منوعات

اغتيال عباس الأول.. نهاية حاكم رجعي يكره التقدم والعمران

في 14 يوليو من عام 1854 وقع اغتيال عباس الأول (1812-1854) في قصره المطل على النيل ببنها على يد اثنين من غلمانه في أرجح روايات المؤرخين. لم يرث عن جده محمد علي باشا مواهبه وعبقريته، ولم يشبه عمه إبراهيم باشا في قيادته العسكرية وبطولاته الحربية، بل كان خاليا من كل المزايا والصفات التي تؤهله لأن يكون حاكما عظيما لمصر.

محمد علي باشا، عباس حلمي الأول، إبراهيم باشا

يعتبر عباس الأول  هو أول حكام الأسرة العلوية الفعليين خلفا لجده محمد علي باشا، إذا استثنينا عمه إبراهيم الذي توفى في حياة والده، تولى عباس السلطة في حياة جده في نوفمبر من عام 1848، وحكم البلاد نحو 5 سنوات ونصف، أطلق عليها أغلب المؤرخين «عهد الرجعية» في مصر، كونه قوض مشروع جده النهضوي فأهمل التعليم وبغض التطور ومقت العلماء.

أغلق عباس العديد من المدارس والمصانع التي تأسست في عهد جده، وأوقف البعثات العلمية ونفى عدد من العلماء ورواد النهضة إلى السودان -منهم رفاعة الطهطاوي الذي أجبره على العمل في مدرسة أولية لتعليم الأطفال هناك- كما أنهى خدمة أغلب الاستشارين الأجانب الذين أوكل لهم محمد علي مهمة تطوير العلوم وإعداد جيل من العلماء المصريين قادر على استكمال مشروعه.

رفاعة الطهطاوي

ولد عباس في جدة عام 1813 أثناء حروب والده طوسون باشا مع الوهابيين، ثم انتقل مع والده إلى القاهرة، ولما مات الأمير طوسون عام 1816، أكملت رعايته جدته أمينة هانم زوجة محمد علي باشا، فدللته كثيرا ومانعت في إرساله للخارج مع البعثة المصرية خوفا عليه، حاول محمد علي أن يدربه على شؤون الحكم، لأنه كان أحد أكبر أفراد الأسرة العلوية سنا وبالتالي أحقهم بالحكم بعد عمه إبراهيم، فعهد إليه بالعديد من المناصب الإدراية، فتقلد منصب مدير الغربية ثم منصب «الكتخدائية» رئاسة الوزارء.

«محمد طوسون باشا» والد عباس حلمي الأول

الفشل يلاحق عباس

لم يثبت عباس أي كفاءة في المناصب الإدارية التي أولاه جده إياها، وعرف عنه الاستهتار والقسوة والغشم في التعامل مع الآخرين، مما كان يدفع جده إلى توبيخه وعقابه أمام الناس، وهو ما جعله يمقت جده ويضمر له مشاعر الحقد والكراهية، وفسر بعض المؤرخين ما فعله بعد توليه الحكم من تعطيل الكثير من مشاريع محمد علي، بأنه أراد الانتقام من جده بأن يهدم ما أقامه.

وكما فشل عباس في المناصب الإدراية التي تولاها فشل أيضا في المناصب العسكرية، فعندما أرسله جده مع عمه إبراهيم ليشاركه الحرب في الشام، وجعله قائداً على رأس فيلق، حول عباس هذا الفيلق إلى مجموعة من الخدم، ولم يظهر أي بطولة تذكر في المعارك التي اشتعلت في صيدا وعكا وشمال سوريا وجبال الأناضول، مما صاعد من الخلاف بينه وبين إبراهيم باشا قائد الجيش المصري في تلك الحملة التي استمرت نحو 9 سنوات.

ولما عاد عباس إلى القاهرة سبقته أخباره في الشام فتعرض إلى التوبيخ واللوم من أفراد أسرته، ضاق عباس بالانتقادات التي تلاحقه في القاهرة، فقرر العزلة وسافر إلى جده وهناك تعرف على عدد من دعاة الحركة الوهابية وتأثر بهم، وقيل أنه ساعد بعد ذلك في تهريب أحد أبناء محمد بن عبد الوهاب أثناء وجوده في السجون المصرية بعد أسره في حروب الحجاز.

الحركة الوهابية

كان عباس الأول قبل وأثناء فترة حكمه، غريب الأطوار، شاذا في تفكيره، كثير التطير والإيمان بالخرافات وقراءة الطالع، ميالا إلى القسوة في التعامل مع الآخرين، هذا فضلا عن تشدده في الكثير من الأمور الدينية نتيجة قربه من دعاة الحركة الوهابية أثناء وجوده في جدة.

عاد لينتقم من الجميع

لما مات عمه إبراهيم استدعي ليخلفه في الحكم في ٢٤ نوفمبر ١٨٤٨، وظل في الحكم لخمس سنوات ونصف، أساء خلالها الظن بأفراد أسرته وبكثير من رجال جده وعمه وخيل له أنهم يتآمرون عليه فأساء معاملتهم وخشى الكثير منهم على حياته فرحل بعضهم إلى الأستانة وأوروبا خوفًا من بطشه.

كان كثيرا ما يأوى إلى العزلة، ويحتجب بين جدران قصوره التي كان يتخير لبنائها الجهات الموغلة في الصحراء بعيدا عن العمران، ففيما عدا سراى الخرنفش وسراى الحلمية بالقاهرة، بنى قصرًا بصحراء الريدانية التي تحولت إلى العباسية فيما بعد، وكانت قبل ذلك في جوف الصحراء، كما بنى قصرًا آخر على طريق السويس وقصرًا في بنها على ضفاف النيل.

أطلال قصر الوالي عباس حلمي الأول بطريق السويس

ونتيجة لتأثره بدعاة الوهابية أسس عباس مجموعة «الأمر بالمعروف والنهي على المنكر» وطاف المنتسبون إليها في شوراع القاهرة والإسكندرية وبنها ليتتبعوا من يخالف أمرا من أمور الشريعة، ويجلدون الذين لا يُصلّون أو يرتدون لباساً غير محتشم.

كان يصرف رواتب لأمراء العائلة العلوية ليرغبهم في أداء الصلوات الخمس في وقتها ويمنع الرواتب عمن يثبت تركه الصلاة، بحسب ما ذكر الأمير محمد علي توفيق في كتابه «مجموعة الخطابات والأوامر الخاصة بالمغفور له عباس الأول»، كما أصدر أمرا بحياكة شفتي إحدى نسائه لأنها مارست التدخين في جناح الحريم مما يعني أنها خالفت تعاليمه، بحسب ما ذكر نوبار باشا في مذكراته.

الأمير محمد علي توفيق وكتابه «مجموعة الخطابات والأوامر الخاصة بالمغفور له عباس الأول»

فرض الضرائب على المصريين، وغيَّر من قوانين العقاب من السجن إلى الجلد، وحدد لأصحاب الجرائم الكبرى 200 جلدة، والجرائم الصغرى 100، وكان يُلزم الجاني بتوقيع كشف طبي حتى يستطيع الجالد تحديد كم جلدة يتحملها جسمه.

وبسبب اضطهاده للمصريين، اشتعل غضب حاكم الإسكندرية وقتها شيركو باشا الذي التف حوله أهالي المدينة واتفقوا أن يثوروا على بطش وسوء معاملة الوالي ورجاله في السنة الثالثة من حكمه، فسرقوا الأسلحة وأعلنوا التمرد عليه، فأرسل عباس نحو 30 ألف جندي إلى المدنية وحاصروها وضربوها بالمدفعية على مدار شهر كامل، حتى اضطر شيركو للاستسلام وتسليم نفسه، وأمر عباس بفصل رأسه عن جسده.

حاول قتل عمته الأميرة نازلي هانم ابنة محمد علي باشا لأنه ظن أنها تتآمر عليه، وبعد نجاتها من الموت هاجرت إلى الأستانة ومن هناك خططت لاغتياله كما ذكرت بعض المراجع، أما عمه محمد سعيد باشا الذي كان يصغره في السن ومن المفترض أن يخلفه في حكم مصر، فحقد عليه، واضطهده وقام بإيذائه، لدرجة أنه حكم عليه بالإقامة الجبرية في سرايا “القبارى”  بالإسكندرية.

الأميرة نازلي هانم ابنة محمد علي باشا

اغتياله على يد غلمانه

وبالرغم من تظاهره بالتشدد الديني ومن تأثره بالدعوة الوهابية، إلا أن الكثير من المؤرخين شككوا في أخلاقه وتحدثوا عن مجونه وطيشه ومعاقرته الحشيش في صحون قصوره.

المؤرخ والمستشرق الفرنسي بري دافين الذي أقام في مصر منذ آواخر عهد محمد علي ومكث بها حتى نهاية عصر إسماعيل وخلال تلك الفترة أشهر إسلامه وأطلق على نفسه اسم إدريس أفندي، قال في مذكراته عن عباس: أما أخلاق عباس فكانت كأخلاق جميع سلاطين الشرق، حيث يدلل الغلمان أكثر مما تدلل الجواري، مضيفا «لقد كان عباس يستسلم لمجونه في الخفاء مع مماليكه الذين يجعلهم يؤلفون حلقة لإمتاعه، ولكن كرامته كانت تأبى عليه أن يكون الأداة السلبية للذة عبد أو فلاح».

المؤرخ والمستشرق الفرنسي بري دافين

وعن قصة اغتياله قال دافين: إنه قد دخن في الليلة السابقة لموته «جوزة» محشوة بالشيرا (وهي مستحضر من الحشيش)، ثم نام نوما عميقا فانتهز القتلة تلك الفرصة، وعلى الرغم من ارتكاب القتل في قصر بنها الذي كانت تحرسه قوة كبيرة من الحرس، إلا أن أحد لم يعترض سبيل القتلة في فرارهم.

وأورد المؤرخ عبد الرحمن الرافعي في الجزء الأول من كتابه «عصر إسماعيل» روايتين عن قصة اغتيال الوالي عباس حلمي الأول التي جرت وقائعها في 14 يوليو من عام 1854.

عبد الرحمن الرافعي وكتابه «عصر إسماعيل»

الرواية الأولى، بحسب الرافعي، ذكرها إسماعيل باشا سرهنك في كتابه «حقائق الأخبار عن دول البحار» وتقول: إن عباس كانت له حاشية من المماليك يقربهم إليهم ويصطفيهم، ويتخذ منهم خواص خدمه، ولهم عنده من المنزلة ما جعله يغدق عليهم الرتب العسكرية العالية، على غير كفاءة يستحقونها، وكان لهم كبير من خاصة غلمانه، يسمى خليل درويش بك، وقد أساء معاملة أولئك المماليك، فاستطالوا عليه بالغمز واللمز، خاصة لأنه صغير السن، فاتخذوا من حداثته مغمزا للأقاويل، فسخط عليهم وشكاهم إلى مولاه، فأمر بجلدهم، فجُلدوا وجُردوا من ثيابهم العسكرية، وألبسهم خشن اللباس وأرسلهم إلى الإسطبلات لخدمة الخيل، لكن مصطفى باشا – أمين خزانة عباس- أشفق عليهم، فطلب العفو عنهم، فاستجاب عباس وعفا عنهم، وردهم إلى مناصبهم، فجاءوا إلى بنها ليرفعوا واجب الشكر إلى الوالي، ولكنهم أضمروا الفتك به انتقاما لما أوقع بهم، فائتمروا به مع غلامين من خدمة السراي، يدعى أحدهما عمر وصفي والآخر شاكر حسين، واتفق الجميع على قتله، وكان من عادة عباس عند نومه أن يقوم على حراسته غلامان من المماليك، وفي الليلة الموعودة كان الغلامان المذكوران يتوليان حراسته، فجاء المؤتمرون وهو نائم فقلتوه ثم أوعزوا إلى الغلامين بالهرب فهربا.

عبد الرحمن الرافعي وكتابه «حقائق الأخبار عن دول البحار»

والرواية الثانية التي أوردها الرافعي عن مقتل عباس، نقلها عن مدام أولمب إدورا التي ذكرتها في كتابها «كشف الستار عن أسرار مصر»، وخلاصتها: إن الأميرة نازلي هانم عمة عباس التي خطط لاغتيالها فهربت إلى الآستانة، أرسلت مملوكين من أتباعها لقتله، واتفقت وإياهما على أن يعرضا أنفسهما في سوق الرقيق في القاهرة كي يشتريهما عباس ويدخلهما في خدمته، وكان المملوكان على جانب كبير من الجمال، مما يرغب وكيل الوالي في شرائهما فقد كانت الأوامر أن يختار الوكيل أشد الغلمان جمالا.

فجاء الغلامان إلى القاهرة ونزلا سوق الرقيق ورآهما مندوب الوالي، فراقه جمالهما، فاشتراهما وأدخلهما سراي مولاه ببنها، فأعجب عباس بهما وعهد إليهما بحراسته ليلا، فما إن استغرق في نومه حتى انقضا عليه وقتلاه، ثم نزلا إسطبلات الخيل الملحقة بالسراي وطلبا إلى السائس أن يجهز لهما جوادين فورا بحجة أن الباشا يطلب حاجة له من قصره في العباسية، فسار بالجوادين عدوا إلى القاهرة، ومن هنا فرا إلى الآستانة، حيث منحتهما نازلي هانم مكافأة سخية على إنفاذ المؤامرة.

كانت كل التوقعات تشير إلى عدم استمرار عباس في الحكم، بل ان بعض الساسة والعلماء أشاروا إلى ذلك، ومنهم الشيخ رفاعة الطهطاوي الذي أسر إلى بعض مرافقيه في منفاه بالسودان إلى أن حاكم مصر الذي رفع شعار «قيادة الأمة الجاهلة أسلس من قيادة الأمة المتعلمة»، سيقتل غيلة.

لم يكن الطهطاوي يقرأ الغيب لكنه كان مؤمنا بأن نهاية الحاكم الظالم المستبد الذي أقصى أقرب الناس إليه وعادى التقدم والعمران ستكون الموت، وهو ما قد كان، واغتيل عباس الأول في 14 يوليو من عام 1854 في قصره المطل على النيل ببنها.

جامعة بنها التي كانت قصرا لعباس الأول، واغتيل فيه عام 1854

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. عندي سؤال: هو ال ٣٠ الف جندي اللي ارسلهم عباس لاسكندرية عشان يهزموا شيركو باشا كانوا من الجيش المصري ولا الاتراك؟
    عشان على حسب ما اعرف ان الجيش وقتها كان عدده ١٨ الف جندي حسب ما نص عليه فرمان ١٨٤١
    ومازادش عن كده الا بعد فرمان ١٨٦٦ وده صدر في عهد اسماعيل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق