استقرّ رأي الإمام على أن الإصلاح الديني هو أساس الإصلاح الاجتماعي، والسياسي، وضعُف أمله في الملوك والأمراء، وازداد إيمانا بعدم جدوى المحاولات السياسية، وحصر أمله كله في إعداد الأمة للنهضة والمقاومة بالعلم والتربية الاجتماعية الصالحة، بهذه الروح عاد الشيخ إلى مصر في سنة 1306هـ – 1887م بعد أن عفا الخديوي توفيق عنه مشترطا لعودة الشيخ من المنفى ألا يعمل بوظائف التعليم، فعمل قاضيا بالمحاكم الأهلية على كرهٍ منه أربع سنوات، أسندت إليه فيها محكمة بنها، إلا أن أحكام الشيخ كانت نوعا من التعليم أيضا، فكانت “أحكامه فيها حرّة تُجَاري رُوح القانون، ولا تتقيد بألفاظ النصوص، وهذه هي طريقة القاضي المجتهد الذي تهمّه رُوح القانون أكثر مما تهمّه النصوص والألفاظ”([1]).
وفي عام 1892، شارك الإمام تلاميذه سعد زغلول، وحسن عاصم، وأحمد فتحي زغلول، تأسيس “الجمعية الخيرية الإسلامية” التي كانت ملتقى الإمام مع محبّيه من أبناء الأزهر ودار العلوم ومن الأدباء، والمثقفين، وفي العام نفسه تعرّف الأستاذ أحمد لطفى السيد على الإمام الذي عُهد إليه بتصحيح أوراق الامتحان للصفّ الذي فيه أحمد لطفي السيد، فكما بدأت العلاقة الوثيقة بين الإمام والشيخ محمد مصطفى المراغي في امتحانات عالمية الأزهر، فاستوقف الإمام الرّدود الذكية من المراغي على أسئلة الاختبار الشفهي، كذلك بدأت علاقة الإمام بالأستاذ أحمد لطفي السيد من ورقة إجابته الذي كان يتوقع أن يرسب فيها؛ لأنه كتب موضوعا يُنكر فيه حقّ الحكومة في عقاب الجناة؛ لأنّ الحكومة نفسها تقوم على العنف، وليس على العقد، وفُوجئ أحمد لطفي السيد بالشيخ محمد عبده يُهنئه بشجاعته وقوة أسلوبه.
وفي تلك الفترة التقى السيد محمد رشيد رضا بالشيخ محمد عبده للمرة الثانية بعد لقائهما الأول في بيروت، واستقرّ رشيد رضا بالقاهرة، وأصدر مجلة المنار الذي نشر بها ما كان يقتبسه من دروس الشيخ بعبارة صحيحة فصيحة لا يأبى أن تُعزَى إليه، فصار للإمام تلاميذ ومريدين في جميع الأقطار الإسلامية، وجمع حوله حزبا في مصر وغيرها من أرقى الطبقات، ولم يكونوا يعرفون شيئا عنه إلا من مجلة المنار، ومن ومطبوعات المجلة”([2]). وجمع رشيد رضا ما كتبه الشيخ محمد عبده في كتاب تفسير حمل الاسم نفسه “تفسير المنار” الذي عقّب عليه الشيخ محمود شلتوت في الذكرى الثلاثين لرحيل الشيخ محمد عبده بأنّ ما كتبه الشيخ محمد عبده بنفسه من تفسير المنار جزء “عم يتساءلون” في أغسطس١٩٠٣م، وما دوّنه عنه تلميذه رشيد رضا، هو من أول القرآن إلى قوله تعالى في سورة النساء: “ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن”، فهذا دون غيره يُمثّل منهج الشيخ في التفسير.
وفي سنة 1310 هـ – 1892م مات الخديوي توفيق، وخلفه ابنه عباس باشا الثاني الذي عمل أول ولايته على تقريب زعماء المصريين من مجلسه؛ ليناهض بهم الإنكليز الذين استأثروا بالحكم، ولم يتركوا له سوى الأزهر والأوقاف الإسلامية والمحاكم الشرعية، فاقترح عليه الشيخ محمد عبده أكبر هؤلاء الزعماء، وأقربهم إلى الخديوي أن يشتغل بإصلاح المؤسسات الثلاث بما يُحدث نهضة دينية واجتماعية، تُصلح نفوس المصريين فتقوى على مناهضة الإنكليز.
فاقتنع عباس باشا بهذا الرأي من الشيخ محمد عبده، ومكّن له من إصلاح جُزئي في الأزهر والأوقاف والمحاكم الشرعية، وأسند إليه وظيفة أول مفتي للديار المصرية، ومضى الشيخ في مسيرته الإصلاحية عشر سنين إلى أن غضب الخديوي عباس حلمي الثاني عليه؛ لوقوفه منه موقف الندّ للند، محتفظا بكرامة العلم والدين، تلك الكرامة أغضبت الخديوي ورآها تكبرا، قائلا: “إنّ الشيخ محمد عبده يدخل عليّ وكأنه فرعون! والتفت الخديوي يسأل عبدالرحمن الكواكبي رأيه في الأستاذ الإمام.. فقال الكواكبي: إن إفريقية أخرجت كثيرا من العلماء والفلاسفة والحكماء، ولكنها أخرجت أخيرا حكيما فاق جميع الحكماء هو الشيخ محمد عبده”.([3])
ورغم أن الإمام محمد عبده ابتعد عن السياسة إلا أنّها لم تكن؛ لتبتعد عن رجل مثله؛ فلم يسلم من أذى الخصومة الحزبية، فمن يقترب من السياسة يتعيّن عليه أن يختار مسارا من بين مسارات فن الممكن/السياسة، التي لا يُمكن أن يتّفق الجميع على واحدٍ منها، وحتما يختلفون حولها، وهذا ما حدث مع الشيخ محمد عبده عندما نظر إلى واقع بلاده كفترة انتقالية تتطلّب حاكما مستبدا عادلا نزيها شجاعا حازما أصيل الرأي عالي الهمة رفيع المقصد، ورأى أنّ الظروف التاريخية والسياسية والاجتماعية تتطلب عدم الصدام مع المحتلّ الإنجليزي ومهادنته حتي يتمكنَ الحاكم من المُضي في مشروعه الإصلاحي، وهذا ما رأى “محمد فريد” وحزبه “الحزب الوطني” خلافه، فاتّهموا الإمام محمد عبده بالتهمة نفسها التي سبق، واتّهم مصطفى كامل والحزب الوطني بها “أحمد عرابي” وهي الخيانة!
إنها الخصومة الحزبية والاختلاف السياسي الذي دفع محمد فريد أن يصف أحمد لطفي السيد وسعد زغلول وقاسم أمين شركاء الماضي في الحزب الوطني بالعمالة للإنجليز، ويُطلق على حزب “الأمة” الذي تأسس بعد رحيل الشيخ بعامين سنة ١٩٠٧، بأنّه حزب محمد عبده؛ لأنّ الشيخ كان يدعم مساعيهم لإصدار جريدة “الجريدة” وقيام حزب “الأمة”.
فلم يتسلّم مصطفى كامل راية النضال الوطني وعيّنه في الأرض احتراما لتاريخ سابقه على الطريق أحمد عرابي، كما قد يتبادر إلى ذهن القارئ لكتب التاريخ المدرسي بل كان يراه خائنا، وكانت نظرة محمد فريد وريث مصطفى كامل لمؤسسي حزب الأمة بما فيهم سعد زغلول أنّهم “خونة وعملاء”، ولم تكن خصومة الشخصيات التاريخية قاصرة على الصراعات الحزبية، بل كانت بين بعض أئمة الجامع الأزهر مطارق الحدّاد مثل الإمام محمد الأحمدي الظواهري والإمام محمد مصطفى المراغي، وقبلهما الإمام محمد العباسي والإمام شمس الدين الإمبابي، ولم يترك الإمام محمود شلتوت شيخ الأزهر جهةً عليا إلا واشتكى إليها رسميا من الدكتور محمد البهي أول وزير لشئون الأزهر واصفا إياه بالساعي إلى هدم الأزهر، ولم يكن موقف الدكتور البهي من الشيخ شلتوت أفضل حالا، كذلك لم تسلم مقالات الدكتور مصطفى محمود حول الإعجاز العلمي من هجوم عائشة بنت الشاطئ، دعك من صراعات الرموز الأدبية.
فعلينا ألا نتعامل مع الشخصيات التاريخية من منطلق أنّها على حقّ محض أو باطل محض، وألا نحصر أحكامنا في أبيض وأسود، وألا نُغفل الطبيعة الإنسانية التي هي مزيج من مختلف الألوان والدوافع والمواقف الخيّرة والشريرة التي قد تُصيب وتُخطئ، وألا نُهدر السياقات التاريخية التي تجعل الشخصية تُؤمن بالفكرة في مرحلة، وتُمارس نقيضها في مرحلة أخرى، وألا ننسى المؤثرات العاطفية التي تجعل الشخصية إذا رضيت قالت أحسن ما علمت، وإذا سخطت قالت أسوأ ما علمت.
وضع الخديوي عباس حلمي الثاني العقبات في طريق الشيخ محمد عبده الإصلاحي، ورفع عنه الحماية، فتسلّط عليه الأزهريون يتهمونه في عقيدته، ويطعنونه في دينه، وتألّب أعداء الإصلاح عليه، حتى نفض يده من هذا الإصلاح، وتركه يتعثر بعده في خطواته، ولا يصل إلى الغاية التي كان يريدها له. أدرك الإمام غمٌّ كبير بعد نفض يده من الأزهر، فعاجلته المنية سنة 1323هـ – منتصف يوليو 1905 م.
و”قد جاوز الزحام في جنازته كلّ ما قدرته الشرطة واتخذت له حيطتها لتشييع الجنازة من الإسكندرية إلى القاهرة، وتعطلت حركة الأسواق، وأغلقت الدكاكين، واكتظت الأرصفة بالواقفين. رحل وقد ترك لمصر أنجب تلاميذه: سعد زغلول وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين، وترك في الشئون الدينية تلاميذه: الشيخ محمد شاكر، والشيخ مصطفى المراغي، والشيخ مصطفى عبدالرازق، والشيخ إبراهيم حمروش، والشيخ محمود شلتوت”.([4])
ومما قاله حافظ إبراهيم في رثائه:
بكى الشرق فارتجّت الأرض رجّــــــــــــــــــــة وضاقت عيون الكون بالعبرات
ففي الهند محزون وفي الصين جازع وفي مصر باكٍ دائم الحســــــــرات
وفي الشام مفجوع وفي الفرس نــــــــادب وفي تونس ما شئت من زفـــــــرات
([2]) المجددون، ص٤٠٧، ويرى الشيخ عبد المتعال الصعيدي أن رشيد رضا هو من حمل إلى الشيخ محمد عبده كتاب: أسرار البلاغة من طرابلس، ودعاه إلى تصحيحه وتدريسه في الأزهر، فجدّد به البلاغة العربية بعد أن بليت رسومها.








