رؤى

الإحيائية الإسلامية المعاصرة.. شاهد عيان (6)

في نهاية الستينيات ظهرت مجموعة من الشباب أغلبهم من مواليد مطلع الخمسينيات كانوا طلابا في  المدارس الثانوية والجامعات، من بين هؤلاء الطلاب أيمن الظواهري ذلك الشاب النابه الذي تخرج لاحقا من كلية الطب وحصل علي الماجستير فيها، وكان ينتمي لأسرة عريقة في العلم ومهنة الطب.

اتجه هؤلاء الشباب إلى مسجد أنصار السنة بعابدين وأخذوا ينهلون من الكتب السلفية التي أخذت تنتشر بشكل واسع في تلك الفترة، وتأثروا بشكل خاص بكتب شيخ الإسلام ابن تيمية، الذي كانت مجموع فتاويه (أكثر من 40 مجلدا كبيرا) قد انتشرت بشكل كبير وقتها وتخصصت في طباعتها مكتبة تحمل اسم ابن تيمية. كان أخطر هذه الفتاوي الجزء الثامن والعشرين والجزء الخامس والثلاثين، وفيهما ظهرت فكرة “الطائفة الممتنعة”، ومفادها أن أيما طائفة امتنعت عن شريعة من شرائع الإسلام وجب قتالها.

هذه المجموعة من الشباب كانت صغيرة ومنغلقة علي نفسها، وحدثت انقسامات داخلها بعد عام 1973 على خلفية التساؤل حول حكم من قُتل في حرب أكتوبر 1973، وهل هم شهداء أم أنهم ليسوا كذلك كونهم يحاربون تحت راية اعتبروها جاهلية، وهي راية الجيش المصري. كانت العقيدة السلفية الخالصة والتمامية تشغل تلك المجموعة التي اختلفت مع مجموعة الفنية العسكرية حول قضايا ذات طابع عقدي ولم تشترك معها في مهاجمة الكلية الفنية العسكرية عام 1974.

كان صالح سرية (1934- 1976) الفلسطيني الأصل قد جاء إلي مصر مطلع السبعينيات، وهو من الإخوان المسلمين في العراق كما أنه عرف أفكار حزب التحرير وكانت له علاقة بالقضية الفلسطينية وحركة فتح، وحصل علي الماجستير في التربية من العراق ثم أتم الدكتوراه في جامعة عين شمس المصرية والتحق بالعمل في منظمة التربية والعلوم التابعة لجامعة الدول العربية.

جاء سرية إلى مصر بعد أن رأى أن الإخوان في العراق قوة نائمة لا تريد أن تتحرك لإقامة الدولة الإسلامية، والتقى فور وصوله بمرشد جماعة الإخوان حسن الهضيبي (1891-1937). وكما يشير طلال الأنصاري في مذكراته بعنوان “صفحات مجهولة من تاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة.. من النكسة إلي المشنقة ” فقد بايع سرية الهضيبي الذي التقاه في بيت زينب الغزالي وقدمته إليه باعتباره ذراعا جهاديا لجماعة الإخوان في مصر، ومن يومها انقطع اتصاله بجسد الإخوان هناك كتنظيم وأصبح هو وحده حلقة الوصل بالجماعة.

ورغم شهادات أخرى تختلف مع طلال الأنصاري في علاقة مجموعة الفنية العسكرية بالإخوان، إلا أن شهادة الأنصاري تبقى محل اعتبار بالنظر إلى حالة الغموض والسرية التي أحاطت بظروف نشأة هذه المجموعة في مدينة الاسكندرية وارتباطهم بقيادات إخوانية بارزة مثل علي عبده إسماعيل ومحمد بسيوني، ثم سياق تعرف سرية على المرشد وزينب الغزالي وعلاقته بطلال الأنصاري. وقد التقيت الأنصاري وحاولت فهم هذه النقطة منه وأكد لي أن مجموعة الفنية كانت فرعا ذا طبيعة جهادية لتنظيم الإخوان تم تسليمه ومنح قيادته لصالح سرية.

سقط في الهجوم علي الكلية الفنية العسكرية 13 قتيلا، منهم 6 من أعضاء الجماعة و7 من الجنود، في أول محاولة لانقلاب عسكري على الدولة المصرية بعد ستة أشهر فقط من انتصار حرب رمضان.

لم تأخذ الدولة أمر تلك المجموعات على نحو جاد، ورأتهم مجرد شباب صغار لا يحسنون التقدير ولا يعرفون المآلات. استمر تيار الجهاد يتنامى وينتشر حتى بلغ اكتماله مع عام 1981 عندما تمكن من اغتيال السادات في مفاجأة كبيرة. كان محمد عبد السلام فرج الذي يعمل مهندسا للكهرباء بجامعة القاهرة قد ألف كتابا صغيرا بعنوان “الفريضة الغائبة” أصبح فيما بعد دستورا للتيارات السلفية الجهادية، ويقصد بها فريضة الجهاد التي ابتعدت عنها الجماعات الإسلامية الأخرى، ورأى أن استخدام القوة هو السبيل الوحيد لإسقاط النظم السياسية القائمة وأن قتال العدو القريب، أي الحكام القائمين اليوم، يأتي قبل تحرير فلسطين والمسجد الأقصى.

استند فرج في غالب استشهاداته إلى كتب ابن تيمية، خاصة ما يتصل بمفهوم الطائفة الممتنعة ووجوب قتالهم جميعا وأن من يموت مسلما فإنه يُبعث علي نيته. وكان صالح سرية ألف قبل ذلك رسالة طبعها اتحاد طلاب جامعة القاهرة بعنوان “رسالة الإيمان” وضمنها إطلاق كثير من الأحكام بالكفر، لكنه تأثرا بأفكار حزب التحرير رأي جواز العمل في الحكومات المعاصرة من أجل نصرة الإسلام والترشح والتصويت في الانتخابات إذا كان القصد منها نصرة الإسلام والعمل علي قيام الخلافة الإسلامية.

وفي التحقيقات التي أجريت عقب حادثة الفنية العسكرية، سُئل صالح سرية عن المشروع الذي كان يحمله فيما لو نجحت خطته فقال: ليس لدي مشروع محدد، وهو ما يماثل ما قاله أيضا منفذو أحداث عام 1981 في التحقيقات بأنهم كانوا يريدون أن يسلموا السلطة بعد الاستحواذ عليها للعلماء والمشايخ والدعاة، فهم أعرف بالدين منهم.

هذه التيارات السلفية في عقيدتها تبنت مسألة القوة أو الجهاد فأسست للسلفية الجهادية، وأغلب المنتسبين لتلك التيارات غير ضالعين في علوم الدين، وأخذوا كلام بن تيمية بشأن التتار الذين اجتاحوا العالم الإسلامي في القرن السابع الهجري ليطبقوه مباشرة على واقع مختلف، فدخلوا في صدامات وسفك دماء مسلمين سواء في الفنية أو في أحداث أسيوط وغيرها بلا تريث ولا تمكن علمي كاف.

بدت هذه الإحيائية ذات الطابع المقاتل العنيف وكأنها رفة فراشة اتسعت تدريجيا حتي فوجئ العالم بها في 11/ 9 تضرب أمريكا في داخلها وتفتح على العالم الإسلامي نار حرب كبيرة وُصفت بأنها حرب عالمية ثالثة لا تزال آثارها ونتائجها الكارثية حتى اللحظة الراهنة تعصف بالجغرافيا السياسية لعالمنا العربي والإسلامي وتطيح معها الحدود والنظم والتكوينات الاجتماعية حتى اليوم.

الوسوم

كمال حبيب

أكاديمي مصرى متخصص فى العلوم السياسية

مقالات ذات صلة

إغلاق