منوعات

داعش يؤسس لعودته على ساحات ثلاث.. والغرب لا يعي دروس التاريخ

بول روجرز – أستاذ بقسم دراسات السلام في جامعة برادفورد-بريطانيا

عرض وترجمة: أحمد بركات

في وقت مبكر من العام الماضي، غرد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب معلنا هزيمة «تنظيم دولة الخلافة الإسلامية في العراق والشام» (داعش)، وانتصار الولايات المتحدة، واختفاء دولة الخلافة إلى الأبد. كانت هذه التغريدة بمثابة زهو سابق لأوانه واحتفاء بنصر زائف، بينما كانت دولة الخلافة لا تزال تقرع طبول الحرب بقوة من وجوه عدة.

العودة على الساحة الأفغانية

في هذا السياق، تُظهر ثلاثة تطورات منفصلة – على الأقل – أن «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام» يسير حثيثا في طريق استعادة دولته وتنويع عملياته على مدى العام الماضي. تَمثل أحد هذه التطورات في نجاح التنظيم في ترسيخ أقدامه في أفغانستان، حيث قام بتأسيس قاعدة دائمة في المناطق الجبلية في الجزء الشرقي من البلاد. وقد وفرت هذه القاعدة ملاذا آمنا للتنظيم لبدء التخطيط لشن هجمات في الخارج.

بالفعل، نجحت القيادة المحلية للتنظيم في توظيف هذه القاعدة كمركز لتدشين عدد من أبشع المذابح والتفجيرات فيما يفترض أنه مناطق آمنة في كابول. فعلى سبيل المثال، (وبالتحديد فى 17 أغسطس 2019) نفذ التنظيم أحدث هذه العمليات، حيث قام بتفجير حفل زفاف في غرب كابول، في ضاحية تقطنها أقلية شيعية من شيعة الهزارة، الذين ينظر إليهم التنظيم باعتبارهم خوارج مارقين. واللافت هنا أن موقع التفجير لا يبعد كثيرا عن قصر «دار الأمان»، حيث كان مقررا أن يحتفل الرئيس الأفغاني أشرف غني باليوم الوطني لبلاده بعد يومين من الحادث (19 أغسطس)، كما لا يبعد كثيرا أيضا عن موقع تفجير آخر شهدته العاصمة الأفغانية في وقت سابق من الشهر نفسه، وأعقبه هجوم على قاعدة شرطية أودى بحياة 14 فردا، وإصابة 145 آخرين.

ويرى تنظيم الدولة الإسلامية أن الفرصة سانحة له الآن لتوسيع قاعدته في أفغانستان بعد أن أعلن الرئيس ترا مب عزمه على عقد صفقة مع «حركة طالبان»، وإعلان الانتصار، وسحب آلاف الجنود قبل بدء سباق الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وذلك من خلال تفكيك العديد من الجماعات شبه العسكرية المتشددة التابعة لطالبان، والبدء في عملية التحول إلى معارضة حقيقية في أفغانستان ما بعد أمريكا.

  التمدد في غرب أفريقيا

أما الطريق الثاني لعودة تنظيم الدولة فيتمثل في السيطرة على عدد من المناطق في غرب أفريقيا، خاصة في الشمال الشرقي من نيجيريا، مع امتداد نفوذه إلى أجزاء كثيرة من الساحل. كما يرتبط تنظيم الدولة بعلاقات وثيقة مع عدد من الجماعات الجهادية في شمال أفريقيا واليمن والصومال وحتى الفلبين، لكن تظل منطقة غرب أفريقيا – في الوقت الراهن على الأقل – هي مجال التوسع الرئيسي للتنظيم، إلى حد إقامة دولة خلافة صغيرة.

ويتمثل رد الفعل الغربي على هذا التمدد الداعشي في دعم القوات المحلية الحكومية، والانخراط في مسرح العمليات بشكل مباشر من خلال استخدام الطائرات المسيرة المسلحة ووحدات القوات الخاصة. وتشكل الولايات المتحدة وفرنسا مركز الثقل في هذا التحالف، ويشترك معهما دول أخرى مثل بريطانيا.

في سوريا والعراق

على الرغم من ذلك، قد يكون الطريق الثالث لعودة تنظيم الدولة هو الأكثر أهمية على الإطلاق، ويتمثل في التطورات الحالية التي تشهدها الساحتان العراقية والسورية. لا شك أن هذه التطورات كانت بمثابة مفاجأة حقيقية، خاصة بعد حرب الظل الجوية شديدة الكثافة التي شنتها قوات التحالف ضد تنظيم الدولة في الفترة بين عام 2014 وبداية عام 2018، والتي أسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من عناصر التنظيم. كانت هناك بلا شك دلائل واضحة على أن التنظيم لا يزال يمتلك القدرة على العمل على الأرض في كل من العراق وسوريا، لكن فقط في إطار تنفيذ هجمات محدودة التأثير على المستوى المحلي. رغم ذلك، تؤكد تقارير حديثة صدرت مؤخرا في كل من الولايات المتحدة  وبريطانيا على تطور قدرات التنظيم، وأن ما تشهده كلتا الدولتين اليوم يفوق بكثير مجرد تنفيذ عمليات محلية محدودة التأثير.

موارد داعش

من ناحية، لم يتمكن الغرب من قطع الإمدادات المالية عن تنظيم الدولة الإسلامية. ويبدو الأمر وكأن التنظيم لا يزال بإمكانه الوصول إلى حوالي 400 مليون دولار، إما في مواقع آمنة في العراق وسوريا، أو في الدول المجاورة. وفي شمال العراق يجمع التنظيم الأموال عن طريق ابتزاز الفلاحين وإرغامهم على دفع غرامات بدعوى تدمير المحاصيل، كما يمتلك التنظيم استثمارات متنوعة تتراوح بين التجارة في السيارات، ومزارع الاسماك، وإنتاج القنب (مادة مخدرة).

إضافة إلى ذلك، تمثل المناطق التي لا تخضع لسيطرة الدولة قيمة كبرى لتنظيم الدولة الإسلامية، سواء في شرق سوريا أو في شمال العراق، خاصة المساحة الواقعة بين  المناطق الحدودية الكردية في العراق وتلك التي تسيطر عليها الحكومة المركزية. وتقوم وحدات صغيرة تابعة لتنظيم الدولة بتنفيذ عمليات على نطاق أوسع في تلك المساحة، خاصة في العراق. وفي الشهور الستة الأولى من هذا العام حتى نهاية شهر يونيو، نفذت عناصر تنظيم الدولة 139 هجوما وقتلت 274 فردا في محافظات نينوى وصلاح الدين وكركوك وديالى والأنبار في العراق. وبرغم أن كثيرا من هذه العمليات كانت تستهدف قوات الأمن الحكومية وقواعدها، إلا أن معظم القتلى كانوا من المدنيين.

وبرغم حديث ترامب الصاخب عن انتصاره المؤزر، إلا أن أحدا لم يعتقد أن تنظيم الدولة يعاني نقصا في أعداد المقاتلين. ففي الشهور الأولى من تمدد التنظيم في عامي 2013 و2014، قدرت المصادر الأمريكية قوة التنظيم بين 20000 إلى 30000 مقاتل، برغم أن التقديرات الكردية كانت تشير إلى أرقام تفوق ذلك بكثير. لكن، بالنظر إلى ما أعلنته قيادة العمليات الخاصة الأمريكية، التي حددت خسائر التنظيم في حرب السنوات الأربع بـ 60000 مقاتل، يبدو الآن أن التقديرات الكردية كانت أكثر دقة. ما نريد أن نخلص إليه هنا هو أن المصادر الحكومية الأمريكية تقدر حاليا قوة تنظيم الدولة في كل من العراق وسوريا بـ 18000 مقاتل، والمتوقع، في ضوء ما سبق، أن تكون هذه التقديرات أقل بكثير من الواقع.  

مراكز التجنيد

إلى أي مدى يمكن أن تصل  فعالية عودة تنظيم الدولة؟ يعتمد هذا بالأساس على قدرة التنظيم على تجنيد مزيد من العناصر واجتذابهم إلى صفوفه، وهو ما يقوم به فعليا مع عشرات الآلاف من الأفراد القابعين في مخيمات النازحين، خاصة في سوريا.

أكبر هذه المخيمات هو مبنى مترامي الأطراف في مدينة الهول في شمال شرق سوريا، حيث يعيش سبعون ألف شخص ،أغلبهم من الأطفال والشباب. وبرغم المساعدات التي تقدمها منظمة الصليب الأحمر وغيرها من المنظمات غير الحكومية إلا أنها تظل قاصرة عن تحسين الأوضاع البائسة التي يعيشها سكان هذا المخيم، خاصة في ظل العجز الصارخ للقوات الكردية السورية التي تتولى إدارة المكان عن توفير الحد الأدنى من الأمن، فضلا عن الخدمات. وبحسب مصادر أمريكية، «يتحول مخيم الهول إلى بؤرة للأيديولوجيا الداعشية ومرتعا خصيبا لتفريخ الإرهاب».

ويضاف إلى ذلك أيضا مستقبل حوالي 10000 من مقاتلي داعش يقبعون في سجون مؤقتة منفصلة. علاوة على عائلات وأصدقاء 60000 مقاتل كانوا في صفوف داعش ولقوا حتفهم في الحرب الجوية الشرسة التي شنتها قوات التحالف ضد التنظيم، وإرث الغضب والرغبة في الانتقام الذي خلفته هذه الحرب، سواء في المنطقة أو خارجها.

بعد أكثر من سنة من انتصار ترامب الوهمي، أصبح جليا أكثر من ذي قبل أن التنظيم قد قطع شوطا لا بأس به في رحلة عودته بسرعة فاقت كل التوقعات، حتى في الوقت الذي يسعى فيه ترامب إلى استعادة قواته من أفغانستان والعراق وسوريا. على المدى القصير قد يحقق الرئيس الأمريكي بعض المكاسب السياسية، وربما يساعده ذلك على الفوز بالانتخابات الأمريكية القادمة، لكن الحقيقة التي يجب أن نواجهها هي أننا نعيش حاليا فترة هدوء نسبي في خضم صراع طويل الأمد، حتى لو ظل القادة الغربيون على قناعتهم بأن الإجابة المثلى على سؤال الإرهاب تكمن فقط في القوة العسكرية، وأصروا على التعامي عن 19 عاما من الفشل.  

الوسوم

أحمد بركات

باحث و مترجم مصرى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق