الحدث

محمد بن سلمان: لا أعرف الوهابية .. والإخوان أسسوا للإرهاب برعاية أمريكية

في حوار مطول ومستفيض مع جيفري جولدبيرج، رئيس تحرير مجلة The Atlantic الأمريكية، يرد الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي، على تساؤلات مهمة حول حزمة من القضايا المحورية التي تؤثر بقوة في استجلاء ملامح الصراع الجيوسياسي والأيديولوجي في منطقة الشرق الأوسط، مثل حقيقة الوهابية وتأثيراتها في توجيه السياسات السعودية منذ تأسيس الدولة السعودية الأولى قبل نحو ستمائة عام وحتى الآن، وديناميكيات العلاقة التاريخية بين الدولة السعودية وجماعة الإخوان المسلمين منذ تأسيسها عام 1928، وحقيقة استخدام الدولارات البترولية في تمويل التنظيمات الإرهابية لخدمة الأجندة السياسية السعودية، وطبيعة الصراع الطائفي ومآلاته.

الحوار، بما تضمنه من مكاشفات مستفيضة لأفكار ولي العهد، رجل الحكم الأقوى في المملكة، يبدو الأجرأ والأهم والأكثر مقاربة لطموحات الأمير الشاب الذي يسعى جاهدا لإعادة تقديم نظام الحكم في بلاده في صورة أكثر عصرية، تنفض عنها غبار عقود من الجمود والتزمت، بما يفسح المجال لتطلعات محمد بن سلمان في إفساح المجال لتدشين الدولة السعودية الرابعة، وتقديم أوراق اعتمادها لبلدان المنطقة والعالم، والأهم لمئات الآلاف من الشباب السعودي الذي تلقى تعليما متقدما في جامعات العالم، ويتطلع لدور أكبر في بلاده لم تمكنه منه صيغة الحكم الجامدة التي أرساها الأباء المؤسسون لحكم آل سعود على مدى عقود طويلة.

“أصوات” تستجلي هنا أهم ما ورد في ثنايا الحوار:

جولدبيرج: هل يمكن أن تحدثنا عن الإسلام، والدور الذي يتعين عليه القيام به تجاه البشرية؟

محمد بن سلمان: الإسلام هو دين السلام، هذا هو المعنى الحرفي لكلمة “إسلام”. والمسلم مكلف بمهمتين أساسيتين؛ الأولى الإيمان الذي يستوجب عمل الصالحات وترك المنكرات. والثانية تبليغ رسالة الإسلام للناس كافة. على مدى 1400 عام من الزمان، يحاول المسلمون حمل كلمة الله إلى جميع بني البشر؛ لكن حيل بينهم وبين إتمام مهمتهم في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوربا؛ ما دفعهم إلى الجهاد بالسيف. في المقابل، منحتهم دول أخرى في آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا والهند، حرية النهوض بأعباء هذا التكليف، وتركت أمر قبول هذه الدعوة، أو رفضها، لإرادة الشعوب الحرة. في هذا السياق المنفتح، لم يكن المسلمون معنيون بالقتال، وإنما فقط بحمل كلمة الله إلى الناس. أما الآن، فإن”مثلث الشر” ..

جولدبيرج: مثلث الشر؟

محمد بن سلمان: نعم، سأُفَصل ذلك حالا. في مثلث الشر، يحاولون تعزيز فكرة أن واجبنا كمسلمين يقتضي إعادة بناء دولة الخلافة، وإعادة بناء ذهنية الخلافة التي ترتكز على أن مجد الإسلام يتمثل في بناء إمبراطورية توسعية بالقوة. هذا لا يتفق مع التكليفات السماوية، ولا أساس له في سُنة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لقد أمرنا الله فقط بنشر دعوته، وأتم المسلمون هذه المهمة فعليا، وبُلغت الرسالة، وغدت الكتب الدينية ملء السمع والبصر في جميع البلدان. يحق لكل إنسان أن يختار دينه ومعتقده بحرية تامة، ولم يعد المسلمون مكلفين بالجهاد لنشر دعوة الإسلام، لكن قوى الشر تخدع المسلمين وتتلاعب بعقولهم وتزين لهم أن الواجب والكرامة يكمنان تحت ظلال إمبراطورية إسلامية توسعية.

جولدبيرج: فيما يتعلق بمثلث الشر؟

محمد بن سلمان: يتمثل الضلع الأول في”مثلث الشر” في النظام الإيراني الذي يسعى إلى فرض أيديولوجية شيعية متطرفة في جميع البلدان الإسلامية كنواة لإمبراطورية عالمية. هم يعتقدون أنهم إن فعلوا ذلك، فإن الإمام الغائب سيعود مجددا، ويحكم العالم بأسره من إيران، وينشر الإسلام حتى يبلغ الولايات المتحدة الأمريكية. هم يرددون ذلك كل يوم منذ إندلاع ثورتهم في عام 1979، وهذا الاعتقاد متضمن في دستورهم وقوانينهم، وأعمالهم تثبثه بما لا يدع مجالا للشك.

الضلع الثاني في مثلث الشر هو “جماعة الإخوان المسلمين”، وهي تنظيم متشدد يسعى إلى استخدام النظام الديمقراطي للوصول إلى سدة الحكم في بلدان مختلفة لبناء دول ظل متعددة لدولة خلافة موحدة على مستوى العالم، تتحول بعد ذلك إلى إمبراطورية إسلامية بكل معنى الكلمة.

أما الضلع الثالث في المثلث، فيمثله “تنظيم الدولة الإسلامية” و”القاعدة” الإرهابيين، وهما يسعيان لفرض معتقداتهم وآرائهم بالقوة، وقادة هذين التنظيمين خرجوا من عباءة الإخوان، وعلى رأسهم أسامة بن لادن وأيمن الظواهري وقائد تنظيم الدولة؛ هذا أمر واضح لدى الجميع.

يرسخ هذا المثلث أفكارا من قبيل أن الله والدين الإسلامي لا يفرضان السعي لتحقيق التقدم؛ لذا تسير أفكارهم عكس اتجاه مبادئ الأمم المتحدة، ويرفضون مبدأ حرية الدول في سن قوانين تناسب احتياجاتها. على النقيض، تدافع المملكة العربية السعودية ومصر والأردن والبحرين وعمان والكويت والإمارات العربية المتحدة واليمن عن مبدأ اهتمام كل دولة بمصالحها الخاصة في بناء علاقات طيبة تعتمد مبادئ الأمم المتحدة.

جولدبيرج: أليس صحيحا أنه حتى قبل عام 1979 كانت الجماعات المتشددة في المملكة العربية السعودية تستأثر بالأموال البترولية، وتوظفها في تصدير الأيديولوجيا الوهابية، التي تمثل نسخة متطرفة وغير متسامحة من الدين الإسلامي، يمكن فهمها كأيديولوجيا مصاحبة لفكر جماعة الإخوان؟

محمد بن سلمان: قبل أي شيء، هذه الوهابية، هل يمكنك أن تُعرف لنا الوهابية؟ إننا لسنا على دراية بها، ولا نعرف شيئا عنها.

جولدبيرج: ماذا تعني بأنك لا تعرف شيئا عنها؟

محمد بن سلمان: ما الوهابية؟

جولدبيرج: أنت ولي عهد المملكة العربية السعودية، وتعرف جيدا ما الوهابية.

محمد بن سلمان: لا أحد يستطيع تعريف الوهابية.

جولدبيرج: هي حركة أسسها ابن عبد الوهاب في القرن الثامن عشر، وهي حركة أصولية بطبيعتها، و تتبنى تفسيرا سلفيا متشددا.

محمد بن سلمان: لا أحد يستطيع تعريف الوهابية.. لا توجد وهابية من الأساس، ولا نؤمن بأن لدينا وهابية في المملكة، لدينا فقط سُنة وشيعة. نؤمن أيضا أن الإسلام السُني ينطوي على أربع مدارس فكرية، ولدينا علماء راسخين فيها في الهيئات والمؤسسات الدينية ولجنة الفتاوى. نعم نستمد قوانينا في المملكة من الإسلام والقرآن، لكن لدينا المدارس بأنواعها، الحنبلية والحنفية والشافعية والمالكية، يتجادلون فيما بينهم حول التفسير.

هل تعلم لماذا تأسست الدولة السعودية الأولى؟ بعد انتهاء عصر النبوة والخلفاء الأربعة الأوائل، راح الناس في شبه الجزيرة العربية يتقاتلون كما كانوا يفعلون على مدار آلاف السنين. لكن عائلتنا قبل ستمائة عام أنشأت مدينة من لا شيء، هي مدينة الدرعية، من هذه المدينة تأسست الدولة السعودية الأولى، التي غدت أكبر قوة اقتصادية في شبه الجزيرة العربية، وقامت بدور مهم في تغيير واقعها.

في ذلك الوقت كانت أغلب المدن الأخرى تتقاتل للاستيلاء على القوافل التجارية، ومن أجل هذا عرضت عائلتنا على قبيلتين أخريين أن يعملا لديها لحماية هذه المنطقة بدلا من مهاجمة طرق التجارة. على إثر ذلك نمت التجارة وازدهرت المدن. هذه هي المنهجية التي اتبعتها الدولة السعودية الأولى، وظلت تتمسك بها بعد انقضاء ثلاثمائة عام. الفكرة كانت دائما أننا بحاجة إلى كافة العقول والقدرات في شبه الجزيرة من قيادات عسكرية وشيوخ قبائل وعلماء للعمل معنا، ومحمد بن عبد الوهاب كان أحد هؤلاء، لكن مشروعنا يقوم على خدمة الشعوب، وخدمة المصالح الاقتصادية، وليس على خدمة المصالح الاقتصادية التوسعية.

بلا شك لدينا أشياء مشتركة؛ فجميعنا مسلمون، وجميعنا يتحدث العربية، ونتشارك جميعا الثقافة نفسها والمصالح نفسها أيضا. عندما يتحدث الناس عن الوهابية، تجدهم لا يعرفون عما يتحدثون على وجه الدقة. فعائلة عبد الوهاب (عائلة آل الشيخ) معروفة جيدا الآن، وتضم أرض المملكة عشرات الآلاف من العائلات المرموقة والمهمة. ستجد شيعة في مجلس الوزراء، وفي الحكومة، وأهم جامعة في المملكة العربية السعودية يترأسها شيعي، فإننا نعتقد يقينا أننا مزيج من المدارس والمذاهب الإسلامية.

جولدبيرج: لكن ماذا عن تمويل المتطرفين؟

محمد بن سلمان: عندما تتحدث عن التمويل قبل عام 1979، فأنت في حقيقة الأمر تتحدث عن الحرب الباردة. في ذاك الوقت كانت الشيوعية تتفشى في كل الأنحاء، تهدد الولايات المتحدة الأمريكية وأوربا، والمملكة العربية السعودية أيضا. وفي ذاك الوقت ولت مصر وجهها صوب المعسكر الشيوعي، واتجهت المملكة إلى التعاون مع كل من يمكن أن تستفيد منه للتخلص من الخطر الشيوعي الداهم. من بين هؤلاء كانت جماعة الإخوان؛ قمنا بتمويلهم داخل المملكة، مثلما فعلت معهم الولايات المتحدة أيضا.

جولدبيرج: هل كان هذا خطأ؟

محمد بن سلمان: لو عاد بنا الزمان، لفعلنا الشيء نفسه، لقد كنا نواجه خطرا أعظم، وهو الخطر الشيوعي. لكن بعد ذلك كان علينا أن نتدبر كيف نتعامل مع جماعة الإخوان، وتذكر جيدا أن أحد رؤساء الولايات المتحدة قال عنهم إنهم “مقاتلون من أجل الحرية”.

وبينما كنا نحاول الهيمنة على الحركات والتيارات التابعة لهم، داهمنا عام 1979، فانقلب كل شيء رأسا على عقب. لقد خلفت الثورة الإيرانية نظاما يقوم على أيديولوجيا تنطوي على شر خالص، نظام لا يعمل من أجل الشعب، وإنما من أجل الأيديولوجيا، وفي الدول السنية يحاول المتطرفون استنساخ هذه الاسترتيجية، وعلى إثر ذلك هاجموا المسجد الحرام في مكة. كنا بصدد حدثين جللين: الثورة في إيران، ومحاولة استنساخها في مكة، وكنا نحاول حماية كل شيء من الانهيار. لقد واجهنا شبح الإرهاب في المملكة، وفي مصر، وطالبنا منذ وقت مبكر بالقبض على أسامة بن لادن لأنه لم يكن موجودا في المملكة آنذاك. لقد عانينا الكثير في مواجهة هذا الإرهاب حتى وقعت واقعة 11 سبتمبر. تلك هي الرواية.

جولدبيرج: قضيتُ سنوات طويلة في باكستان وأفغانستان في نهاية الألفية الماضية وبداية الألفية الجديدة، وكان معروفا للجميع أن المملكة العربية السعودية هي من يقدم الدعم المالي للمدارس التي تنتهج العنف. يبدو مما تقول الآن أن الأمور خرجت عن نطاق السيطرة، وأن حكومتكم وعائلتك لم تعودا قادرتين على التحكم في الدعم المالي والأيديولوجي، وأن السنين قد دارت دورتها لتصطلوا وأصدقاؤكم وحلفاؤكم بنار إرهاب أنتم من صنعتموه. والآن يقوم مشروعك الكبير – إذا كنت أفهم الأمور على نحو صحيح – على احتواء المارد الذي أطلقت له بلدكم العنان.

محمد بن سلمان: لقد استخدمنا جماعة الإخوان في الحرب الباردة، فعلنا ذلك، كلانا.

جولدبيرج: أنا لا أبرئ الولايات المتحدة من ذلك.

محمد بن سلمان: هذا ما أرادت الولايات المتحدة منا القيام به، ولدينا مَلك دفع حياته ثمنا لمواجهة الإرهابيين، هو الملك فيصل، الذي يعد واحدا من أعظم الملوك الذين اعتلوا عرش مملكتنا.

أما فيما يتعلق بتمويل الجماعات المتطرفة، فإني أتحدى أن يقدم أحد دليلا واحدا على ضلوع المملكة في ذلك. نعم، هناك أفراد من المملكة مولوا الإرهاب، لكن هذا يخالف قوانين المملكة، وكثيرون الآن خلف الأسوار، ليس فقط لضلوعهم في تمويل الجماعات الإرهابية، وإنما لمجرد دعمهم لها، وأحد أسباب خلافنا مع دولة قطر هو أننا لا نسمح لهم باستخدام النظام المالي المعمول به فيما بيننا لجمع الأموال من السعوديين وتسليمها للمنظمات الإرهابية والمتطرفة.

جولدبيرج: وهل تعتقد أن العلاقات الطيبة مع قطر ستعود من جديد؟

محمد بن سلمان: يجب أن يحدث ذلك. نتمنى أن يتعلموا الدرس سريعا؛ فالأمر أولا وأخيرا يعتمد عليهم.

*للاطلاع على النص الكامل للحوار باللغة الإنجليزية، طالع موقع مجلة The Atlantic

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: