فن

نعيمة الصغير.. وحش الشاشة النسائي

على امتداد أكثر من أربعة عقود توالى ظهورها في أكثر من مئة وثمانين فيلما، لا نبالغ إذا قلنا إنها تركت في كثير منها علامات هامة يصعب إنكارها.. أدوار مركبة لا تفسح لها مساحات مناسبة، لكن «نعيمة الصغير» من خلال مشاهد معدودة كانت تستطيع ببراعة وبموهبة فريدة أن تصل بالمشاهد إلى عمق الشخصية، فهي تستطيع خلال تلك الدقائق أن تستحضر تاريخا كاملا تزدحم فيها الخبرات والمواقف، لتطلعنا عليه ببساطة وقدرة وحرفية نادرة..

كانت «نعيمة الصغير»،التي تمر اليوم الأحد (20أكتوبر 1991) ذكرى رحيلها، هي تلك الفنانة العفوية، التي لم تدرس التمثيل ولم تحصل سوى على الشهادة الابتدائية، أمكر من ذلك بكثير، فحتى في مرورها السريع أمام الكاميرا، أو ظهورها والكاميرا من خلفها تستطيع أن تترك لدى المتلقي انطباعا ما أو أثرا لا يمكن نسيانه.. ويستمر التساؤل الممض ماذا لو أتيحت لـ «نعيمة» مساحات أكبر لتعبر من خلالها عن تلك القدرات الفريدة؟

اختارها «صلاح أبو سيف» في دور «امتثال» والدة «إحسان» في فيلم «القاهرة 30» عام 1966، وكانت لـ «نعيمة» قبلها، تجربتان سينمائيتان فقط على مدى 18 عاما، اشتغلت خلالها بالغناء، وبالإقامة لفترات طويلة في الإسكندرية مسقط رأسها.. تعاملت نعيمة مع دورها في هذا الفيلم، باحترافية عالية؛ فجاء أداؤها مقنعا منضبطا دون مبالغة، برغم أن سمات الشخصية تغري بذلك.. فهي أم تتاجر بعرض ابنتها مبررة لنفسها أن ذلك لا يعد خطيئة في زمن الفاقة والعوز، وهي في معرض تبريرها المريض، لا تتورع عن ذكر ألفاظ كـ «الستر» و«بيت العَدَل» والدعوات بالذرية الصالحة.  استطاعت «نعيمة» ركوب الشخصية في سلاسة، وإظهارها في حالة تصالح قصوى مع النفس، رغم فداحة الجُرم، وبشاعة التفاصيل.

وفي فيلم «الزوجة الثانية» تمارس «نعيمة» حضورا متناغما إلى جانب «حفيظة» التي قامت بدورها البارعة «سناء جميل».. إنها الخالة «نظيمة» الداية الطيبة التي تبدي تعاطفا كبيرا مع مأساة زوجة العمدة المحرومة من الإنجاب، لكنها لا تمتنع عن المبادرة بتقديم خدماتها لكل أهل القرية.. وإلى جانب أداء وصل درجة الكمال من أبطال العمل ظهر أداء «نعيمة» مناسبا تماما، ووفق ضوابط فنية صارمة دون زيادة أو نقصان.

لقد شاهدنا كثيرات يقمن بدور القوَّادة، كُنَّ تقريبا على درجة إجادة واحدة، إنه دور عرفته السينما المصرية مرارا وتكرارا؛ لكن نعيمة الصغير كان لها رأي آخر.. في «سونيا والمجنون» عن رائعة «دوستويفسكي» «الجريمة والعقاب» تقدم «نعيمة» في دور «عدلات» إضافة جديدة شديدة القسوة، تقترن بلامبالاة متقنة؛ كأن ما تفعله من ذبح لتلك الزهرة البريئة بسيف السقوط والضياع – هو من طبائع الأمور.. إنها تُثمِّن «سونيا» من النظرة الاولى كبضاعة جيدة ستجلب لها الكثير من المال، فلا تيأس من تكرار الرفض لطلبها واثقة من أن الفقر المدقع قد قتل هؤلاء الناس جميعا شر قتلة، وأنها بصدد شراء جثة لا أكثر، لذلك فهي توقن أن المساومة مسألة وقت.. في مشاهد قليلة وبتفاصيل صغيرة صنعت لنا «نعيمة» نموذجا شديد الضراوة، صنعت لنا «عدلات» التي لا تُمْحى من الذاكرة..

وفي العام التالي 1978، قدمت «نعيمة» نفس الدور في «شفيقة ومتولي» مع المخرج علي بدرخان، واستطاعت من خلال تفاصيل جديدة أن تثري شخصية «فُلَّة» الدلالة التي يستخدمها «أحمد الطرابيشي» مقاول الانفار في تلك المهام الدنيئة.

 لكنها في «المشبوه» عام 1981، خرجت قليلا من عباءة الشر الخالص؛ لتقدم لنا شخصية «سيدة» المرأة التي تأوي اللصوص، وتشتري منهم ما يسرقون؛ لكن لها قلب أم حانٍ؛ فهي تقرضهم المال إذ عزَّ الشُغل، وتسعى للقاء العاشق الولهان «ماهر» بمحبوبته؛ وتسعد كل السعادة عندما يتم اللقاء.. وهي المرأة الخبيرة بأساليب الشرطة.. فعندما يتم القبض عليها لا تفلح محاولاتهم أثناء التحقيق في دفعها لكشف أسرار عملها.. إن «نعيمة» تستطيع بعبقرية أن تستولد أعمق المشاعر الإنسانية وأصدقها من رحم دور لا يرى فيه الكثيرون، سوى الأداء النمطي والشخصية السطحية.. يكفى أن نشير إلى سطوتها وحضورها القوي في غرفتها التي تزدحم بالمسروقات، فتشعر أنها هنا عاشت حياتها كلها، ولم تغادر هذا المكان إلا للضرورة.

وكأن «نعيمة» قد ارتبطت بطريقة ما بالعاشقين البائسين في «المشبوه» فتعاود الظهور معهما في «حب في الزنزانة» عام 1983، في دور جديد عليها، وهو دور السجَّانة، وتبدع «نعيمة» كعادتها وهي تمزج القسوة البالغة التي يجب أن تكون عليها السجانة، مع عاطفة ملؤها الإشفاق تجاه بعض السجينات البائسات، ومنهن فايزة (سعاد حسني) العاشقة التي ظلمها المجتمع وأقرب الناس إليها، لتهوي في طريق الضياع، ويكون مصيرها السجن.

مع النجم «أحمد زكي»  وفي واحدة من أهم بداياته  تقدم «نعيمة» دور «أم إمام» في «الليلة الموعودة» 1984، وهو دور يعتبر من أهم وأجمل أدوارها.. امرأة تعمل «خاطبة» يغريها كهل يوقع بالعجائز لسلبهن أموالهن للعمل معه، وتحت إغراء المال توافق «أم إمام» وتوقع له بعدد منهن.. إلى أن تجد ضالتها في الست «بهية» أم فتحي؛ فتقدمها فريسة سهلة للنصاب «سيد المغربي» لكنها سرعان ما تنقلب عليه، وتيسر للشاب فتحي سبيل الانتقام منه، واسترداد أموال أمه.. في هذا الدور مزجت السيدة «نعيمة» بين الأداء الجاد القائم على المكر والخداع للإيقاع بالفريسة، وبين خفة الظل القائمة على التحايل على جميع الأطراف لإحراز المكسب المادي والنجاة من العقاب.. ويذكر أنها نالت في هذا الفيلم «علقة» حقيقية على يد الممثل أحمد بدير الذي قام بدور زوج ابنة بهية «إبراهيم القرقشندي».

وفي العام التالي تقدم لنا «نعيمة» أجمل أدوارها في «الشقة من حق الزوجة»، دور ما زالت مشاهده عالقة في الأذهان، تلك المشاهد التي جمعت بينها وبين النجم «محمود عبد العزيز» في دور الحماه المتسلطة التي تسيطر على ابنتها وتدفعها لتكدير صفو حياتها بغية السيطرة على الزوج، كما فعلت هي مع زوجها.. لكن زوج الابنة يتمرد وينتهي الأمر بالطلاق.. وهنا تبدأ القصة، وهي الصراع على الشقة، وترتكب «نظلة» كل الحماقات من أجل «تطفيش» الزوج المسكين «سمير» وتتوالي الأحداث في صراع خفيف الظل بين الزوج والحماة، إلى أن ينتهي بعودة الأمور إلى مجاريها وهزيمة الحماة وعودتها إلى قواعدها سالمة.

ومن الطريف أن تصاعد الصراع بين الخصمين قد دفع بالفنان «محمود عبد العزيز» إلى قذف «نعيمة» بقطعة ملابس كان يغسلها في أحد المشاهد – أصابت راسها وكادت تسبب لها في ضرر بالغ.

في نفس العام قدمت «نعيمة» دورا من أهم أدوارها، وهو دور «نبوية» في فيلم «الزمار» من إخراج المبدع «عاطف الطيب» وللأسف لم ينل هذا الفيلم الرائع حظه من التقدير، فلم يُعرض في دور العرض، بل عُرض في الفضائيات بعد سنوات من إنتاجه.. «نبوية» تلك عانس موتورة تكره زوجة أخيها التي تصغره بسنوات كثيرة، وتكيد لها وتحرضه عليها طوال الوقت، وهي في سبيل تحقيق هدفها بإبعاد هذه المسكينة «مريم» – قامت بالدور باقتدار الرائعة «محسنة توفيق» – لا تتورع عن تلويث سمعتها واتهامها بكل نقيصة، إلى أن يظهر الطالب الجامعي الفار من الأجهزة الأمنية التي تلاحقه لنشاطه السياسي، ويعمل لدى «نبوية» في محل بقالة ملحق بالبيت تملكه هي وأخوها.. تُغرم «نبوية» بالشاب وتطلب منه أن يتزوجها ليصير شريكا لها في كل شيء، فيرفض ولا يلقي لها بالا، لانشغاله بقضية تثوير الوعي لدى المهمشين في القرية الذين يتم استغلالهم من تحالف يتكون من كبار القرية.. وتثور أحقاد «نبوية» وتحرض أهل القرية على قتل الشاب «حسن» و«مريم» لارتكابهما الفاحشة، وهذا بالطبع لم يحدث.. وينتهي الفيلم بارتكاب الجريمة البشعة على مرأى من الجميع في رابعة النهار.

قدمت «نعيمة الصغير» في هذا الفيلم أداء مبهرا عبرت فيه بقوة عن نفسية العانس الحقود، التي لا تتورع عن ارتكاب أي شيء في سبيل التخفف من أحقادها دائمة التوقد، وعبرت أيضا عن الفرحة المشوبة بالقلق عند ظهور الشاب وأمل الاقتران به، لتصل بأدائها إلى الذروة في مشهد التشفي في المسكينين بعد قتلها بدم بارد.

وفي «كراكون في الشارع» 1986، تقدم لنا دور الأم الحنون المغلوبة على أمرها، التي لا تستطيع تقديم شيء لابنها المشرد هو وأسرته بعد سقوط البيت الذي يؤويهم، وتصل إلى قمة الأداء في مشهد تطلب فيه من ابنها أن يتركها في المقابر إلى جوار قبر أبيه حتى يحين الأجل.

وتوالت الأعمال التي شاركت فيها الفنانة الرائعة وتركت في كل منها علامة، ومنها فيلم «العفاريت» عام1990 من إخراج حسام الدين مصطفى، وقامت فيه بدور المعلمة «الكتعة» التي تدير عصابة لخطف الاطفال، وإجبارهم على ممارسة النشل والتسول، وهو الدور الذي جعل أطفال مصر يطلقون عليها أمنها الغولة.. فقد أدته باقتدار شديد، وقد أضافت كثيرا إلى هذا الدور الذي قدمته قبلها عديد من النجمات ،أشهرهن «نجمة إبراهيم» في فيلم “جعلوني مجرما”.

ربما دارت كثير من أدوار السيدة «نعيمة الصغير» حول محور واحد، هو شخصيتها الحقيقية – قدمتها في فيلم اسكندرية ليه مع يوسف شاهين – تلك المرأة التي لم تمنحها الأقدار الجمال الظاهري، لكنها في مقابل ذلك منحتها الكثير من عوامل القوة.. وهذا النموذج نراه كثيرا في حياتنا ولا ننتبه له كثيرا.

لكن عبقرية «نعيمة الصغير» جعلتنا نقف مبهورين أمام روعة التشخيص لنماذج بشرية نظنها عادية ولا تنطوي على كثير من التفاصيل الإنسانية الشيقة. رحم الله الست نعيمة الصغير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock