منوعات

«محمد بك أبو الدهب».. الذي كرهه التاريخ والناس

لعل أخطر ما داهمني عندما حاولت الاقتراب من سيرة القائد المملوكي «محمد بك أبو الدهب»، هو الحيرة الشديدة التي تركنى عليها، فرغم عمره القصير: واحد أربعون عامًا «1734-1775»، إلا أن تاريخه وحركته على مسرح الأحداث في مصر والشام والحجاز، تصيب أى قارىء له بالذهول.

الحيرة الأكبر تصيبك عندما تلتقي بمسجده المميز الذي يستقبلك فور الخروج من نفق الأزهر، في أحد البقاع الطاهرة بأرض مصر وهو حي الحسين الشهير.

بمجرد أن تخرج من سلالم نفق الأزهر، ستقابلك بعض المحال الصغيرة التي تبيع السبح والمصاحف واللوحات المنقوشة بالنحاس، بينما خلفها أو فوقها بمعني أدق، يقف في بهاء وكأنه يبكي حاله، مسجد عتيق لا تسمع به أذانا ولا يسجد به مصلي، ولا يتجول في أركانه سائح باحثًا عن سحر التاريخ، هذا المسجد المميز بطرازه وقبته، هو مسجد «محمد أبو الدهب» والقريب في تصميمه من الطراز العثماني.

المساجد تبني لوجه الله وليس لمقاصد أخري، ومسجد أبو الدهب مغلق – للأسف- منذ أكثر من نصف قرن ولم تُقم به أي صلاة خلال تلك المدة، والمدفون بداخله صاحبه.

ويبدو أن نية صاحبه لم تكن سليمة عند بنائه لمسجده، فقد كان يريد ببنائه في هذا المكان بالذات أن يسحب البساط من تحت أقدام شيوخ الأزهر عندما أظهروا له عدم الرضا عما فعله مع أستاذه «علي بك الكبير»، ولا عن تمثيله بالقتلى فى أرض الشام، عندما خاض حروبا فيها، ليصبح مسجده بعد ذلك – على غير نية صاحبه- تابعا للأزهر، ولاستيعاب الأعداد المتزايدة في دراسة العلم بالأزهر الشريف، وليس ليحتل مكانة الأزهر الدينية والروحية والتعليمية.

تاريخ من الخيانات

 وقد توالت الخيانات في تاريخ محمد بك أبو الدهب بداية من ولي نعمته «علي بك الكبير» حتى أصدقائه المقربين. ولذلك كرهه الناس بعد أن بجّلوه وأحبّوه. ولقبوه بـ«أبو الدهب» وعندما كرهوه لقبوه بالدموي، وأشهر قاتل في تاريخ المماليك.

ربما لا يعرف البعض تاريخه، لكن رائحة البخور التي كانت تملأ الهواء منذ ما يقرب من مائتين وخمسين عامًا، لا تزال تملأ الأنوف، ذلك البخور الذي أطلق في استقبال جثته بعد مقتله أو وفاته في أرض الشام، وكانت «الجثة» قد اقتربت من التعفن والتحلل، بسبب نقلها لمدة أسبوعين تقريبًا، فقد كانت الرائحة لا تطاق، وتم إطلاق البخور من مشاعل يحملها الكثيرون.

يذكر ناظر المدارس المصرية، الأميرالاي إسماعيل سرهنك – المعروف كذلك باسم «سرهنج» في كتابة الشهير «حقائق الأخبار عن دول البحار» صفات محمد بك أبو الدهب فيقول: «يعتبر أبو الدهب آخر من أدركنا من المصريين شهامة وصرامة وحزما وحكمة وسماحة وحلما وكان قريبا للخير محبا للعلماء والصلحاء ويميل بطبعه إليهم ويعظمهم»، ثم يكمل: «كان محمد أبو الدهب بـهـى الطلعـة جميـل الصورة, يباشر الأحكام بنفسه، ولولا ما فعله فى بلاد الشام من قتل أهلها لكانت حسناته أكثر من سيئاته».

إذا كانت هذه هي الصفات التي تذكر عنه، فإن سيرته تدفع للحيرة والدهشة تلك السيرة التي بدأت منذ مجيئه لمصر بعد أن خُطف من أسرته في شمال بلاد القوقاز لعائلة من الأبخاز أو الشركس، وكان حينها يتم شراء العبيد منها قبل أن يتحولوا إلى مماليك لكل «بك» في مصر، وقد اشتراه سيده «علي بك الكبير»، من تاجر عبيد يهودي، ثم أصبح ساعده الأيمن وأقرب المقربين وأصفي الأصفياء لدرجة إنه زوجه ابنته. لكن وكما يقول المثل الشعبي المصري «عندما تربّي حية في بيتك، ستقوم بلدغك».. وهذا ما حدث مع علي بك الكبير، الذي ربّى «حية» في بيته، بل ثعبانا كبيرا، تضخم وكبر وأراد التهام كل شيء حوله.

قدرات تفاوضية

ظهرت قدرات محمد أبو الدهب في التفاوض عندما كلفه علي بك الكبير بمهمة إنهاء الصراع مع «الهوارة» بقيادة «شيخ العرب همام»، والذي كان يسيطر على مساحات واسعة في الصعيد ويأوي إليه كثير من المماليك الفارين من علي بك الكبير.

لم يدخل محمد أبو الدهب في الصراع مباشرة مع «شيخ العرب همام» بل قام بالتواصل مع ابن عمه «اسماعيل الهواري»  وحليفه، وأقعنه بحكم الصعيد تحت ولاية علي بك الكبير في مقابل عدم مساندة ابن عمه شيخ العرب همام، وبالفعل انسحب اسماعيل الهواري بقواته من فيلق شيخ العرب همام، وبهذه الطريقة استطاع محمد أبو الدهب التخلص منه، خاصة عندما وجد «همام» نفسه بمفرده ودون معونة، حيث انسحب إلى النوبة ليموت هناك من شدة الحزن.

ولهذا الانتصار عينه علي بك الكبير في منصب الخازندار، وهو وزير المالية، وحينها بدأ في نثر الذهب على الناس. إذ ُيذكر هنا  أن أبا الدهب عندما تولي هذا المنصب الكبير ومن شدة فرحه، قام بتوزيع الهبات والعطايا الذهبية على الفقراء والعامة، كما كان عقب عودته من أي حملة منتصرًا يقوم بنثر الذهب على الفقراء والعامة على طول الطريق وحتى مكان اقامته. ومن هنا لقب بـ«محمد بك أبو الدهب».

وبنفس الطريقة خاض محمد أبو الدهب حروب سيده علي بك الكبير في منطقة الحجاز لتصبح في قبضة علي بك الكبير ومستقلة عن حماية الدولة العثمانية التي كانت ضعيفة حينها.

وكمكافأة له قلده علي بك الكبير منصب «سنجق» أي قائد عام الجيوش، وجعله يعد حملة كبيرة لغزو الشام وبداية الاستقلال الفعلي عن الدول العثمانية، ومناصرة «ظاهر العمر» والي عكا.. والذي كان يتطلع هو الآخر للاستقلال عن الدولة العثمانية.

علي بك الكبير

بدأ علي بك الكبير خطته للاستقلال، وترأس حملة إلى بلاد الشام لمساعدة الشيخ «ظاهر العمر» في حربه مع والي دمشق العثماني، مكملا تلك الخطة بالكثير من التحالفات مع شيخ قبائل فلسطين ومن ثم كادت مصر أن تصبح دولة مستقلة عن الخلافة العثمانية.

لكن هنا يظهر أبو الدهب، ليقلب تلك الخطة، بل وليتم تدميرها من الاساس، فلولا غدره وخيانته لشكلت حركة على بك الكبير خطورة على الدولة العثمانية, ولم يعرف على وجه الدقة السبب الحقيقى لعودته بعد انتصاراته في الشام، فقد تضافرت عدة عوامل جعلته يعود للانقلاب على سيده «على بك الكبير». ومن تلك العوامل: كما يذكرها الجبرتي: «أن أبا الدهب ورفاقه أصابهم الملل من كثرة القتال وتعاهدوا على الرجوع للقاهرة، لكن من المؤكد أنه عاد بسبب طمعه فى السلطة، لأن انتصاراته تلك هى التى حققت لعلى بك الكبير القوة والاستقلال، وإذا أضفت إلى ذلك: فتوي السلطان العثماني- ذات البعد الديني – والتي أخذها من قاضي القضاة والمفتي الأعظم باعتبار «علي بك الكبير» ورجاله وحلفائه وأنصاره بغاة خارجين على الدولة يجب قتلهم أينما وجدوا، وزاد من تأثير هذه الفتوى اتصال علي بك الكبير بروسيا، وهي دولة مسيحية في حالة حرب مع دولة الخلافة العثمانية.

ولذلك كله – كما يذكر الجبرتي – قام محمد أبو الدهب بالاتصال بالخلافة العثمانية ليعقد معها اتفاقا على قتل علي بك الكبير، وأن يصبح هو واليا على مصر، مقابل أن تعود مصر الى حظيرة الدولة العثمانية.

الخيانة الكبرى

في الشام استطاع أبو الدهب أن يسيطر على غزة والرملة، وحاصر يافا لمدة شهرين قبل اقتحامها، ثم استولي على صيدا بسهولة، وبعد ذلك اتجه إلى دمشق لمحاربة واليها عثمان بك العظم حليف السلطان العثماني، وكان جيش محمد ابو الدهب بالقوة التي يسحق بها جيش عثمان بك والعثمانيين الذين معه في معركة خاطفة ليدخل بعدها دمشق عام 1771م.

كانت هذه الخطوة هي بداية الخيانة الكبري من محمد أبو الدهب لعلي بك الكبير، حيث فوجىء الجميع بسحب قواته للعودة للقاهرة متعللا بسوء معاملة ظاهر العمر حليف علي بك الكبير له، وهي وشاية استطاع علي بك الكبير أن يتأكد من عدم صدقها، حيث كان السبب الحقيقى هو اغراء من الباب العالي في الآستانة بولايته لمصر إذا استطاع إزاحة علي بك الكبير من المشهد.

تأكد علي بك الكبير من كذب «أبو الدهب» في إدعائه بسوء معاملة ظاهر العمر له، فأمر بنفيه الى الصعيد و أمتثل أبو الدهب للأمر. لكن في الصعيد، لم يهدأ أبو الدهب، وبدأ في تأليب المماليك على سيدهم «علي بك الكبير» خاصة عندما خرج «الكبير» للحرب في بلاد الشام وتعيينه لـ «أيوب بك» حاكماً على جرجا، فقام أبو الدهب باغتياله فخلا له الصعيد والتف حوله كل المعارضين لعلي بك الكبير ومنها قبائل الهوارة والقاسمية. وبدأ الصراع بين أبى الدهب وعلى بك الكبير والذى انتهى بهزيمة علي بك الكبير فى الصالحية.

وقد أسهب الجبرتى فى وصف المعركة فقال «لقد جاء علي بك من بلاد الشام ومعه جنود الشام وأولاد «ظاهر العمر» حليفه، فتهيأ «محمد بك» للقائه و برز خيامه إلى جهة العادلية ونصب الصيوان الكبير هناك وهو صيوان «صالح بك»، الذى كان غاية فى الاتساع والعلو والارتفاع والجمال ثم جاءه الخبر بوصول «علي بك» إلى الصالحية بعساكره، فتوجه إليه وتحاربا فكانت الهزيمة من نصيب «علي بك» وأصابه جرح فى وجهه فسقط عن جواده فاحتاطوا به وحملوه الى صيوان «محمد بك» الذى أحضر له الأطباء لمداواته، ولكن بعد سبعة أيام من وصوله للقاهرة توفى «علي بك الكبير», وقيل أنه «سمم فى جراحه فغسل ودفن عند أسلافه بالقرافة، حيث مدفن أستاذه ابراهيم كتخدا».

 وهكذا نجح «محمد بك» في إقصاء «علي بك الكبير» وإزاحته من طريقه، وتولي زمام الأمور في مصر ونصّب نفسه شيخا للبلد «سنجق بك القاهرة»، ثم أرسل يعرض على الباب العالي العثماني إعادة مصر إلى الحظيرة العثمانية، وطلب الإذن بالقضاء على «ظاهر العمر» بحجة خروجه على الدولة وتحالفه مع أعدائها الروس.

خيانة مقابل خيانة

لم تدم مدة حكم محمد أبو الدهب ولم يهنأ بما حصده من خيانات أو ولاء للسلطان العثماني طويلا. فعندما صدر فرمان من الباب العالي لمحمد بك أبو الدهب لمحاربة «ظاهر بك العمر»، وتطهير الشام، قاد أبو الدهب جيشا كبيرا إلى فلسطين (1189هـ / 1775م) بمعونة الجنود المغاربة من جند «ظاهر العمر» الذين خانوه. كما لعب «عثمان بك ابن ظاهر العمر» دورا فى معاونته ضد والده طمعا فى أن يحل محله فى ولاية صيدا، ففتح يافا عنوة وأعمل السيف في المعارضين.

ويقال إنه بنى من رؤوس القتلى صوامع على غرار ما كان يفعله «تيمورلنك» وما فعله السلطان «سليم الاول» عقب انتصاره فى «معركة جالديران».

وقد أثارت فعلته في يافا الفزع في الشام، فتخلى الأمراء عن «ظاهر العمر» الذي اضطر إلى ترك عكا والهرب إلى المناطق الجبلية المجاورة، وأرسلت وفود من المسلمين والنصارى واليهود فيها تعلن خضوعها. ودانت فلسطين لمحمد بك أبو الذهب، وقدم له الأمراء الطاعة والولاء، ودمر الحصون والقلاع التي بناها ظاهر العمر وأهمها قلعة «دير حنا» و «دير مار الياس».

وانتقاما مما فعله في «ظاهر العُمر»، يحكي الجبرتي أن العُمر قدم رشوة للطباخ الخاص بمحمد ابو الدهب كي يضع له السم في الطعام، ليموت هناك في فلسطين ويحمله أتباعه لدفنه بمسجده في مصر، الذي يستقبلك الآن في حزن كبير عندما تخرج من نفق الأزهر.

الوسوم

مقالات ذات صلة

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: