رياضة

“غواص في بحر العباقرة”.. مو صلاح: الملك الذي أذهل أنجلترا بالتواضع والكبرياء (٥) 

يواصل الدكتور محمد المهدي رئيس قسم الطب النفسي بجامعة الأزهر ونائب رئيس الاتحاد العالمي للطب النفسي، تفسير ظواهر العبقرية المصرية  بعد نجيب محفوظ والابنودي وجاهين، يقدم دراسة جديدة حول نجم الكرة محمد صلاح، وهو كتاب أحدث ضجة كبيرة ويحمل عنوان سيرة نفسية محمد صلاح الذي لا تعرفه، الكتاب فريد من نوعه فهو عبارة عن  شرح مفصل  مصور لتفسير كل حركة من تفاعلات محمد صلاح ، يقول المهدي في مقدمة الكتاب ،كثيرا ما تعلقت القلوب بنجوم الكرة الموهوبين على مرالسنين , ولكننا في السنوات الأخيرة أمام ظاهرة استثنائية هي محمد صلاح لاعب الكرة المصري الأسطوري الذي انتقل من لعب الكرة الشراب في حواري قرية نجريج مركز بسيون محافظة الغربية إلى قمة الأندية الأوروبية وتحول إلى بطل قومي تتجمع حوله قلوب المصريين .

كتب د مهدي يفسر الانطباع النفسي عند مو الفرعون المصري الذي غزا أنجلترا، حين ترى وجه محمد صلاح لاتستطيع الالتفات عنه بسهولة فستأسرك ملامحه وشعر رأسه ولحيته الذين اكتسبوا مع وجهه بشاشة , وتشعر أنك أمام وجه مختلف عن كثيرين ممن تراهم كل يوم على الرغم من أنه بلحيته الكثة وشعره المنكوش (بعناية) يشبه الكثيرين من شباب مصر الذين تراهم كل يوم في الشوارع , وأول وأقوى ما يشدك إليه نظرة عينيه اليقظة والمنتبهة والطموحة والجادة والمصممة والطيبة في ذات الوقت مع ابتسامته الهادئة المطمئنة التي تشع نورًا أسطوريًا في وجهه الريفي البسيط , والذي يبدو وكأنه فرغ لتوه من الوضوء وصلاة الفجر . وعلى الرغم من التزامه وانضباطه وجديته إلا أنه لم يحرم نفسه من إطلاق شعر رأسه وشعر لحيته في مظهر شبابي عصري أقرب للروشنة والتحرر , وكأنه يوازن بين جوهره ومظهره , أوبين الظل والقناع , أو بين الأصالة والمعاصرة , وكأنه في حالة تصالح مع ذاته ومع سائر مكوناته النفسية , وينعكس كل هذا في ملامح وجهه المليئة بالرضى والطمأنينة والسلام , وفي ابتسامته المضيئة التي تملأ وجهه السعيد المطمئن .

لكن كيف تحول الريفي لنجم عالمي؟ تلك هي النقلة الهائلة من اللعب بالكرة الشراب في شوارع وحواري قرية نجريج الزراعية الصغيرة في دلتا مصر إلى نادي ليفربول وملاعب أوروبا والدوري الممتاز حيث عباقرة وأساطير الكرة العالمية , تلك النقلة حدثت في زمن قصير نسبيا, ويبدو أن صاحبها محمد صلاح كان يتحلى بمجموعة جوانب نفسية وعبقريات شخصية ومهنية وأخلاقية أهّلته لأن يعبر الكثير من الحواجزوالعقبات بثبات ملفت للنظر وبسرعة لا يكاد يتوقعها أحد وباستقرار نفسي ومهني وأخلاقي في ظروف بطبيعتها مزلزلة لأي تكوين نفسي عادي أو حتى متميز .

محمد صلاح برفقة اصدقائه
محمد صلاح برفقة اصدقائه

فالموهبة وحدها لا تصنع النجاح مهما كانت قوتها , إذ لابد من ذكاءعقلي ووجداني واجتماعي لإدارة الموهبة والحفاظ على استمرارها وتوهجها , وهذا ما يتبدى في حالة محمد صلاح , إذ يجمع بين الموهبة وبين ذكاء حاد (يطل من عينيه بوضوح) يرعى هذه الموهبة ويمهد لها الطريق ويذلل أمامها المصاعب ويحميها من التناثر أو الإحتراق، فمحمد صلاح الذي ولد عام 1992م في أسرة فقيرة لم تستطع تحقيق حلمه في التعليم الجامعي، ويضطر للالتحاق بمعهد اللاسلكي يصبح بعد سنوات أسطورة الكرة العالمية محققا الإنجازات التي لا حصرلها ،حاز جائزة أفضل لاعب إفريقي صاعد لعام 2012 , ثم جائزة لاعب الموسم في نادي روما 2015/2016 , وكان أول لاعب مصري يفوز بجائزة أفضل لاعب في الدوري الإنكليزي , ثم اختير ضمن التشكيلة المثالية لبطولة الأمم الأفريقية عام 2017 , وحاز جائزة لأفضل لاعب أفريقي. وأصبح من أفضل ثلاث لاعبين في العالم .

سر الاستقامة وتواضع في كبرياء عجيب مدهش

يقول د المهدي في الكتاب تبدو الاستقامة أحد عوامل النجاح المهمة عند محمد صلاح فحياته تتسم بالإنضباط الشديد والإلتزام المهني والأخلاقي والشخصي , فعلى الرغم من نجاحاته المبهرة وعبقريته الكروية العظيمة وشهرته ونجوميته وكاريزمته , إلا أنه لم ينجرف مع ما انجرف فيه من هم في مثل هذه الظروف أو حتى أقل بكثير , فلديه حالة ثبات عجيبة أمام إغراءات وإغواءات الشهرة والنجومية , ولديه موقف متواضع في كبرياء تتحدى كل إغراءات الغرور وانتفاخ الذات , وهذه عبقرية أخرى تضاف إلى عبقريته الكروية . ويشير عمدة قريته إلى هذا البعد المهم في شخصية صلاح بقوله : إن صلاح ورغم احترافه في أكثر من نادٍ أوروبي مازال يصر على قضاء إجازته السنوية في مسقط رأسه، ولا يتأخر عن مشاركة أبناء القرية في أفراحهم وأحزانهم، ودائمًا يحرص على قضاء العيد وسط أسرته وأصدقائه، فضلاً عن قيامه بأعمال الخير في القرية، مضيفًا أن صلاح ومنذ عهدناه طفلاً لم نشاهده إلا مواظبًا على الصلاة وقراءة القرآن والمشاركة في المناسبات الاجتماعية التي تخص أبناء قريته، كما لم نشاهده يومًا ما متورطًا في مشاجرة أو متلفظًا بلفظ غير لائق، فلم نر منه إلا كل خير وكل جميل .

محمد صلاح وسط أهالي قريته
محمد صلاح وسط أهالي قريته

 رفض الزمالك له جعله يتحدى نفسه نحو النجاح

كتب دمحمد المهدي ، محمد صلاح يتمتع بمجموعة عبقريات على مستويات نفسية متعددة نذكر منها :عبقريته الأخلاقية , وتتبدى فيقدرته على الاحتفاظ بتوازنه أمام بريق وإغواءات الشهرة والنجاح , وقدرته على الثبات والتوجه مباشرة نحو أهدافه في تحقيق أعلى مستوى من الأداء يتجاوز به كل المستويات المعروفة محليا وعالميا , ويجعل النجوم العالميين يتراجعون وراءه واحدا بعد الآخر , وهو منطلق كالصاروخ نحو هدف لا يعرفه أو يتوقعه أحد , فيبدو أن سقف طموحه أعلى بكثير مما يتوقعه الناس . وعلى الرغم من كثرة معجبيه وكثرة أسفاره وتحركاته وصوره , لم تلتقط له أي صورة في وضع غير مناسب, وغالبية صوره تراها في الملاعب مع الكرة , أو يداعب ابنته “مكة” , أو يتزلج على الجليد , أو يزور الأهرامات , أو أمام برج إيفل , أو أمام المسجد الأقصى في القدس , أو يصطاد سمك , أو يسبح في الماء وحيدا , أو مع أطفال قريته .

سر عبقرية الوقت عند صلاح

هل فعلا هناك شئ يسمي عبقرية الوقت عند صلاح ؟ هذا السؤال أجب عليه د مهدي في الكتاب  – في دراستي أثبت فعلاًعبقرية الوقت لديه , وتظهر في انطلاقته السريعة جدا من طفل يلعب الكرة في قريته الصغيرة , ثم ينتقل إلى نادي المقاولون العرب , ثم يدق على أبواب أندية الدرجة الأولى مثل نادي الزمالك , وحين لم يوفق في الإلتحاق به, تطلعت عيناه الصاحيتين المفتوحتين عن آخرهما إلى الآفاق العالمية والاحتراف الدولي , وحين يصل إليه لم يركن إلى مكانته في ناد واحد , وإنما ينتقل وبسرعة من ناد إلى ناد أفضل , وانتقالاته ليست اندفاعات متهورة , أو تقلبات انفعالية , أو خلافات مع الإدارة , أوقفزات في الفراغ , أو عقوبات فنية أو إدارية , وإنما نقلات محسوبة ومتوجهة نحو المعالي والتميز ثم التميز الأعلى بلا نهاية , فهو لا يضيع لحظة دون عمل وإنجاز على طريق يرى بداياته ونهاياته بوضوح شديد, ولا يلتفت يمينا أو يسارا إلى شيء يعطله ولو لحظة عن تحقيق هدفه. ولا يتخيل أحد كيف كان محمد صلاح وهو طالب صغير يخرج من مدرسته كل يوم في العاشرة صباحا بإذن خاص من إدارة المدرسة لكي يسافر على أربعة مراحل من قريته إلى نادي المقاولون العرب ليتدرب هناك حيث يقطع المسافة فيما لايقل عن ثلاث ساعات ذهابا ومثلهم إيابا , ويكرر ذلك لسنوات بإصرار عجيب مع ما يمثله ذلك من إرهاق شديد وحرمانه وهو ما يزال طفلا مما يتمتع به أمثاله من اللهو واللعب أو حتى الراحة والاسترخاء .

كما رصدت الدراسة سر عبقريته الأسرية , وتتبدى في استقراره الأسري من حيث انتمائه لأسرة مصرية ريفية بسيطة واعتزازه بذلك الانتماء والارتباط القوي بأسرته وقريته ووطنه , وارتباطه بزوجته وابنته على الرغم من دوائره العالمية التي تتسع يوما بعد يوم ومعجبيه ومعجباته الذين يملأون الدنيا ويتشوقون إلى نظرة منه , وهذا الاستقرار الأسري ربما يحميه من انزلاقات كثيرة يقع فيها من هم في مثل ظروفه ويكلفهم ذلك تضييع الكثير من طاقاتهم ووقتهم وتميزهم . ومن المعتاد في الأسر المصرية التقليدية أن تقف أمام انشغال أبنائها بلعب الكرة وتعتبر ذلك تضييع لوقتهم وانشغال عن دراستهم التي يعتبرونها أهم من ممارسة أي رياضة , ولكن هذا لم يكن موجودا في أسرة محمد صلاح إذ كان والده يشجعه على تحقيق حلمه , على الرغم من أن هذا الحلم لم يكن واضحا في ذلك الوقت . وقد حرص صلاح على أن يصطحب والديه وإخوته إلى أوروبا , وأن ينزل من أوروبا عام2013م زاهدا في فتياتها ليتزوج فتاة محلية من القرية هي صديقة طفولته ماجي محمد وينجب منها ابنة سمّاها “مكة” (ذلك الإسم الذي يعكس الخلفية الدينية لدى صلاح وزوجته) , ليشكل هذا الكيان الأسري قاعدة انطلاق ثابتة وراسخة , ولكي تحميه هذه الدائرة الأسرية من مغريات وغوايات الحياة في أوروبا خاصة لمن هم في مثل شهرته. ومن حسن حظه أنه نشأ في أسرة كروية فوالده كان لاعبا مميزا وعمه وخاله كذلك , وكان الثلاثة يلعبون في فريق القرية , ويتمتعون بمهارات عالية , وتربى محمد صلاح وسط عائلة تعشق وتقدر كرة القدم , ولاحظ والده موهبته منذ البداية فشجعه وتعب معه كثيرا , وكان يتحمل عناء اصطحابه وهو طفل من نجريج في محافظة الغربية إلى القاهرة حيث نادي المقاولون العرب , وظل يدعمه حتى وصل إلى العالمية , وكأن القدر ساق محمد صلاح ليحقق طموحات أسرته الكروية .

ويذكر أن الطفل محمد كان تبدو عليه ومنذ الصغر الموهبة الكبيرة، فقد كان يغازل الكرة “بطريقة مارادونية”، وتنبأ له الجميع بمستقبل باهر،وعقب وصوله لسن السابعة ألحقه والده بأندية المحلة وبلدية المحلة التي تبعد عن مركز بسيون بحوالي 30 كيلومترًا، وبسبب المسافة الكبيرة،والإرهاق الشديد الذي كان يعانيه الطفل الصغير نتيجة السفر يوميًا للتدريب، قام والده بنقله لنادي بسيون القريب من القرية.

وقد كان انتقال محمد صلاح لفريق المقاولون صدفة عجيبة فقد كان أحد الكشافين للمواهب الصغيرة ويدعى رضا الملاح قادمًا للقرية لمشاهدة لاعب اسمه شريف لضمه لنادي عثماسون التابع لشركة المقاولون العرب، وفور وصوله لمركز شباب القرية لمشاهدة شريف طلب منه أن يشارك زملاءه الصغار في تقسيمة كروية لرؤيته على الطبيعة ،وكان من بين هؤلاء الأطفال الصغار محمد صلاح، وبدأت التقسيمة وانبهر الكابتن رضا الملاح بمحمد صلاح وناداه وطلب منه مقابلة والده،حيث اتفق معه على ضم ابنه لنادي عثماسون .

حبيبة صلاح سر من أسرار النجاح

ولعل قصة الحب الجميلة في حياة صلاح ؟ لعبت دوراً مهماً ،يحكيعنه أهل قريته أنه ارتبط بقصة حب مع زميلته في المدرسة الإعدادية ،وهي من أبناء القرية أيضًا، وبادلته الحب، ولكن لم يسمع أحد بهذه القصة ، فلم يلتقيا ولو مرة واحدة ، بحكم العادات والتقاليد، ولكن كان حبهما صامتًا، وعقب احترافه في نادي بازل السويسري استغل صلاح أول إجازة يحصل عليها من ناديه الجديد ، وتقدم لوالدها بعد سنوات طويلة من الحب الصامت الراقي والنظيف , وتمت خطبتهما وزواجهما في حفل بهيج ، وأصر صلاح على إقامته في القرية ومشاركة أهالي قريته لفرحته .وهي عبقرية انتمائه , فهو دائم التردد على قريته خاصة في رمضان مع عطاءات مادية ومعنوية كثيرة لأهل قريته فأعطى تبرعات لمدرسته القديمة , وهدايا لأطفال القرية , وساعد في شراء مستلزمات الزواج لعدد من الشباب الفقراء , وهو يفعل ذلك في صمت , ولم يرد منه وجاهة أو مدح أو شهرة فهو في غنى عن كل ذلك , وإنما فعله لبذرة خير في داخله ولشعوره الدائم بالانتماء لهذا المجتمع القروي البسيط والصغير .

عبقريته في البعد عن الصراعات المستنزفة للطاقة , فلم نره يدخل في حوارات أو منازعات أو خلافات أو استقطابات مجهدة مع أحد , فهو يضن بوقته وجهده على أي شيء من ذلك , إذ لا يوجد لديه وقت يضيعه في أي شيء من ذلك , وبالتالي حافظ على كل وحدة طاقة وعلى كل وحدة زمن ليندفع كل يوم إلى تحقيق تميز جديد والارتقاء إلى مستويات أعلى وغير متوقعة في الأداء .

عبقريته في البعد عن الاستقطابات السياسية أو الدينية , إذ تعلم صلاح الدرس من نجوم سابقين فنأى بنفسه عن أي تصريحات أوسلوكيات تجعله محسوبا على تيار سياسي أو ديني معين فظل محبوبا ومقبولا ومعشوقا من الجميع كبارًا وصغارًا.

مشهد مبارة الكونغو الأسطوري يفسر لغة الجسد

وفي أحدي أهم فصول الكتاب يفسر د مهدي لغة الجسد عند محمد صلاح تعكس الكثير عن شخصيته وعبقريته ففي أكثر صوره تراه مرفوع الرأس متطلعا إلى الأمام وإلى أعلى , أو تراه وكأنه يطير , أوتراه فاتحا ذراعيه للنجاح ومبتسما في رضى , وقد كان المشهد القصير في مبارة الكونغو يوم 8 أكتوبر 2017 م مجسدًا لما هو أكثرمن ذلك , فقد عايش محمد صلاح الحدث بكل مراحله وتنوعت مشاعره وتعبيراته بشكل طبيعي جدا ومذهل جدا , فمن المعروف أننا أمام أي حدث صدمي نمر بعدد من الحالات النفسية أولها الصدمة , وثانيها الإنكار وثالثها الغضب ورابعها الحزن وخامسها التعافي والعودة إلى الحياة الطبيعية أو الإستمرار في حالة الحزن والإنكسار , أما ماحدث لصلاح فكان أكثر ثراءا من ذلك وتداخلت بعض المراحل في بعضها البعض وتواصلت تلك المشاعر مع مشاعر وتعبيرات ملايين المشاهدين والمعجبين فكأنه كان مايسترو يعزف سيمفونية وجدانية مع ملايين البشر , فقد شعر بالصدمة وظهر على وجهه الذهول حين سجل فريق الكونغو هدف التعادل في الدقائق الأخيرة للمباراة والذي يعني عدم تأهل مصر لكأس العالم , وراح يضرب وجهه بيديه في حسرة وألم, وراح ينظر وكأنه لايصدق أن ماحدث قد حدث , ثم يسيطر عليه حزن شديد يستجيب له بإلقاء جسده في حركة انبطاح على الأرض ويدفن رأسه بين يديه وكأنه لايحتمل رؤية المشهد , وهنا يتداخل الحزن مع الإنكار , ثم يحاول رفع رأسه للحظة قصيرة ولكنها تسقط منه على الأرض مرة أخرى في تعبير يائس حزين , إذ لم يتبق على نهاية المباراة غير ثلاث دقائق , ولكنه مع ذلك لم يستسلم فبدأ بتحريك ذراعيه ورجليه ليقوم من وضع الإنبطاح في محاولة لقبول الأمر الواقع والتعامل معه , وحين يقف منتصبا يعاوده شعور بالحزن والأسى والندم فيضرب بيديه على رجليه, ويشعر هنا بقلة الحيلة فيدفع بذراعيه إلى الخلف محاولا شد أزره , ثم يشبك يديه خلف رأسه وتعلو وجهه علامات الحزن الممزوجة بالحسرة والغضب , ويتحول الغضب إلى صرخة بأعلى صوته , وفجأة تتغير الصورة فتظهر في عينيه نظرات التحدي والإصرار ممزوجة بألم وحزن وغضب , وفي ثوان قليلة تظهر على وجهه علامات الأمل فيرفع يديه وذراعيه ويرفرف بهما لأعلى وكأنه يستحث نفسه وزملاءه والجمهور لمواصلة الجهد ومواصلة التشجيع , ويستجيب الجميع لهذا النداء العبقري النادر , ويدب الحماس في أوصاله فيصفق وكأنه منتصر , وهذا حدس عجيب , فكأنما يقرأ ما سيحدث فعلا بعد دقيقتين حيث يسجل هدف الفوز في الدقيقة الأخيرة للمباراة ويصعد الفريق المصري لكأس العالم , ويرفع محمد صلاح إصبعي يديه السبابة إلى أعلى متطلعا نحو السماء حامدا شاكرا. هل يتصور أحد أن هذا السيناريو يحدث وتلك المراحل الوجدانية تتحقق وتتابع وتتداخل في دقيقة واحدة , وكأن هذا المشهد يعكس في تكثيف شديد سيناريو حياة هذا البطل الاستثنائي من حيث الثراء والتنوع والسرعة والتحولات المتجهة نحو الانتصار في أحلك الظروف وضد قوانين المنطق والواقع المحبط .  حقا هذا المشهد الفريد الذي تناقلته كل المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي يلخص جوانب عبقرية وشخصية محمد صلاح أيقونة النجاح والطموح والتميز والانتصار ليس فقط في المجال الكروي بل في المجال الحياتي والإنساني .

…………..

في الحلقة القادمة عبقرية الفول والطعمية ، عبقرية ثورة يناير ، وعبقرية النكتة الساخرة في حياة المصريين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock