مختارات

من ذكريات أحمد الخميسي.. والدي أحب السندريلا لكنه تراجع لفارق السن

حوار عفاف على
مجلة الإذاعة والتلفزيون 21 نوفمبر 2020

لم يكن عبد الرحمن الخميسى مجرد شاعر وكاتب ذاع صيته منذ بداية أربعينات القرن الماضى، لكنه كان أحد صناع الثقافة وواحد من ظرفاء ذلك العصر ومكتشف وجوه جديدة ومغامر ومتمرد ومجدد فى وقت كان فيه الخروج على القوالب بمثابة البدع. إنه من لخص حياته فى عبارة كتبت على قبره ” عشت ادافع عن قيثارتى .. فلم أعزف ألحانى”

الدكتور احمد الخميسى نجل “القديس” يدلى فى مئوية والده بذكريات عن جيل “صانع الثقافة”

-فى البداية أحب أن أصحح خطأ شائعا هو أن والدى من مواليد “المنصورة “، والحق أنه من مواليد بورسعيد، وجدته لأمه كانت فرنسية وتعلمت امه منها اللغة الفرنسية وعلمتها لأولادها، وعندما حدث الأنفصال بين والده الفلاح ووالدته ذهب إلى بورسعيد واختطف ابنه فى عباءته على فرس .وأخذه إلى المنصورة حيث قريته “منية النصر” وهناك دخل الخميسي المدرسة الإبتدائية فى قرية “الزرقا”، واستاجر له والده حجرة أقام فيها نظرا لبعد المدرسة عن القرية. وكانت الوحدة فى الطفولة دافعا لقراءة كل ما تقع عليه عينه من القصص والأشعار والأساطير ،وكان التعبير على الورق والبوح بمثابة صرخة، عبر عنها الخميسي بقوله: ” كنت أكتب كأني فقط أود أن أطلق أنينا من قلبي، ولم يكن في ذهني لا شهرة ولا غير ذلك، فقط أن أقول : آه.. “.

فى الثلاثبنات اجتاحت الأزمة الاقتصادية العالم كله ، وتجلت آثارها فى مصر في هبوط حركة بورصة القطن الذي كان المورد الرئيسى وقتها ، وطالت الأزمة التجار من بائعى القماش وكان جدى من أولئك، فادرك والدى انه عبء على أبوه وكان قد انتقل من الدراسة إلى مدرسة القبة الثانوية في القاهرة، فترك القرية سنة 1936 ، وهو لا يحمل معه سوى بضعة قروش ، وكان عمره وقتها 17 عاما لا أكثر. في القاهرة أرغمته ظروفه على العمل فى البداية “كمساري” فى شركة أنوبيس، وكان له صديق من المنصورة اسمه “على الباز” كان يعمل فى فرقة فى شارع مخمد على، فكان يذهب إليه فى قهوة الآلاتية التي كانت ملتقى العازفين الذين يصاحبون بعزفهم العوالم والراقصات والمطربين، واستهوته الموسيقى وتعلم العزف على آلة البيانو والاوكرديون لدرجة انه استأجر بيانو وكان يصاحب الفرق الموسيقية فى الحفلات. وقد حكى الخميسى نفسه ضاحكا عن تلك الفترة يقول: ” جاءت إلى مقهى الآلاتية ذات ليلة الست “انس” أشهر عالمة قى زمانها، جاءت فى عربة حنطور تطلب عازفا ضريرا لأن لديها فرح كبير عند عائلة محافظة والحضور مقصور على الستات فقط والعازفون كلهم إما من السيدات او من المكفوفين. وكنت وقتها حاضرا فاقترحت أن تأخذ الست “انس” عوادا مبصر ويضع على عينيه نظارة سوداء مصطنعا العمى. بالفعل هللت الست “انس ” للاقتراح وأعطتني بقشيشا بل واصطحبتني معها لتمثيل دور العازف الضرير”. ويواصل الدكتور أحمد الخميسى :-” لكن صباح اليوم التالي لم يكن فى قهوة الآلاتية سوى حديث عن العازف الضرير الذى خرج عن دوره ونسي نفسه وراح يغازل الستات! وعندما غازل إحدى السيدات غاية فى الجمال اكتشفت إنه مبصر يدعي العمى، ورقعت بالصوت الحيانى وقالت إلحقوا يا ستات غطوا وشكم الراجل ده مش لأعمى! وانهالت لكمات السيدات والرجال على الخميسى!

-لكن كان مشهور عن القديس انه يكتب اغانى ومنولوجات ويبيعها بدون ان يضع عليها اسمه ومن الذى سماه القديس؟

يواصل د. أحمد قائلا :-” طبعا هو كتب دواوين وأغانى كثيرة بدون اسمه ليتمكن من سد احتياجاته، وهناك أغنية مشهوره جدا ” لعبد المطلب” هي : ” بتسأليني بأحبك ليه .. سؤال غريب ما جاوبش عليه” قال لي إنه هو من كتبها وباعها لمؤلفها بنصف جنيه. أيضا كان للقاء والدي بفرقة أحمد المسيري أثره في حياته، كان المسيري صاحب فرقة وسيرك فى شارع محمد على، ويجوب بفرقته المحافظات والقرى، وعمل والدي مع هذه الفرقة، كان يكتب لها ويمثل فيها ويلحن اذا استلزم الأمر، فاكتسب من كل ذلك خبرة البساطة والتوجه إلى الجمهور والطابع الشعبي، فى هذه الفرقة اكتشف الخميسي “شكوكو” وقدمه للجمهور وهو من أشار عليه بارتداء ” الجلابيه والزعبوط ومسك العصا”، ونجح “شكوكو” بلونه الخفيف الجديد. وعندما سافرت الفرقة لأسوان ووجد الخميسي صناع الفخار يقلدون التماثيل الفرعونية بأخرى ويبيعونها، اقترح صناعة تمثال لشكوكو، نجح وراج وكان يباع فى القرى”

شكوكو
شكوكو

– وكيف اكتسب الخميسي لقب القديس؟

– لقب ” القديس” أطلقه عليه الكاتب “محمد عوده” حين كان مع والدي فى حنطور وبعد ان نزلا اخرج والدي كل مافى جيبه واعطاه لعربجى الحنطور، ودهش محمد عودة لأن المبلغ كان ضخما، فقال له الخميسي: ” انت شايف الراجل شكله عامل ازاى؟ باين عليه ما داقش اللحمة من سنين وحتى الحصان رقبته رفيعه وجعان”. فقال له عودة : ” أنت كده تبقى “قديس” بصحيح “. وانتشر الاسم ولم نكن حتى نحن أولاده نناديه إلا بهذا الاسم.

الحقيقة أن حياة القديس مليئة بالمغامرات والحكايات لكن مسألة اكتشافه للسندريلا سعاد حسنى حدث لا يمر مرور العابرين، شهادتك عليه؟

– حين بدأت الصلة بين والدي وسعاد حسني كان عمرى حوالى 14 سنة وكان والدى يسكن فى شقة بجوار قصر عابدين ، وذات يوم كنا نمشي في شارع الجمهورية فاستوقفنا شخص وقال لوالدى: ” الأستاذلخميسى؟.. حضرتك مش فاكرنى أنا عبد المنعم حافظ كنت أحضر لحضرتك ندوات تقدمها فى جامعة القاهرة لتذوق الموسيقى الكلاسيك”. رحب به والدى وإن كان يبدو عليه أنه لا يتذكره، فقال له عبد المنعم حافظ : ” انا ساكن قريب منك هنا فى ” الفوالة”، ياريت تشرفنا بكره تتغدى معانا”. قال له والدى : ” إن شاء الله “. فى اليوم التالى طلب مني والدي أن أذهب معه لبيت “عبد المنعم حافظ”، وقال : أصل أنا لا أعرف مين دول. ذهبنا ووجدنا بيتا متواضعا جدا، وتناولنا الغذاء مع الست جوهرة والدة سعاد وزوجها عبد المنعم، وبعد الغداء دخلت بنت صغيرة ضعيفة قصيرة تلبس ملابس بسيطة جدا وهي تحمل صينية شاى وجلست ولم تنطق بحرف واحد، فقط كانت تتطلع إلينا، ونظر إليها والدى مرة، ثم واصل حديثه، ثم نظر إليها مرة أخرى وقال : ” البنت دى نجمة” ! ولم تكن سعاد قد نطقت بحرف. وحينئذ قال عبد المنعم حافظ :-” طيب ما تشوف لها حاجة يا أستاذ خميسى، دى كان لها شغل خفيف قبل كده مع بابا شارو “. أجابه والدى : ” هتاتها وتعالى المكتب. كنت اعرف عن أبى أنه لا يبخل بالمجاملة، لذلك سألته عندما غادرنا البيت : ” هل قلت إنها نجمة مجاملة لهم ؟” . فقال بصدق : ” لا والله يا ابني، هي نجمة، ونجمة كبيرة كمان “. بعد أيام معدودة جاء عبد المنعم حافظ زوج والدة سعاد ومعه سعاد إلى مكتب والدي في شارع الجمهورية و كان فى نفس العمارة التى نسكن فيها. كانت ترتدي فستان بسيط، واقترح والدي على “سعاد” أن تعمل مؤقتا فى المكتب على الآلة الكاتبة إلى أن يجد لها عملا في الفن، فبكت وخرجت من الحجرة. واستغرب والدى وسأل ” عبد المنعم حافظ”: ” انا قلت لها حاجة زعلتها؟”. قال له : “لا يا أستاذ.. هي بكت لأنها للأسف لا تقرأ ولا تكتب وأنت تدعوها للعمل على آلة كاتبة”. وهنا استدعى “القديس” الممثل ابراهيم سعفان وكان خريج دار العلوم ليعلم سعاد القراءة والكتابة، ثم أسند إليها دور “أوفيليا ” فى مسرحية ” هاملت” التي كان يخرجها، لكن المسرحية تعطلت وتوقفت. فى ذلك الوقت كان مسلسل ” حسن ونعيمة ” يذاع فى الأذاعة كل يوم الساعة 5 ، وكان الناس يستمعون إليه على نطاق واسع خاصة أن التلفزيون لم يكن قد ظهر، ولاقى المسلسل نجاحا كبيرا، فحول والدى القصة إلى سيناريو فيلم وأعطاه للمخرج هنرى بركات، وطلب منه اسناد البطولة النسائية لسعاد حسني ومعها محرم فؤاد، وكان الاثنان وجهين جديدن. إلا أن الموسيقار محمد عبد الوهاب المنتج صاحب شركة “صوت الفن ” رفض وقال لبركات ” الفيلم كده يسقط ، لأن اسمين لم يسمع بهما أحد من قبل.. لكن ممكن نجيب فاتن حمامة مع محرم فؤاد أو احمد مظهر مع سعاد حسنى ” لكن والدى رفض وتمسك بوجود سعاد ومحرم معا وجهين جديدين، وقام بركات باقناع عبد الوهاب بأن المسلسل الاذاعي دعاية مسبقة للفيلم وأن الفيلم سينجح ، ووقتها عملوا حاجة ظريفة جدا كدعاية للفيلم وكتبوا أن أى بنت اسمها نعيمة وأى شاب اسمه حسن يدخلوا السينما مجانا بالبطاقة الشخصية!

والدي تولى أيضا تقديم سعاد حسني لصلاح جاهين وليوسف إدريس وللمجلات. وفعلا نجح الفيلم نجاحا كبيرا. فيما بعد كتب والدي مذكراته عن اكتشافه لسعاد حسني وكان المفروض أن تنشر على حلقات فى مجلة ” الكواكب”، وكتب فيها أنها كانت فتاة بسيطة ولا تعرف القراءة والكتابة، لكن يبدو أن ذلك ضايق سعاد، فتوجهت إلى يوسف السباعى وطلبت منه التدخل لوقف نشر المذكرات، وكان السباعي وقتها وزير ثقافة فاتصل بمجلة الكواكب وطالبهم بوقف النشر، إلا إذا وافقت سعاد على ما هو مكتوب.

عبد الرحمن الخميسي وسعاد حسني
عبد الرحمن الخميسي وسعاد حسني

– لكن يقال أن الخميسي أحب سعاد حسني ؟ هل هذه حقيقة؟

– هو كتب فى مذكراته أنه أحبها لكنه تراجع مراعاة لفارق السن بينهما ، لكن سعاد ظلت طول حياتها تقدر لوالدي دوره وتعرف قدره وتذكره بالخير فى كافة حواراتها، وتقول مباشرة أنه صاحب الفضل الأول عليها ، و كانت تريد الغناء فى البداية لكن والدي قال لها حين استشارته” خليكى فى الغنا الخفيف من وقت للتانى وركزى فى التمثيل”. وعندما سافر والدى إلى خارج مصر في رحلة طويلة عام 1973 علمت سعاد بسفره فذهبت إلى شقة والدتي وفتحت حقيبتها ودفقت منها كمية ضخمة من المال وقالت لأمي : تفضلي يا ماما .. ده كله من خير الأستاذ. لكن والدتي شكرتها بحرارة وقالت لها أنها ليست بحاجة للنقود ، فكررت لها سعاد بلطف وذوق : ” ده كله من خيركوا ” ولما أصرت والدتى على الرفض طلبت منها ان تتصل بها إذا احتاجت أى شئ .

– القديس كان ظاهرة فنية شاعر ومؤلف موسيقى وكاتب ومخرج وفوق كل هذا كان ممن يسمونهم ظرفاء العصر، حدثنا عن هذا الجانب.

– القديس كان يعشق الطعام والفرح والشعر والبهجة والأصدقاء وبيتنا كان دائما مملوء بالزوار ليلا ونهارا، ولم يكن يقيم وزنا للفلوس فى حياته، كان ينفق كل ما فى جيبه، وكنا طالما أن هناك نقود نأكل فاصوليا وبطاطس أرز مثل كل الناس، لكن عندما يفلس والدى كان يتصل بمحل كباب صاحبه اسمه “شعراوى ” ويطلب منه “كباب وكفته “على النوته، وكنا نفرح جدا حين يفلس والدي لأن معنى ذلك اننا سنأكل كباب! حتى أن أمي سمعت مرة أختى عائشة تدعو وتقول: “يارب بابا يفلس بقى”! فزعقت فيها وقالت لها : ” حد يدعى كده على أبوه؟”. فقالت أختى : ” ما هو ياماما لما بيفلس بناكل كباب وكفتة”! ند سفره من القاهرة سنة 1973 كان مدينا لشعرواي الكبابجى بنحو “500” جنيه، وهو مبلغ ضخم فى هذا الوقت، وساعتها قال :” 500 جنيه مرة واحدة ؟ يعنى أنا أكلت 5 بقرات مثلا ؟ مش باين على يعني؟!” وقامت والدتلا بسداد هذا المبلغ على دفعات. من مواقفه التى لا تنسى أيضا أنه كتب مسلسل اذاعى اسمه “البهلوان المدهش ” كان من إخراجه، وقامت ببطولته ” سميحة أيوب” على أنها مدربة أسود تحب زميلا لها اسمه “أحمد كشكش” يمشى على الحبل، المهم أن “سميحة” لم تكن تلتزم بموعد البروفات، رغم أن الخميسي لفت نظرها إلى ذلك، كان المسلسل عبارة عن ثلاثين حلقة، لكن الخميسي كان قد ضاق بما تقوم به سميحة رغم تقديره الفني لها، وهكذا في الحلقة الثامنة ولم تكن هي مشاركة فيها، طلب أن يهتف جمهور السيرك بأن الأسود هجمت على المدربة وقتلتها، مع صيحات من نوع ” الف خسارة “، و” لا حول ولا قوة إلا بالله”. وكانت سميحة في منزلها تستمع إلى الحلقة وفوجئت بانها كبطلة مسلسل قد توفيت لأن الأسد أكلها ! فاتصلت بوالدي وتصالحا شرط ألالتزام بالمواعيد، وفي الحلقة التالية جعل والدي الناس في مستشفى يقولون : ” الأسد هجم عليها لكن الحمد لله .. ذراعها بس اللي انجرح.. وربنا كتب لها حياة جديدة ” ، وهكذا عادت للمسلسل! والدي أيضا هو أول من قدم شمس البارودي فى فيلمه الجزاء الذي كان من اخراجه، وقدم فؤاد المهمدس وكان يجلس فى طرقة الإذاعة فى انتظار أخته “صفية المهندس “، وقدم حسين الشربيني، وغيرهم، وكان عنده بعد نظر عجيب، عادل إمام كان وجها جديدا وأسند إليه والدي دورا فى فيلم ” زهرة البنفسج” وسأله عند التعاقد معه : ” أجرك كم؟”. قال عادل:” 300جنيه” ضحك والدي وقال له: على إيه ؟ ده أنت حتى ما بتعرفش تمثل .. 200 جنيه كفاية”. قال عادل : ” يا أستاذ خميسى ده أنا لو قيت القرىن الكريم الناس ها تضحك”!

-تجربة السجن لأى كاتب تجربة ثرية والمؤكد أن ابداع “القديس ” الأنسانى لا يقل عن أبداعه الأدبى في تلك المرحلة.

“القديس كان من المؤمنين بالجوانب الايجابية في التجربة الناصرية، وقد حدث قبل الثورة وكان والدي وقتها صحفيا فى جريدة المصرى الوفدية وكان رئيس تحريرها احمد أبو الفتح، وذات يوم وهوجالس فى مكتبه مشغول بالكتابة دخل عليه شخص وسأله ” لو سمحت الأستاذ احمد أبو الفتح جاء الجريدة؟ “. فرد عليه والدي بعصبية:” الله ! هو أنا استعلامات؟ ما تروح تسأل عنه في الاستعلامات ! ” وكان السائل هو “جمال عبد الناصر” الذي كان قبل الثورة يتردد على الصحف لحشد الكتاب مع الثورة المرتقبة. عبد الناصر قام بعد الثورة وبعد أن أصبح معروفا أنه زعيمها بزيارة أخرى لجريدة المصري! وفي هذه المرة كان والدي مع الحاضرين من أبرز كتاب الجريدة، التقى بهم عبد الناصر، وظل يتحدث ثم نظر إلى والدي نظرة ذات مغزى وقال له : ” أظن احنا اتقابلنا قبل كده يا أستاذ خميسي؟”. فصاح والدي فيه ضاحكا : ” وانا كنت أعرف منين إنك ح تبقى رئيس جمهورية ؟”! قضى والدي في المعتقل ثلاث سنوات لأنه وقف مع الذين طالبوا بعودة الجيش إلى الثكنات، وقد زرته في المعتقل وكان عمري نحو ثمانية أعوام ، انتظرنا انا وأمي في حجرة المأمور، وبعد وقت دخل علينا والدي ويده مقيدة بالحديد إلى يد عسكري، لكنه رفع يده إلى أعلى يقول لي : ” شايف؟ ” وأشار إلى العسكري: ” أنا سجنت الرجل ده لأنه بيعمل حاجات وحشة”! كان يريد أن يطمئني، فابتسمت له وادعيت أنني أصدق ما يقوله. ومن نوادره في المعتقل ما حكاه لي الأستاذ محمد عوده حين كان الاثنان في سجن روض الفرج، فخرج عليهما ثعبان من شق في الزنزانة ، فأخذ الخميسي يتحدث إلى الثعبان بهدوء شديد ويقول له :” أنت تعبان طيب وصاحب عيال ، وأنا كمان صاحب عيال.. ليه تحاول تؤذيني أو أنا أحاول أقتلك ؟ أنت بتحب الحياة وأنا كمان .. أحسن حاجة تنصرف فى امان”. يقول عودة : ” العجيب أن الثعبان رجع ببطء إلى الشق الذي خرج منه ” ! وقد حكي صلاح عيسى في مقال له عن لقاء الوالد بوزير الداخليه حينذاك شعراوى جمعة، وكان الوزير يحاول اقناع الوالد بالانضمام إلى التنظيم الطليعى الحكومي، وكان المفترض أنه تنظيم سري، رغم أن رئيسه وزير الداخليه، فقال له الخميسى :” الحقيقة ده تنظيم سرى وانا لسانى فالت .. لا تبل فيه الفوله ، وربما بعد أحد الاجتماعات أخرج وأفشي بعض الأسرار ويقبضوا عليكم”! وضحك شعراوي وأدرك أن الخميسي لا يريد الانضمام إليهم.

الكاتب محمد عودة
الكاتب محمد عودة

-هذا العصركان مملوءا بالزخم والشخصيات من كان له تاثير وفضل فى حياة “القديس” ؟

يقول أحمد الخميسى:-” كامل الشناوى ساعد والدي في اقتحام مجال الصحافة في بداية حياته، وكان بينهما من النوادر والمقالب الكثير، فقد اشتكى كامل بيه للقديس من ابن شقيق له يقيم معه “اسمه سيد” وكان سيد هذا ملاكما، لكنه كان يتطفل على عمه “كامل بيه ” ويضايقه بالتنصت على مكالماته مع “نجاة الصغيرة” التي أحبها الشناوي حينذاك ، وكان عند والدي سكرتير اسمه فكرى الجوهرى كان قصيرا ونحيفا وضعيفا، قال له والدى : “عاوزين منك خدمة يافكري” ، وشرح له موضوع سيد ، فكرى خاف من أن سيد ملاكم، وسأل : ” وأنا ح أعمل له إيه ده ؟ “. قال له والدي: ما عليك إلا أنك تتصل به كل يوم بالتليفون وتهدده بأنه لو ما بطلش مضايقة فى عمه ها يشوف شغله وتقول له إنك مصارع وملاكم قوي جدا”. قكرى خاف ورفض لكن والدى أقنعه وقال له : ” سيد ده لا ح يشوفك ولا ح يعرفك.. خايف ليه؟”. المهم ان فكرى عمل المطلوب، وكان كل يوم يتصل بسيد ويهدده لغاية ما سيد بطل يضايق عمه فعلا. وفى يوم كان القديس ومعاه فكري عند كامل بيه بيتغدوا وكان سيد موجود، وفجأة سيطرت روح المزاح على والدي فقال لسيد : ” ده بقى فكري اللي كان كل شوية يكلمك ويهددك ويقول لك إنه مصارع وملاكم”. سيد بص لفكري النحيف الضعيف القصير بذهول، وقال: ” ده المعلم فكري اللي كان بيخوفني”! وقام ونزل ضرب في فكري! وفكرى مش قادر غير إنه يعض رجلين “سيد” وايويا يقوله يا سيد يأخى سيبه يعمل أي حاجة من نفسه! كامل الشناوى عندما سألوه مرة : ” أى حياة كنت تحب أن تعيشها ؟”. قال “حياة الخميسى .. الوى فيها ذراع الحياة كلما عاندتني” .

كامل الشناوي
كامل الشناوي

الغربة تكون أشد على من بعشقون تراب الوطمن مثل القديس كيف كانت هذه المرحلة وخاصة أنها انتهت بوفاته وانت كنت جزء من هذه التجربة ؟

والدى أيقن من البداية انه لن يستطيع أن يكتب بحرية فى مرحلة السادات ،وخاصة مع تصريحاته المتكررة بأن الديمقراطية لها انياب، فهاجر من مصر مع الكثيرين الذين أطلق عليهم حينذاك ” الطيور المهاجرة ” وكان منهم الشاعر أحمد حجازي، ومحمود أمين العالم، ونبيل زكي، وغيرهم. سافر إلى لبنان، ثم العراق، وفرنسا، وبعدها سافر للإتحاد السوفيتى وكنت وقتها طالبا في الكلية التحضيرية أدرس لغة، زارني في الكلية ولم يكن يعرف كلمة روسية واحدة، لكنه عندما استقر هناك لاحقا تمكن فى وقت قصير من مصادقة الكثيرين وكانت شقته مكانا لاستقبال الجميع، وكان يتدخل لحل مشاكل بعض الطلبة هناك، ومرة طلب منا طالب مصري أن نتدخل له لياخذ منحة دراسية، وذهبنا إلى منظمة التضامن السوفيتية ، وتحدث والدي مع موظف عادى هناك، وبعد أن مشينا قال لى : ” الموظف ده ح يبقى رئيس جمهورية”! العجيب أنه بعد وفاة والدي وزوال الإتحاد السوفيتى أصبح ذلك الموظف رئيسا بالفعل لإحدى الجمهوريات التي انفصلت. وذكرني ذلك بحكاية أنه رأى سعاد حسني، وبعد نظرتين قال : هذه البنت نجمة. كانت لديه قدرة عجيبة على رؤية الأشياء البعيدة. وفي الغربة كتب قصائده الجميلة مثل:

كسروا يراعى

لكنى حفرت على جدران مصر

أناشيدى بأظفارى

دمى هنالك مكتوب

وإن طمسوا حروفه

أجئ فى الظلماء كالنار

وحيث هم صلبونا

كلما بزغت شمس

رأى الناس فيها لون أشعارى.

-كانت وصيته أن يدفن فى مسقط رأسه فى المنصورة ، ويكون بجوار قبره شجرة ،وقال “لأنى سأعود عصفورا ، ولابد ان أجد مكانا حتى أغنى من فوق أغصانه”.

لكن مدى تأثرك به فى حياتك وكتاباتك ؟

“لم أتأثر به ككاتب ،ولكن شخصيته أثرت فى كتاباتى ،واعتقد اننى اخذت منه ما اعتبره عيوبا، أقصد عدم الاهتمام بالفلوس وعزة النفس.ويحزننى بالطبع أن مبدعا بحجم والدي”القديس “لم ينل حتى الآن أى تكريم من أى مؤسسة ، ولا رصدت جائزة باسمه بالرغم من تكريم الدولة اليومي تقريبا للكثيرين والكثيرين. على أي حال تبقى أعماله ، وشخصيته، شاعرا وقاصا ومسريحا وممثلا ومخرجا وموسيقيا ، ولعله الوحيد في الثقافة المصرية الذي تقلب بين كل الفنون، وكانت كلها ملعبه على حد قول أحمد بهجت.

الوسوم
إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: