رؤى

الجزائر.. ثورة الشهداء: ثلاث صور في صورة واحدة 

الصورة الأولى:
في إحدى شهور عام ١٩٥٣ وصلت سيارة سوداء إلى مبنى مجلس قيادة الثورة المصرية ، ثورة ٢٣ يوليو من عام ١٩٥٢ الواقع برأس جزيرة الزمالك ، وهو في الأصل نادي اليخت الملكي ، لفاروق ملك مصر السابق والذي أطاحت به الثورة …

كانت السيارة تُقٍل شاباً جزائرياً تبدو عليه ملامح القوة وبهاء الوجه ، فضلًا عن إرادة وتصميم على بلوغ الهدف الذي جاء من أجله إلى القاهرة …

جاء ليلتقي ب ” جمال عبد الناصر ” رئيس مجلس قيادة الثورة والرجل القوي الذي يحكم البلاد …

تّرّجل الشاب القادم من بلاده عبر باريس ، وتوجه بٍصُحبة ضابط شاب عُرٍف فيما بعد باسم  ” فتحي الديب ” إلى قاعة كبيرة أفضت الى غرفة مكتب متوسطة المساحة ، وبدت شديدة التواضع من حيث الأثاث ….

ترك ” ناصر ” المكتب الجالس خلفه متوجهًا لاستقبال ضيفه والترحيب به بكلمات عربية بلهجة مصرية ، غير أنه لاحظ أن رد الفعل على كلمات الترحيب تلك بدت مُتأخرة بعض الشيء من ضيفه الشاب …

كان عُمر الضّيف والمُضيف مُتقاربًا ، فالأول من مواليد ديسمبر من عام ١٩١٦ ، والثاني من مواليد يناير من عام ١٩١٨ ، وبدت الأفكار منذ اللحظة الأولى مُتقاربة والمشاعر الشابة وصلت الى حد التطابق ، فكِلاهُما يسعى إلى الخروج ببلاده من مرحلة كان الاستعمار فيها هو المُسيطر والمُتحكم في وطن كل منهُما ، ولا سيادة للشعب على أي من مقدراته وثرواته وشؤونه ، كان ” ناصر ” وقتها مُنهمكًا في مفاوضات شاقة مع سلطات الإحتلال البريطاني الجاثم على أنفاس مصر منذ سنة الإحتلال عام ١٨٨٢ ، أما الضيف القادم من بلاده فكان يتطلع الى القيادة الجديدة في مصر إلى أن تكون يد المُساعدة والقوة الداعمة لحلم شعبه ، شعب الجزائر ، الذي احتلت أراضيه عام ١٨٣٠ …

جلس عبد الناصر على رأس طاولة تتوسط مكتبه ، وجلس ضيفه في مقابله على نفس الطاولة التي كان يتوسطها الضابط الشاب ” فتحي الديب ” المرافق للضيف ، تكلم الشاب الجزائري والذي بدأ بتعريف نفسه واسمه ” مزياني مسعود ” من مواليد بلدة ” مغنية ” بولاية ” تلمسان ” بالغرب الجزائري ، كان حديثه بالعربية ، والتي بدا فيها مُتعثرًا شديد التّعثُر !!

وبعد فترة من الزمن تجاوزت نصف ساعة ، توقف عن الحديث ، وبدا الدمع يملأ عينيه ، ثم انفجر في بكاء حار ، فاستولت الدهشة على ” ناصر ” الذي انتقل من مكانه الى حيث يوجد ضيفه ، مواسيًا له على عدم قدرته بالحديث بالعربية ، وصعوبة تناول قضايا بلده باللغة التي لا يعرفها إلاّ القليل من أبناء وطنه وخصوصاً الشباب منهم  …

بدت الجلسة مُفعمة بمشاعر إنسانية وعربية جارفة ، فالرغبة في الوصول الى تفاهُم من أجل مستقبل وطن يعاني ، اصطدمت بحاجز اللغة ، فالحديث باللغة  العربية  بين اثنين من شباب الأمة لم يَعُد مُجديًا ، مما رأى ” ناصر ” أنه من الأفضل أن  يستكمل الحوار بالفرنسية التي يجيدها ويتقنها ” مزياني مسعود ” مما دعا المُضيف إلى استدعاء ضابط شاب آخر يجيد أكثر من لغة ، كان يعمل في مخابرات الجيش المصري ، كان اسمه ” علي صبري ” الذي حضر على الفور إلى مكتب ” ناصر ” لتُستأنف جلسة الحوار والاستماع إلى الجزائري الشاب ….

غير أن ثمة فكرة طرقت على ذهن قائد الثورة المصرية ، فقد مال على مُساعده للشؤون العربية ، الضابط  ” فتحي الديب ” سائلًا إياه عن تلك المجموعة الجزائرية التي تتعلم في القاهرة ، وبدأت في ترتيب أوضاعها للعمل من أجل تحرير الجزائر وبالتنسيق مع مكتب ” ناصر ” وبإشراف مباشر من معاونه ، فرد عليه ” الديب ” ببعض التفاصيل والأسماء ، وتوقف عند اسم شاب جزائري آخر اسمه ” محمد بُخروبة ” من طلاب الأزهر الشريف ، ويدرٍس علوم القرآن والفقه والشريعة ، ويجيد اللغة العربية بحكُم دراسته ، فضلًا عن الفرنسية التي يتقنها غالبية الشباب الجزائري ….

هذه المحادثة الجانبية بين ” ناصر ” و ” فتحي الديب ” لفتت نظر الضيف القادم من الجزائر ، مما دعا رئيس مجلس قيادة الثورة المصرية للإعتذار ، غير أنه بادر ضيفه الشاب بالقول وبلهجة مصرية مُحببة الى نفس ” مزياني مسعود ” وقد سبق أن سمعها من بعض الأصدقاء العرب والمصريين أو شاهدها في أحد أفلام السينما المصرية التي ربما شاهدها في الجزائر أو غيرها ….

قال ” ناصر ” ووجهه يَكتسي بابتسامة صافية :

” ماتزعلش ياسيدي ، كل مُشكلة  ولها حل ، ها نجيب واحد بَلدياتك ليحل مشكلة اللغة ، مشكلة الترجمة من الفرنسية اللي أنت تعرفها كويس مع واحد ، يعرف العربية والفرنسية مع بعض ، ثم إن عامل السرية فيما سوف نتفق عليه سيكون متوفرًا ، فبلدياتك شاب لا يقل عنك حبًا للجزائر وشعبها …..”

بدا الشاب ” مزياني مسعود ” فاهماً لبعض ما سمعه من ” ناصر ” لكن الأمر تتطلب تدخل الضابط الشاب ” علي صبري ” لترجمة ما غَمُضَ على فهم الضيف الجزائري ، وعندها اكتملت الفرحة عنده ، فقد تحدد موعد اللقاء بالغد ، فسوف يستكمل عرض قضيته ، ويتعرف إلى واحد من شباب بلاده …

جاء الغد ، وتجدد اللقاء في نفس المكان ، وفي نفس الموعد ، فقد وصل ”  فتحي الديب ” ومعه شاب طويل القامة ، صاحب ملامح حادة ، قوي الإرادة ، واثق الخُطى ، رغم نحافة في القوام ملحوظة ولافتة ،  وكان ” مسعود مزياني ” الشاب الجزائري الآخر قد سبقه في الوصول إلى لقاء ” ناصر ” بصحبة الضابط ” علي صبري ” …

بعد دقائق إلتئم الجمع ، ودخل قاعة المكتب أحد الجنود حاملًا معه ، بعض قطع البسكوت وعدد من أكواب الشاي والقهوة ، وضعها جميعًا في منتصف طاولة الإجتماع وخرج على الفور …

بدأ التعارف قبل الدخول في أي تفصيلات ، وبعد ذلك عرض  ” ناصر ” لما تم بالأمس من حوار بينه وبين ” مزياني مسعود ” وبدا الضيف الجديد ” محمد بوخروبة ” مُدركًا ومستوعبًا لما  يسمعه ، في الوقت الذي بدت نظرات زميله مُثبتة على وجه ” ناصر ” مستوعبًا للكثير مما يقوله …

فقد أدرك  بذكائه الحاد لمضمون ذلك الحديث ، رغم لهجة ” ناصر ” بالعامية المصرية المُحببة الى قلبه ….

بعد ذلك دخل الحوار في العُمق وبصورة مباشرة وكاملة ، تحدث ، كلا الشابين ” مزياني ” وزميله ” بخروبة ” والذي تجاوزت مهمته دور المُترجم الى دور المُشارك في الحوار ، فالهم الوطني كان مُشتركاً بين الرجلين ، فقد عرّف نفسه ، بأن اسمه كاملًا هو ” محمد إبراهيم بوخروبة ” من بلدة ” مجاز عمار ” التابعة لمدينة ” قالمة ” بمنطقة القبائل ، ومن أسرة فقيرة كثيرة الأولاد ، غير أن عمه ” الطيب بوخروبة    وبمساعدة والده ” إبراهيم ” وجدا في الصبي المولود عام ١٩٣٢ ذكاءاً حاداً وقدرة مُذهلة على الحفظ ، فقد حفظ القرآن الكريم في سن صغير ، مما دفع والده وبتشجيع من شقيقه ” الطيب ” إلى استكمال دراسته في مصر بالأزهر  الشريف …

هنا تدخل ” فتحي الديب ” في الحديث ووجه كلامه إلى ” ناصر ” وإلى ” مزياني مسعود ” ليستكمل مهمة التعريف بالشاب الذي بدا على معرفة  كاملة بتفاصيل حياته ، تحدث مُبتسمًا وقال موجهًا حديثه إلى كُلّاً  من ” ناصر ” و” مزياني مسعود ” :

” سيادة الرئيس ، الأخ مزياني ، أحب أن أقول أن الأخ ” بوخروبة ” صاحب إرادة حديدية ، رغم نحافة جسمانه ، فقد قّرّرّ الهرب من الجيش الفرنسي والتوجه رأساً إلى مصر ، لكن المشكلة هو كيف يأتي إلى القاهرة ليُحقق حلم حياته في الدراسة بالأزهر الشريف وهو الفقير المُعدّم ؟؟؟ قرر وبعض من زملائه ومنهم صديقه ” بن شيروف ” التوجه إلى تونس ومنها إلى ليبيا بدون جواز سفر والوصول إلى الحدود المصرية ، وعندما سأله زملائه عن كيفية التوجه عبر ثلاثة أقطار دون أوراق رسمية تمكنهم من الوصول الى القاهرة ؟!!

فما كان أن بادر أخينا ” محمد ” بإخراج خطته للهروب مُرفقاً معها خريطة دقيقة بِعدة منافذ على الحدود سبق أن شرحها له  عمه ” الطيب بوخروبة ” الذي أدى فريضة الحج سيرًا على الأقدام ، قاطعاً مسافات هائلة حتى وصل إلى الأراضي المقدسة ليحقق حلم حياته بزيارة البيت الحرام ، ومسجد رسول الله … “

هنا تدخل الشاب ” محمد بُوخروبة ” موجهًا حديثه إلى الرئيس ” عبد الناصر ” قائلًا له سيدي ، كلما سألني واحد ممن اتفقت معهم على الدراسة بالقاهرة عن كيفية التوجه إلى مصر ، كنت أقول لهم لا أملك من أمري شيئاً ، سوي ملابسي وتلك الخطة وهذه الخريطة للهرب إلى مصر ، خطتي هي جواز سفري … هل أنتم مستعدون لرحلتنا التي سنحقق بها أملًا في الخلاص من محتل كريه وبغيض ؟؟؟ “

كان ” ناصر ” ومن معه على درجة عالية من الانتباه والتركيز ، فقد أحسّ أن ثمة تاريخ يتشكل لوطن عظيم ، هو الجزائر العربية الشقيقة ….

كان الإدراك الإنساني بتلك اللحظة لافتًا وواضحًا عند الجميع ، فقد تحدث ” مزياني مسعود ” عارضًا  لبعض أفكاره ومطالبه في مساعدة مصر في معركة التحرير ، تحدث كثيرًا بفرنسية  مُتقنة مع بعض مُفردات عربية كان  يطمئن إليها ، وعندما ينطقها بنجاح كان يتبعها بابتسامة تملأ وجهه البهي ، الأمر الذي يُشيع جوًا من السرور والفرح على اجتماع جاد بطبعه وخطير بهدفه…

تبادل الجميع وجهات النظر وحددت الوسائل والأهداف والغايات ، واتفقوا جميعًا على ضرورة بداية الحشد من شباب الجزائر الذين يدرسون في القاهرة ، سواء في الأزهر الشريف أو جامعاتها المختلفة ، فقد كان عددًا كبيرًا منهم أعضاء في حزب الشعب الجزائري الذي أسسه الزعيم الجزائري الكبير ” مُصالي الحاج ” …

فقد أفصح ” مزياني مسعود ” عن انتمائه لهذا الحزب ، وكانت المفاجأة أن زميله ” بوخروبة ” كان من كوادر هذا الحزب أيضا…

انتهى الاجتماع الذي وصفه ” مزياني مسعود ” بعد ذلك بسنوات طوال ، أنه الإشراقة الأولى لاندلاع  ثورة الجزائر من القاهرة، ووصفه زميله ” محمد بوخروبة ” أنه الخطوة الأولى لطريق الحرية ، أنه الزواج الرسمي بين الحلم والواقع ” ….

اندلعت الثورة وخاض الشعب الجزائري ثورته المجيدة ، بقيادة قائد تاريخي اسمه ” مزياني مسعود” أو ” أحمد بن بيلا ” أول رئيس للجزائر المُستقلة ، وزميله ” محمد بوخروبة ” أو ” هواري بومدين ” ثاني رئيس لبلاده ….

عاشت الجزائر وعاشت مصر ورحم الله الجميع ، شهداء وقادة كبار..

الوسوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: