ثقافة

من هي «فاطمة» التي أسست «القرويين» أقدم جامعة في العالم؟

هي فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري.. امرأة قيروانية يعود نسبها إلى عقبة بن نافع.. والدها شيخ فقيه اضطر إلى المغادرة إلى فاس لأسباب ربما تتعلق بخلاف قد نشب بينه وبين حكام دولة الأغالبة التي امتد سلطانها في شمال إفريقية على طول الساحل حتى «وَجْدَة» كما حكمت صقلية وأجزاء من الساحل الإيطالي لفترة طويلة.

وكان منزل الشيخ مع ابنتيه مريم وفاطمة بعُدوة القرويين التي أقامها إدريس الثاني لاستقبال الوافدين العرب، بينما شكّلت عُدوَة الأندلس على الجانب المقابل للنهر النصف المكمل للمدينة، ويبدو من اسمها أنها كانت مخصصة للقادمين من شبه الجزيرة الأيبيرية.

عُرفت فاطمة بالجود وحب العلم والورع والزهد حتى صار اسمها علما على الفضائل حين تجتمع، وليس من المعلوم على وجه الدقة كم كان عمر فاطمة الفهرية عندما قدمت فاس، لكن الأغلب أنها كانت في أول الصبا، شغوفة بطلب العلم حتى أنها أخذت عن أبيها علمه وفقهه، ولم تكتف بذلك بل سعت إلى الاستزادة بمطالعة ما تيسر لها من كتب في شتى فروع العلم، ولم يكن لأبيها من الذرية إلا هي وأختها؛ فانكب الرجل على تربيتهما وتهذيبهما حتى شبّتا على أفضل ما تكون النساء علما وخلقا وأدبا وعفافا، وحتى صارتا مضرب الأمثال.

فاطمة بنت محمد بن عبد الله الفهري

وكان لوالدها معرفة واسعة بأعمال التجارة، فلم تنقض بضع سنوات حتى صار ذا ثروة عظيمة، لم تزده إلا تواضعا وإخباتا لله، ثم كان أن تزوجت فاطمة من رجل ذي مال كانت له نعم الزوجة، وعندما مات ورثته، كما ورثت أخا له لم يكن يقل عنه ثراء، إضافة إلى ما ورثته عن أبيها.. رأت فاطمة أن ما تجمع في يدها من المال كثير، وهي العابدة الزاهدة التي ليس لها في متاع الدنيا حاجة.. ولم تزل فاطمة تفكر في أمر إنفاق هذا المال الوفير حتى انتهت إلى العزم على بناء مسجد ودار علم فاشترت قرب منزلها في عُدْوة الواردين القرويين أرضا بيضاء كان يُصنع بها الجِص وشرعت في حفر أساس المسجد وبنائه في رمضان سنة 245 هـ.

البدء في أعمال البناء والتشييد

رأت فاطمة أن يبدأ العمال بحفر أساس المسجد – دار العلم مستخرجين كل ما يحتاجون إليه من مواد البناء من الأرض ذاتها دون الحاجة لجلب مواد من أماكن أخرى خشية أن يدخل فيها ما فيه شبهة الحرام، فقام العمال بالحفر عميقا حتى استخرجوا رمالا جديدة وأحجارا وجصا استخدمت في البناء الذي ما إن بدأت أعماله حتى دخلت السيدة فاطمة في صيام نذرت لله ألا ينتهي إلا بانتهاء أعمال البناء بالمسجد، ومن الطريف أنها كانت من العالمين بأمور البناء وأصول التشييد ذات مهارة وحذق قلما تتصف بهما امرأة في هذا المجال، حتى إذا انتُهيَ من تشييده ظهر في أزهى صورة وأجمل حال وزخرف.

وكان العاهل الإدريسي يحيى الأول يتابع أعمال البناء والتشييد بالمسجد منبهرا بعزم تلك المرأة التي لا تدخر مالا ولا جهدا في سبيل تحقيق غايتها في أن يخرج العمل الذي وهبت له حياتها على أفضل ما يكون سائلة العلي القدير أن يتقبله منها خالصا لوجهه الكريم.. وقد استمرت أعمال البناء والتشييد تلك لنحو ثمانية عشر عاما بدءا من العام245هـ وحتى عام 263هـ ويوم تمام البناء دخلت أم البنين إلى المسجد وأدت صلاة الشكر لله.

وقد أجرى المرابطون بعض إضافات على المسجد، فغيروا من شكله الذي «كان يتسم بالبساطة في عمارته وزخرفته وبنائه إلا أنهم حافظوا على ملامحه العامة، وكان هناك تفنن من قِبل المعماريين في صنع القباب ووضع الأقواس ونقش آيات القرآن والأدعية، وكان أبرز ما تركه المرابطون في المسجد هو المنبر الذي لا يزال قائما إلى اليوم، وبعد المرابطين، قام الموحدون بوضع الثريا الكبرى والتي تزين المسجد الفاسي إلى يومنا هذا».

وللمسجد سبعة عشر بابا وجناحان يلتقيان في طرفي الصحن الذي يتوسط المسجد، كل جناح يحتوي على مكان للوضوء من المرمر، وهو تصميم مشابه لتصميم صحن الأسود في قصر الحمراء في الأندلس.

صحن الأسود في قصر الحمراء في الأندلس

يقول ابن خلدون عن «أم البنين» – وهذا هو لقب فاطمة ويقال إنها لقبت بأم البنين لكثرة تصدقها وجودها على طلاب العلم – يقول بن خلدون عنها «فكأنما نبهت عزائم الملوك بعدها» في إشارة إلى ما أحدثه وجود هذا البناء الشامخ في فاس من حفز لولاة الأمر على تشييد المساجد ودور العلم بما يضارع هذا الصرح الذي ما لبث أن تحول لمنارة للعلم لا نظير لها في أربعة أركان الأرض.

ابن خلدون

ويذكر الشيخ محمد المنتصر بالله الكتاني في كتابه «فاس عاصمة الأدارسة» أنه: «وعلى مر الدهور والأعوام تنافس الملوك والدول في توسيع جامع القرويين ورصد الأموال للإنفاق عليه، فزاد فيه أيام الدولة الزناتية أميرها أحمد بن أبي بكر من خمس الغنائم عام 345، وزاد فيه أيام الدولة المرابطية علي بن يوسف بن تاشفين، ثم لم يزل يوسع ويجدد وتزداد أوقافه، أيام دولة الموحدين ودولة المرينيين، إلى أيام الدولة العلوية».

أقدم جامعات الدنيا

يقول المستشرق الغربي روم لاندو أن العلماء في جامعة القرويين كانوا يعكفون على المباحث الدينية، والمناظرات الفلسفية التي تتجاوز دقتها إدراك فكرنا الغربي، كما كان مثقفو تلك الجامعة يدرسون التاريخ والعلوم والطب والرياضيات، ويشرحون أرسطو وغيره من فلاسفة الإغريق.. وكان كل ذلك قبل نحو ألف عام.

المستشرق الغربي روم لاندو

ويؤكد الباحث نايف شرار أن جامعة القرويين قد انتقلت ابتداء من العصر المرابطي من مرحلة الجامع إلى مرحلة النواة الجامعية، غير أنها لم تنضج بصورة كاملة إلا في العصر المريني عندما عُزز الجامع بمجموعة من الكراسي العلمية والخزانات والمدارس المجاورة له، فأصبحت فاس بذلك قبلة أنظار لكبار العلماء والأدباء، وقد وصفت جامعة القرويين في تلك الآونة بأنها حازت علم القيروان وعلم قرطبة مجتمعين.

جامعة القرويين

وتعتبر جامعة القرويين أقدم الجامعات في تاريخ البشرية إذ تأسست عام859م، بينما تأسست الجامعة الأزهرية 970م، أما أولى الجامعات في أوروبا، وهي المدرسة الطبية بساليرن في صقلية جنوب إيطاليا فيرجع تأسيسها إلى عام 1050م، تلتها جامعة بولونيا بإيطاليا عام 1158م ثم السوربون بفرنسا عام1200م.

جامعة بولونيا بإيطاليا

ويذكر الباحث عبد الهادي التازي في كتابه «جامع القرويين: المسجد والجامعة بمدينة فاس» إن حيازة جامع القرويين لأوقاف جعلته مستقلا ماليا عن خزينة الدولة، بل أن الدولة اقترضت في مراحل تاريخية مختلفة من خزينة جامعة القرويين التي أفاضت منها على سائر مساجد فاس وسَرَتْ أوقافها الزائدة حتى المسجد الأقصى بالقدس، وحتى الحرميْن الشريفين بمكة المكرمة والمدينة المنورة.

وقد لعبت جامعة القرويين دورا كبيرا في مواجهة الاحتلال الفرنسي لبلاد المغرب حتى أن الجنرال الفرنسي «ليوتي» صرح في 1912م بأن فرنسا لن يستقر لها الأمر في المغرب إلا بالقضاء «على هذا البيت المظلم»، هكذا ادعى هذا المحتل الفاشي الغاشم.

الجنرال الفرنسي «ليوتي»

لقد قدمت فاطمة الفهرية أروع مثال للمرأة العربية صاحبة العزيمة التي تفوق عزائم الرجال، وكان لنهجها في البذل أعظم الأثر في كثير من الملوك والأمراء الذين زينوا حواضر الإسلام بقلاع الدين والعلم التي ما زالت باقية إلى يومنا هذا شاهدة على حضارة أعلت من شأن العلم، كما أعطت المرأة حقها في القيام بدورها في البناء قبل أن يكون ذلك مطروحا في الغرب بوقت ليس بالقصير.  

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق