ثقافة

150 عاما على إنشائها.. الأوبرا المصرية.. تاريخ من القوة الناعمة

كانت ولا تزال أحد عناصر قوة مصر الناعمة على مر سنوات طويلة.. تقف شامخة وهى تصنع وتصوغ وجدانا مصريا عربيا ينحاز للجمال والإبداع والرقى.. نتحدث هنا عن دار الأوبرا المصرية التى نحتفل بمرور مائة وخمسين عاما على إنشائها.وعبر كل هذه السنوات كانت الأوبرا شاهدا على أحداث وتطورات كبرى سياسية واجتماعية وثقافية، مرت على مصر… ثورات شعبية وأحداث سياسية وتغيرات اجتماعية و ثقافية وفنية.

قرن ونصف مر على إنشاء أول أوبرا فى العالم العربى والشرق الأوسط وإفريقيا، والتي صارت صرحا ثقافيا وفنيا، وفتحت آفاقا رحبة لتفاعل ثقافى دائم بين الشرق والغرب ونسجت من روح الشرق فنونا تلقّاها الغرب واحتفى بها.. فاحتضنت تحت قبتها وبين قاعاتها مئات المبدعين العرب والأجانب فى كل مجالات الفنون، ونشرت فى سماء العالم مصابيح التنوير والتعايش والفن الجميل.

  

الأوبرا الخديوية

كان الخديوى اسماعيل (1830-1895) خامس حكام أسرة محمد علي الذى تولى الحكم فى الفترة (1879-1892) شغوفا بإحداث نهضة تشبه تلك التى شاهدها فى طفولته وشبابه فى بلاد الغرب، حيث عاش بها وتعلم فى جامعاتها. وامتد شغفه وطموحه الشديد لتحويل نسق الحياة المصرى ليُشبه إلى حد كبير ما كان فى أوربا.وقد كان إسماعيل محبا للفنون والعمارة، وكما اهتم بالتعليم وسعى لتطويره، فقد عُرف بمتابعته الدائمة لكل ما هو جديد فى الفنون والموسيقى العربية والعالمية.

وفي اطار هذه الاهتمام بالثقافة والفنون أمر الخديوي إسماعيل إنشاء دار للأوبرا فى موقعها القديم بين الأزبكية وميدان التحرير بوسط القاهرة، وقرر أن يكون افتتاحها بالتزامن مع الاحتفال بإفتتاح قناة السويس.

 وقد تم تصميم دار الأوبرا على يد المهندسَيْن الإيطاليَيْن أفوسكاني وروسي، وروعى في هذا التصميم أن يجمع بين الدقة الفنية والروعة المعمارية، والاهتمام بالزخارف والعظمة الفنية. كما تمت الاستعانة بعدد من المثّالين والمصورين لتزيين الأوبرا، وإستمر العمل فيها 6 أشهر فقط وإتسعت ل 850 مقعدا. وخلال حفل الإفتتاح تم عرض الأوبرا الايطالية المعروفة «ريغوليتو» للعازف والموسيقي الأيطالي الشهير «فيردى».

اكتسبت الأوبرا الخديوية مكانة عالمية يوما بعد يوم  وازداد دورها الفنى والثقافى، فاستضافت أشهر الفرق العالمية وألمع نجوم الغرب، كما احتضنت مطربين وموسيقيين مصربين كبارا، لعل من أبرزهم عبده الحامولى وفرقته الموسيقية و فرق يعقوب صنوع، ويوسف الخياط والقباني وسليمان القرداحي.

ولم يتوقف دور الأوبر على تقديم الفنون، بل إنها إستضافت فى عام 1920 مؤتمرا كبيرا أعلن خلاله طلعت حرب  عن مبادرته بإنشاء بنك مصر. لكن دار الأوبرا الخديوية تعرضت لصعوبات مالية عديدة، خاصة بعد عزل الخديوى إسماعيل، إلا أنها إستمرت وواصلت دورها.

الأوبرا.. وثورة يوليو

وفي اعقاب ثورة 23 يوليو 1952، أولت السلطة الجديدة التي تقلدت الحكم في مصر اهتماما كبيرا بدعم دار الأوبرا المصرية، واعتبرت ذلك جزءا أصيلا من مشروعها الثقافى الشامل. وفي اطار ذلك الاهتمام أرسلت الدولة أول بعثة مصرية لدراسة فن الاوبرا. وكان ثروت عكاشة وزير الثقافة المصرى آنذاك يتابع الأمر بنفسه ويُولى إهتماما بالفتيات اللاتى ذهبن فى بعثة لتعلم فن الباليه فى الإتحاد السوفيتى واللاتي شكلن أول جيل لفن الباليه في تاريخ مصر، وضمت هذه البعثة «سونيا سركيس، ومايا سليم، وودود فيظي، وعلية عبد الرازق».

وخلال فترة الخمسينات والستينات استقبلت دار الأوبرا أعظم عروض الباليه العالمى، كما شدا على خشبة مسرحها معظم نجوم الغناء فى مصر والعالم العربى، ومن بينهم كوكب الشرق أم كلثوم، التى قدمت فى 20 أكتوبر 1958 حفلة شدت  خلالها بأغنية «سلوا قلبى». كما شارك عبد الحليم حافظ فى حفل أضواء المدينة الذى أقيم على مسرح الأوبرا فى أكتوبر من نفس العام أيضا.

الأوبرا.. تاريخ يحترق

فى فجر 28 أكتوبر 1971 كانت مصر على موعد مع خبر حزين وصادم، حيث استيقظت القاهرة على نبأ اندلاع حريق هائل فى مبنى دار الأوبرا الخديوية العريق بوسط القاهرة، لتلتهم النيران كل محتويات هذا المبنى العريق وكافة اللوحات التاريخية لكبار الفنانين.

أُعلن حينها أن سبب هذا الحريق كان حدوث ماس كهربائى، إلا أن الشكوك تزايدت حول نشوب هذا الحريق بفعل فاعل، لأنه قبل الحريق بشهرين كان هناك تجديد بالفعل لشبكة الكهرباء بالمبنى، وهو ما يجعل هناك صعوبة فى حدوث ماس كهربائى. وقد تعززت هذه الشكوك مع وجود بلاغ عن سرقة بعض محتويات دار الأوبرا، مثل النجفة الكبيرة التى لا يمكن أن تخرج دون فكها إلى أجزاء، وبعض الأثاث، ونوتة أوبرا عايدة الأصلية التى كتبها مؤلفها الإيطالى العالمى «فيردى» بخط يده، كما سُرقت الملابس التى كان يرتديها الفنانون العالميون أثناء العروض على مسرح الأوبرا.

وأصبحت مصر منذ ذلك اليوم بدون مبنى للأوبرا، فتراجعت الأنشطة الأوبرالية، لكنها لم تتوقف وظلت فعاليات الأوبرا وعروضها  تقام على مسارح أخرى مثل مسرح الجمهورية  لمدة 17 عاما كاملة.       

 

إفتتاح الاوبرا المصرية الجديدة

 في العاشر من أكتوبر عام 1988، وبعد 34 شهراً من العمل اعيد إفتتاح دار الأوبرا المصرية ولكن في مقر جديد فى موقعها الحالى بمنطقة الجزيرة وسط النيل، وقد تم إنشاؤها على الطراز الإسلامى بمنحة يابانية.

و بلغت تكلفة بناء الأوبرا الجديدة وقتها 33 مليون دولار، وتقع على مساحة 45 ألف متر مربع، وتتكون من 7 طوابق، وتضم مسرحا كبيرا، وآخر صغيرا ،وثالثا مكشوفا ـوقاعات للبروفات وغرف تدريبات وفصولا تعليمية وغرف فنانين وغرف ملابس، وغرف دورات تدريبية، وورش ديكور وأزياء وقاعة معارض، و متحفا ومكتبة موسيقية وقاعة كبار الزوار ومطعما.

 ومنذ اعادة افتتاحها ساهمت الأوبرا المصرية، ولاتزال تسهم، فى تعزيز التواصل الحضارى بين مصر وغيرها من البلدان، حيث  تنظم منذ 28 عاما مهرجان ومؤتمر الموسيقى والغناء، كما تنظم مهرجان القلعة للغناء. ويمتد نشاطها خارج القاهرة، سواء فى أوبرا الاسكندرية، أو أوبرا دمنهور والتى تنظم مهرجانا سنويا للفنون الشعبية والفولكلور.

وتمتلك الأوبرا عددا من الفرق الفنية، منها فرقة باليه أوبرا القاهرة وأوركسترا القاهرة السيمفوني وكورال أوبرا القاهرة وفرقة أوبرا القاهرة وفرقة عبد الحليم نويره للموسيقى العربية والفرقة القومية للموسيقى العربية وفرقة أوبرا الإسكندرية للموسيقى العربية وفرقة الموسيقى العربية للتراث وفرقة الإنشاد الديني، وغيرها من الفرق الأخرى

خط الدفاع الاول

ورغم أن المبنى الحالى للأوبرا المصرية يقع قريبا جدا من ميدان التحرير الذى شهد  أهم أحداث ثورتى 25 يناير و30 يونيو، لكن اللافت أن هذا المبنى لم يتعرض لأى تهديد أو أعمال تخريب، واستمر فى تقديم أنشطته الفنية وعروضه بشكل مستمر ودون توقف، رغم ما شهدته مصر خلال تلك الأحداث.

 ومع وصول الاخوان المسلمين إلى الحكم عقب ثورة 25 يناير انتابت جموع المثقفين عموما والعاملين بالاوبرا المصرية بشكل خاص، حالة من القلق على دور وهوية الأوبرا المصرية ومستقبلها، لاسيما مع صدور تصريحات منسوبة لقيادات فى الجماعة ونواب بالبرلمان، عن توجهات بوقف عروض الباليه على مسارح الأوبرا. وقد أثار ذلك حالة غضب ورفض من جانب الجماعة الثقافية.

وتصاعدت الأزمة مع تعيين الدكتور علاء عبد العزيز – المحسوب على الإخوان – وزيرا للثقافة والذى أصدر عدة قرارات أشعلت الموقف، كان من بينها إقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم (وزيرة الثقافة الحالية) من منصبها كمدير عام لدار الأوبراـ وهو ما قوبل بعاصفة من الرفض داخل وخارج الأوبرا.

ولم يكن الأمر مجرد رفض إقالة مدير للأوبرا بقيمة إيناس عبد الدايم الفنية، لكنه كان تعبيرا عن رفض منهج الجماعة ومحاولتها تقويض الفن والعبث فى هوية الأوبرا ذاتها. وقد كان ذلك شرارة أولى ومحركا لإعتصام المثقفين الشهير داخل وزارة الثقافة، والذى كان أحد الأسباب التى مهدت لإندلاع  مظاهرات 30 يونيو ضد حكم  الإخوان.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق