبة، لما عُرف عنه من الميل إلى الاعتدال، والنّفور من العنف.
ترقّى الشيخ في مناصب القضاء الشرعيّ إلى أن صار قاضي قضاة السودان 1908، في سنّ السابعة والعشرين، فكان أصغر وأوّل مصري يتولى هذا المنصب الذي ظلّ منصبا مصريا حتى سنة 1947، بانتهاء انتداب “الشيخ حسن مأمون”.
هناك من يتهم نوايا الشيخ المراغي لعلاقته الجيدة بالإنجليز متناسيا السياقات التاريخية، ومتجاهلا مواقف أخرى اصطدم فيها الشيخ بالإنجليز، ومن ذلك موقفه من ثورة مارس 1919، التي اندلعت، وهو في السودان، فلم يتوانَ الشيخ عن مناصرتها فجمع من المصريين بالسودان ستة آلاف جنيه؛ لإنقاذ منكوبي الثورة، وسلّمها للأستاذ محمد العشماوي -الوزير محمد العشماوي باشا فيما بعد- والذي كان قاضيا مدنيا بالخرطوم؛ ليقدمها بدوره إلى الجمعيات الخيرية الإسلامية والقبطية في مصر في شهر يونيه 1919، وعاد الشيخ إلى مصر في يوليو من السنة نفسها؛ لاستياء الحاكم العام من هذه الخطوة رغم سلميتها وانحصارها في نطاق التبرع.
عمل الشيخ بعد عودته إلى مصر رئيسا للتفتيش الشرعيّ بوزارة الحقانية، ثم رئيسا لمحكمة مصر الابتدائية الشرعية، وعضوا بالمحكمة العليا الشرعية، ثمّ رئيسا للمحكمة العليا الشرعية في مصر ثم قاضي قضاة مصر، وكان في هذه المناصب جميعها أصغر من تولاها.
انتفع الشيخ المراغي بتوجيهات الإمام محمد عبده، في إصلاح المحاكم الشرعية، وفتح ثغرة في جدار التقليد، حين تصدّى لتنظيم المحاكم الشرعية في السودان، فلم يتقيد بمذهب أبي حنيفة كما كان المتّبع آنذاك، وخرج من الجمود المذهبي الذي كان يجرى القضاء عليه، فأتاح الفرصة للمذاهب والمدارس الفقهية الأخرى إلى جانب المذهب الحنفي المعمول به في القضاء، إذا كان ذلك في مصلحة المتقاضين، وحلّ مشاكل الناس المتجددة؛ بتزعمه لفتح باب الاجتهاد، داعيا إلى انتقاء أحكام القضايا والمسائل من المذاهب الفقهية بما يرفع الحرج عن النّاس، فكان أول خروج على متعصبة المذاهب في عصره.
شارك عام 1920، في تعديل قانون الأحوال الشخصية المصري مستلهما ما سبق أن فعله في السودان، وشكّل لجنة برئاسته في عام 1929، لإعداد قانونٍ للأحوال الشخصية في مصر، ووجّه أعضاء اللجنة بعدم التقيد بمذهب معين، حيث كان القضاة لا يحيدون عن مذهب الإمام أبي حنيفة، وأوصاها أن تختار من بين المذاهب الإسلامية ما يُوافق الزمان والمكان، فخرق لأول مرّة تقليد غيّر المذاهب الأربعة، بتقليد غيرها من المذاهب الإسلامية، وهذا ما لا يُستهان به؛ لأنّه ذلّل به الطريق لمنْ أتى بعده.. فعمل الشيخ المراغي بنصيحة شيخه محمد عبده، حين سأله ما العلم؟ فأخذ يُعرّفه له بما هو مشهور في تعريفه، فقال له الشيخ محمد عبده: العلم هو ما ينفع الناس.. وكلّ ما لا ينفع الناس لجموده وبُعده عن عصرهم ليس بعلم.
وسار على نهج أستاذه محمد عبده، في الدفاع عن حق المرأة في التعليم، وفي تقييد تعدد الزوجات، وحقّ المرأة في الطّلاق بلا إعضال، آخذا برأْي المالكية في حقّ المرأة في الطلاق لأسباب أخرى غير الضرر، كغياب الزوج الطويل لأكثر من سنة أو السجن أو المرض الذي لا يُرجي بُرؤه.
واعترض الملك فؤاد علي بعض مواد مشروع القانون الذي انتهت إليه اللجنة، ومن بينها تقييد حقّ الزوج في الزواج الثاني، واشتراط موافقة القاضي علي هذا الزواج، وحقّ المرأة في وضع شروط في عقد الزواج تتعلق بمصلحتها مثل حقها في عدم جبرها على العيش في مدينة مختلفة عن تلك التي تُقيم فيها أو تطليق ضرتها.
وأثار القانون وقتها ضجة بين العلماء المحافظين، ما جعل المراغي يُؤسس لمبدأ ضرورة الاجتهاد وإمكان تجاوز أقوال الأئمة الأربعة، حال كان هناك تحقيق لمصلحة في الذّهاب لفقهاء آخرين، ما يعني عدم التّقيد بمذهب فقهي معين وإعمال العقل في الأخذ من كُتب الفقهاء الآخرين؛ حتّى لو كانت غير مسندة، معتبرا أنّ “رفض كل هذه الكتب؛ لأنها لم تسند بواسطة الشيوخ ولم يقروها بأفواههم هو رفض للعقل ذاته الذي يستطيع أن يُميز الصالح من الطالح والصحيح من الباطل”.
كما أجاز المراغي لولي الأمر أن يسنّ قوانين توافق مقتضيات الشريعة في كل المسائل التي لم يرد فيها نص صريح من القرآن أو السنة أو كانت محلا لإجماع المسلمين، أو حسب قوله:” لنقل الآن بكل بساطة أنه لا يجوز لولي الأمر أن يمنع (يُحرّم) أمرا مفروضا (واجب) أو يأمر بأمر ممنوع (حرام)، أما بالنسبة لما يتبقى فمن الجائز له أن يسن كل النظم التي يرى أنها تُوافق صالح الجماعة”.
وتصدى الشيخ لما جاء في كتب الفقهاء من آراء ينكرها العقل مثل أن امرأة ظلت حاملا لمدة اثنى عشر عاما أو لمدة عامين أو ثلاثة أعوام استنادا إلى شهادات غير موثقة، مفندا مثل تلك الروايات بقوله: “إن المعارف في مجالي التشريح ووظائف الأعضاء قد تقدمت وأصبح معروفا كيف وفي كم من الوقت ينمو الجنين ويكتمل، وبناءً على ذلك يجب الاعتماد على رأي الأطباء، وليس ما تقول به النساء، وإن تعلق الأمر بجارة الإمام مالك، ولهذا تقرر أن يكون الحد الأقصى لفترة الحمل سنة واحدة، ومن ثم فهي المهلة المقبولة لطلب إثبات النسب”.
وسجّل “محمد علي علوبة” في مذكراته الاجتماعية والسياسية أنه بعد أن اختير وزيرا للمعارف في وزارة علي ماهر30 يناير 1936، عرض على الملك فؤاد ضرورة ترجمة القرآن الكريم، فقال له إنّ شيخ الأزهر الشيخ مصطفى المراغي كان قد عرض عليه الفكرة، وأنّه لم يقبلها اتقاء مجاهرة بعض رجال الأزهر بمخالفة هذا العمل للدين، وطلب الملك من علوبة أن يذهب ويتفق في هذا الشأن مع الشيخ المراغي، وهذا يُبين أن الملك “فؤاد” كان يعمل حسابا للشيخ المراغي حتى ولو لم يكن يميل إليه، وكان الشيخ قد نشر 1932، بحثا عن جواز ترجمة القرآن؛ بل جواز الصلاة بغير العربية، مقتفيا في ذلك أثر المدرسة الحنفية، ودعا إلى تشكيل لجنة لترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الإنجليزية لكن لم يكتب لهذه المحاولة النجاح بتأثير التيارات المحافظة المناوئة لإصلاحات الرجل، واتّهم حينها الشيخ المراغي بأنه يسعى إلى تحريف القرآن، فقال الشيخ الظواهري الذي تولى مشيخة الأزهر بعد استقالة المراغي: “إن الله قد أعمي بصائرهم حتي يحفظ القرآن الكريم من خطأ الترجمة”.
غير أن الشيخ لم يبال فأعاد نشره مرة أخرى بإضافات تراثية تُقوّى ما ذهب إليه.. فكان يُؤمن أن الفكرة “تُعدّ حينا ما كافرة تحرم وتحارب، ثم تُصبح مع الزمن مذهبا، بل عقيدة وإصلاحا تخطو به الحياة خطوة إلي الإمام. إنها سنة الحياة المطردة المتكررة في حياه الفكر الإنساني عامة، وفي حياة الفكر الديني بصفة خاصة”. وخير دليل على ذلك قبول وتداول تراجم القرآن الكريم حتى أنّ صلاة التراويح في الحرمين الشريفين تُترجم ترجمة فورية.
عاصر الشيخ سقوط الخلافة العثمانية ومحاولات نقلها مرة إلى الأردن ومرة إلى مصر، وبحكم مشاركته في الحياة السياسية وصفته الدينية لم يكن ليمرّ مثل هذا الصراع السياسي في جوهره الديني في ظاهره دون موقف وانحياز واضح من الشيخ، فبعد تخاذل تركيا في حربها الإيطالية (1911-1913) تشكّلت جمعية العهد في أكتوبر 1913، من شباب عربي عسكري ومدني لمناهضة الأتراك، انضمت في 1915، إلى الحركة المطالبة بنقل الخلافة إلى الشريف حسين باعتباره قرشيا لاسيما بعد سقوط (الطائف) وإعلان نفسه ملكا في 29 نوفمبر 1916، وبينما كان الإنجليز والحركة القومية العربية الصاعدة يدعمون هذا التّوجه، إذا بالشيخ “المراغي” يُعلن عدم شرعية نقل الخلافة للشريف حسين الحليف القوي للإنجليز في المنطقة أثناء الحرب العالمية الأولى، مما أغضب الإنجليز في حينها.
وتكرر الخلاف حول الخلافة مرة ثانية في 3 مارس 1924، عندما أعلن مصطفى أتاتورك إلغاء الخلافة العثمانية، ورغب الإنجليز هذه المرة في أن يُصبح “الملك أحمد فؤاد” خليفة للمسلمين، ووجدها الملك فرصة للتخلص من القيود -المحدودة- التي يفرضها دستور 1923، على سلطاته، ونشط القصر في الدعاية إلى أن تكون مصر مركز الخلافة، وملكها خليفة للمسلمين، وتكوّنت “الهيئة العلمية الدينية الإسلامية الكبرى” برئاسة شيخ الجامع الأزهر “أبو الفضل الجيزاوي”، وعضوية “الشيخ محمد مصطفى المراغي”، والشيخ “عبدالحميد البكري”، والشيخ “محمد شاكر” وعدد من الشيوخ والعلماء، ومعهم عدد من المدنيين، وأصدرت مجلتها الشهرية “مجلة المؤتمر الإسلامي العام للخلافة في مصر”، ونشط القصر في الدعاية لهذه الهيئة واستكمال تكوين اللجان التي تحتاج إليها غير أنّها فشلت لدور الإنجليز المكشوف في دعم هذا التّوجه، والدور الواضح النشط الذي قام به “حسن نشأت” رجل القصر في إنشاء اللجان الخاصة بالخلافة، وشخصية الملك “أحمد فؤاد” وما أحاط بها من سلوكيات غير مقبولة لدى الرأي العام المصري، وموقف الحركة الوطنية بقيادة الوفد وسعد زغلول الذي رأى عدم تمكين “الملك فؤاد” من هذا الرداء الديني الذي يمكن أن يستغله لزيادة سلطة القصر، حتى حزب الأحرار الدستوريين المُقرّب من القصر بالغ في رفضه لفكرة خلافة الملك فؤاد، فوقف حزب الأحرار ووزراؤه وقادته ومستنيروه وصحيفته إلى جانب “علي عبد الرازق” عندما أصدر كتابه الشهير “الإسلام وأصول الحكم” عام 1925، الذي كان موجها ضد رغبة الملك فؤاد في الخلافة، وهذا ما دفع القصر إلى تأسيس حزب الاتحاد الذي قام بالدور النشط فيه رجل القصر حسن نشأت.
وفي خضم هذا الصراع السياسي جاء رأي الشيخ المراغي على غير رغبة الملك فؤاد حيث قسّم قضية الخلافة المثارة إلى مسألتين: حكم الخلافة فجعلها واجبة، ومسألة شخصية الخليفة فلم يتطرق إليها وتركها معلّقة، وكان الشيخ مؤيدا قويا لحزب الأحرار الدستوريين وصديقا حميما لأحمد لطفي السيد مفكّر الحزب.
عادت مسألة الخلافة من جديد في مشيخة الشيخ المراغي للأزهر للمرة الثالثة في عهد الملك فاروق، عندما دعت جماعة مصر الفتاة بزعامة الأستاذ أحمد حسين إلى تأسيس “حزب الخلافة الإسلامية”، وجاء في دعوة الاجتماع الذي تقرّر عقده الساعة الثانية بعد الظهر بالجامع الأزهر يوم الجمعة 23 أغسطس 1940، عبارةُ: “مليكنا الصالح خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاروق الأول”، ووقع هذا البيان الشيخ “محمد مصطفى المراغي ومحمد حسن الفحام، وعبدالمجيد سليم، وعباس مشالي، وإبراهيم حمروش، ومأمون الشناوي، وإبراهيم الجباي وسليمان نوار، وعبدالجليل عيسى، وعبدالرحمن عزام، والحسيني سلطان، وأمين الشيخ ومصطفى عناني، وعبدالحميد بصيلة، وأحمد شاكر، وسعد اللبان، وأحمد حسين، وعزيز المصري، وعلي ماهر” وواضح من الأسماء التي دعت لذلك الحزب أنها أسماء سياسية في غالبيتها، وأنّ الدعوة سياسية في المقام الأول لمواجهة الإنجليز.. وسرعان ما فترت تلك الدعوة.. ما دفع أحمد حسين إلى تغيير اسم “مصر الفتاة” إلى “الحزب الوطني الإسلامي” في مارس 1940، وعدّل برنامج الحزب؛ ليبرز الجانب الإسلامي على ما عداه.
إذا عدنا إلى مسيرة الشيخ المراغي فسنجد أنه بعد وفاة شيخ الأزهر الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي في يوليو 1927، ظل المنصب شاغرا حتى أسندت رئاسة الوزراء إلى مصطفى النحاس 16مارس – 25 يونيه 1928، وحينها رشح الملك فؤاد “الشيخ الظواهري” (1295 – 1363هـ / 1887 – 1944) غير أن “النحاس” رفض مرشح الملك، واقترح “محمد محمود ” وزير المالية في وزارة النحاس الائتلافية اسم “الشيخ المراغي” وأصبح بذلك مرشحا للوزارة الائتلافية، فرفض الملك، وكانت وزارة النحاس ائتلافية بين الوفد والأحرار الدستوريين. والشيخ المراغي مؤيد للأحرار الدستوريين، وصديق حميم لمحمد محمود، ولم يكن قد ظهر عداء بعد بين “الشيخ” والوفد. والملك أحمد فؤاد لم يزل يذكر موقف الشيخ في تأييده للخلافة وتجنب الحديث عمن يتولاها.
أصرّ النحاس على تعيين الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخا للأزهر، وعلى تعيين الشيخ عبدالمجيد سليم مفتيا للدار المصرية في 23 مايو 1928، فتولّى الشيخ المراغي في 2 ذي الحجة 1346هـ / 22 مايو 1928، مشيخة الأزهر في سن السابعة والأربعين؛ ليكون أصغر من تولى مشيخة الأزهر، ليعود إلى المؤسسة “بعد أن مكث بعيدا عنه كل هذا الزمن، فمكث مخلصا لمذهب شيخه محمد عبده، ولم تُؤثر فيه البيئة الرجعية في الأزهر كما أثّرت في غيره من تلاميذه، فلما صار شيخا للأزهر عمل على أنّ يصل بنظامه الحديث إلى الغاية التي أرادها شيخه الإمام محمد عبده”.( )
وبعد شهر انفرط عقد الائتلاف وأقيلت الوزارة بفعل دسائس علي ماهر؛ وشكّل محمد محمود وزارته الائتلافية الأولى بدون الوفد في 25 يونيو 1928، وتسانده حكومة حزب الأحرار، ويؤيده تيار الإصلاح داخل الأزهر، وشكّل الشيخ المراغي لجنة للإصلاح برئاسته انتهت من بحوثها في سبتمبر، وأقرت وزارة محمد محمود هذه الاقتراحات التي عُرفت بمذكرة إصلاح الأزهر، وبدأ المراغي في تنفيذ مشروعه قبل أن يصدر قانون به، وألغيت مدرسة القضاء الشرعي التي أسسها سعد زغلول لتكون بديلا للأزهر في إعداد خريجين لديهم إلمام بالعلوم العصرية، كما أراد الإمام محمد عبده، فكان رأي الشيخ المراغي إلغاء مدرسة القضاء الشرعي ومدرسة دار العلوم ونقل علومهم الحديثة إلى الأزهر مجددا بذلك دعوة الشيخ محمد عبده، إلى إدخال العلوم الحديثة وفتح باب الاجتهاد.
لاقى الشيخ المراغي معارضة شديدة من أنصار الجمود في الأزهر، وكان الملك أحمد فؤاد الأول غير مرتاح لشغل الشيخ هذا المنصب، فلم يُوافق على خطته لإصلاح لأزهر، وأدرك الشيخ المراغي بذكائه أن الوزارة تتباطأ في استصدار القوانين تجنبا لصدام مع الملك الذي لم يرضَ عن مشروع المراغي، وتحت إصرار المراغي أقرّت الوزارة المشروع إلا أن الملك رفض المشروع في اليوم الأخير للوزارة. وقدّم المراغي استقالته وأصرّ عليها، فقبلها محمد محمود يوم استقالة الوزارة أيضا في جمادى الأولى 1348هـ 2 أكتوبر 1929، بعد أن مكث فيه أربعة عشر شهرا؛ لأنه وجد أن بقاءه فيه لا معنى له بعد عجزه عن إصلاحه، والمنصب يجب أن يكون وسيلة لا غاية، ولا يصحّ أن يُضحي بالرأي في سبيل منصبٍ من المناصب، وكان من الطبيعي أن يخلفه الشيخ الإمام محمد الظواهري في 10 أكتوبر 1929.
ظلّ الشيخ “المراغي” بعيدا عن الأزهر قرابة خمس سنوات، حتى ثار الأزهريون مطالبين بعودة الشيخ المراغي إلى منصبه ليس من أجل مذهبه الإصلاحي؛ بل لأجل قوّته النفسية التي يُراعي بها مصالحهم، فوجد خريجو الأزهر من خريجي مدارس القضاء الشرعي ودار العلوم منافسة قوية على تقلّد وظائف الدولة لاسيما أنّهم يجمعون بين العلوم القديمة والحديثة.
ردّ شيخ الجامع الأزهر الشيخ الظواهري على ثورة الأزهريين بفصل 72 من شيوخه وعلمائه، منهم “الشيخ إبراهيم اللقاني، والشيخ عبد الجليل عيسى، والشيخ محمود شلتوت، والشيخ محمد عبد اللطيف دراز، والشيخ علي سرور والزنكلوني”. ومع بداية عمل وزارة ” توفيق نسيم” التي استمرت من 14 نوفمبر 1934 إلى 3 يناير 1936، وكانت مدعومة من الوفد؛ لأنه أعلن عن عزمه على إعادة العمل بدستور 1923، بدأ شباب الأزهر حركة أعلى صوتا تطالب بالإصلاح، وامتدت الحركة إلى معاهد المدن الأخرى، وتصاعدت الحركة حتى يناير 1935، وفي فبراير بلغت الحركة ذروتها، وتحدد هدفها في عودة الشيخ المراغي، وأطلق زعيم هذه الحركة “الشيخ أحمد حسن الباقوري” عبارته الشهيرة: “إما تحت راية المراغي، وإما إلى القرى تاركين الأزهر للبوم والغربان” ولكن “الشيخ الظواهري” في 18 فبراير 1935، أصدر قرارا بفصل “الشيخ الباقوري”، و”الشيخ محمد المدني” وقرارا بنقل عدد كبير من العلماء مثل: “الشيخ محي الدين عبدالحميد، وأمام تصاعد وتيرة الاحتجاج اضطر الشيخ الظواهري إلى الاستقالة في 27 في المحرم 1354هـ / أبريل 1935، وعاد الشيخ المراغي شيخا للأزهر وعاد المفصولون والمنقولون، وبقي في منصبه عشر سنوات حتى تُوفي في1364هـ – 22 أغسطس 1945.
أخذ الشيخ المراغي في تنفيذ رأيه في الإصلاح بشيء من الحرص، ولم ير أن يُغضب أهل الأزهر عليه هذه المرّة، فخطا بالإصلاح خطوة لا بأس بها، وإن لم يصل به إلى الغاية التي أرادها الشيخ محمد عبده، ففتح باب الاجتهاد وأقنع الأزهريين بقبول دراسة العلوم الجديدة التي أدخلها إلى الأزهر، ودعا إلى توحيد المذاهب حتى تتوحّد الأمّة، ودارت بينه وبين “أغاخان” سنة 1938، محادثات بهدف تكوين هيئةٍ للبحث الديني تستهدف التضامن بين الهيئات التعليمية في العالم الإسلامي، والعمل على تبسيط قواعد الدين وتعاليمه، ومحاولة التوفيق بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتأكيد الروابط فيما بينهم، وألّف لجانا لدراسة قوانين الأزهر ومناهجه الدراسيّة، وبموجب ذلك أنشأ ثلاث كليات علميّة تخصّصيّة، مدة الدراسة في كلٍّ منها أربعُ سنوات: كلية اللغة العربية، وكلية الشريعة والقانون، وكلية أصول الدين، وأعاد تنظيم الدراسة بالجامع الأزهر
وبموجب ذلك أعَدَّ مشروع قانونٍ لإصلاح الأزهر، رفعه إلى الملك فؤاد الأول؛ عام 1929، فرفضه الملك، خشية أن يؤدّي ذلك إلى استقلال الأزهر عن القصر، فكان ردُّ الشيخ المراغي: أنْ وضعَ (مشروعَ القانون) في ظرفٍ، و(خطاب استقالته) في ظرفٍ آخر، مُخيّرا الملك بين الأمرين، فقبل الملك الاستقالة، فتظاهر طلابُ الأزهر وعلماؤه، مظاهراتٍ مطالبين بعودة الشيخ المراغي للأزهر، من أجل استكمال مسيرته الإصلاحية، وعاد الشيخ مرّةً أخرى، ولكن بعد خمس سنواتٍ تقريبا، واستمرّ في منصبه لمدَّة عشر سنوات، أدخل خلالها بعض الإصلاحات وأنشأ هيئة للبحوث والثقافة الإسلامية تختص بالنشر والترجمة والعلاقات الإسلامية، اختير الشيخ عضوا بالمجمع اللغوي سنة 1940، غير أنّ الشيخ قدّم استقالته سنة 1942؛ لأنه وجد نفسه مثقلا بالأعمال.
احتفظ الشيخ بعلاقة وثيقة مع الملك فاروق على عكس علاقته بأبيه الملك فؤاد، فاعتاد الملك فاروق على حضور دروس الشيخ في رمضان والصلاة خلفه يوم الجمعة، فمما يأخذه الشيخ عبد المتعال الصعيدي على الشيخ المراغي اشتغاله بالسياسة المصرية، ووقوفه فيها إلى جانب الملك فاروق في سياسته التي وصفها بالرجعية، والتي أعاقت الشيخ عن الوصول إلى غاياته في إصلاح الأزهر، واظب الشيخ على دروس التفسير التي بدأها 1937، بمساجد القاهرة والإسكندرية، واتسم تناوله فيها باليسر والتبسيط والميل إلى العقلانية في الإجابة عن أسئلة الجمهور، وكان يرى الشيخ “أن القرآن ليس كتابا علميا لكي نذهب إليه لإثبات أي فكرة أو نظرية جديدة، ومن الضروري امتلاك بعض المعارف العلمية لفهم بعض آيات القرآن الكريم إلا أن هذه الآيات لم تنزل من أجل أن نثبتها”.
لم يُقدم الشيخ المراغي إلى المكتبة الإسلامية الكثير من المؤلفات والتراجم، لكنه أثراها بكتاب “دراسات في التشريع الإسلامي” عام 1927، وبحثه في ترجمة القرآن الكريم وأحكامه عام 1932، وتفسير جزء تبارك، ومباحث لغوية وبلاغية ودروس دينية نُشرت بمجلة الأزهر.
وللشيخ مواقف تُخبر باعتزازه بنفسه وحفظه لمكانته الدينية أمام الملوك ومن ذلك موقف الشيخ مع ملك بريطانيا أنه عندما كان في السودان، اعتزمت الحكومة البريطانية أثناء احتلالها للهند، أن تحتفل بتنصيب الملك جورج الخامس إمبراطورا على الهند؛ فأصدرت الأوامر إلى الأعيان وكبار الموظفين في السودان بأن يسافروا إلى ميناء سواكن لاستقبال باخرة الملك، وهي في طريقها إلى الهند، حيث تتوقف لبعض الوقت، وكان في مقدمة المدعُوِّين قاضي السودان، وهو وقتئذٍ الشيخ المراغي، وكان البروتوكول يقضي بألا يصعد إلى الباخرة أحدٌ غير الحاكم الإنجليزي، وأما من عداه فيمكثون بمحاذاة الباخرة، ويكفي أن يشرفهم الملك بإطلال عليهم. وعلم الشيخ بذلك الترتيب، فأخبر الحاكم الإنجليزي بأنه لن يحضر لاستقبال الملك، ألا إذا صعد مثله إلى الباخرة لملاقاته، وهكذا كان؛ فصعد الشيخ المراغي إلى السفينة، واكتفى بمصافحة الملك، ولم ينحنِ له، فاستنكر الحاضرون من المسئولين البريطانيّين مسلكه غير المؤدّب بزعمهم، فرد الشيخ في اعتزاز بنفسه وبعلمه: “ليس في ديننا الركوع لغير الله”.
ومن مواقف الشيخ السياسية التي أغضبت حزب الوفد والإنجليز في جمعة 19 سبتمبر 1941، في جامع بيبرس والملك فاروق حاضر يستمع، رفض الشيخ مشاركة مصر في الحرب إلى جانب الإنجليز، ووصفها بـ “حربٍ لا ناقة لنا فيها ولا جمل”، وكان في اليوم السابق وقعت غارة على القاهرة راح ضحيتها 39 قتيلا و33 جريحا، فكان كلام الشيخ معبّرا عن مشاعر غالبية الشعب الرافض للاشتراك في الحرب، وحينها غضب الإنجليز وطلبوا من الحكومة المصرية إصدار بيان حول كلام الإمام المراغي بوصفه شيخ الأزهر، فاتّصل به “حسين سري”، وكان رئيسا للوزراء للمرة الثالثة، وحدثت مشادّة كلامية بينه وبين الشيخ المراغي؛ ما دفع الشيخ إلى كتابة استقالته إلا أنّها لم تُقبل.
وكان موقف الشيخ في هذه المسألة يتفق وموقف الأحرار الدستوريين والحزب الوطني والقصر؛ أما الوفد فقد ركّز على مطالب محددة، هي أن تتعهد انجلترا بانسحاب قواتها بمجرد عقد الصلح وبإعادة النظر في المعاهدة، وطوال عهد حكومة الوفد فبراير 1942- أكتوبر 1944، لم يفكر الوفد في إعلان الحرب ضد المحور، وركّز على مطالبه السابقة، وكان حزب السعديين بزعامة أحمد ماهر يُنادون صراحةً بالاشتراك في الحرب، وهذا ما دفع أحمد ماهر حياته ثمنا له مساء يوم 24 فبراير 1945، وفي السنة نفسها في 22 أغسطس تُوفي الشيخ الإمام محمد مصطفى، ليلة 14 رمضان 1364هـ عن عمر يُناهز الرابعة والستين.( )








