رؤى

صبا محمود.. من الهندسة المعمارية إلى الأنثروبولوجيا انتصارا للفقراء

في صخب قاهرة التسعينات التي كانت تعاني من تنامي عنف الجماعات المتطرفة بالإضافة إلى أزماتها الاعتيادية- تبدأ “صبا محمود” بحثها الميداني لأطروحتها للدكتوراه حول دور المرأة في الجماعات الدينية في مصر.. حاولت “صبا” الباكستانية الأصل الأمريكية الجنسية- قبل ذلك إجراء بحثها في بلدها ثم في الجزائر التي كانت تعيش أحلك فترات ما عرف بـعد ذلك بـ “العشرية السوداء” فواجهتها هناك صعوبات جمة؛ لتحط رحالها في القاهرة باحثة بدأب عن “سياسة التقوى” الإحياء الإسلامي والشخصية النسوية وعن وأدوار بالغة الأهمية -وربما الخطورة- تقوم بها المرأة في مجتمعات الجماعات الدينية شبه المنغلقة.

تقول د.صبا “كانت القاهرة حينذاك مكانا مُفعما بالحيوية والحياة مع سجالات حول أهمية العلمانية والإسلام السياسي، وماذا يعني أن تكون  مسلما في العالم المعاصر، كانت شوارع المدينة تنبض بهذه القضايا، وغالبا لم أشعر أن المصريين مقيدون فيما يتعلق بالتعبير عن آرائهم الدينية والسياسية، لقد وجدت أنَّ الثقافة الشعبية في المدينة مفيدة جدا للمشروع الذي أردت العمل عليه؛ ولذا  بقيت”.

حملت “صبا محمود” إرثها من تجربة اليسار في باكستان ما بعد “الكولونيالية” في عهد “ضياء الحق” تحديدا -معها إلى القاهرة.. تلك التجربة التي دفعتها لترك تخصصها وهو الهندسة المعمارية الذي كان مجال بحثها للماجستير وموضوعه التخطيط الحضاري في التنمية العمرانية – إلى مجال أكثر رحابة وأعمق أثرا وهو مجال الثقافة الاجتماعية والدراسات الإنسانية “الأنثروبولوجيا”. وعن تلك الدوافع تقول: “…نعم كنت مهندسة معمارية لأربع سنوات، كنت منخرطةً في النضال ضد سياسة الولايات المتحدة الخارجية في أمريكا الوسطى والشرق الأوسط في ذلك الوقت، وأدركت عندما اندلعت حرب الخليج الأولى بأنَّ هناك العديد من الأسئلة الملحة التي ساهمت الحرب في جلبها إلى الواجهة، والتي -أنا نفسي- لم أجد لها إجابة، أسئلة تتعلق بالمشهد السياسي والاجتماعي المتحول في العالم الإسلامي، وصعود السياسة الإسلامية وما يُشكّله هذا من تحدٍ بالنسبة لنا نحن الذين نشأنا مؤمنين بوعود القومية العلمانية لبناء مستقبل مختلف، أصبحت الحركات الإسلامية المُعبِّر الأساسي للمعارضة السياسية في مختلف الدول الإسلامية في أعقاب الثورة الإيرانية في عام 1979”.

الثورة الإسلامية الإيرانية
الثورة الإسلامية الإيرانية

وتضيف د. صبا أنها رأت ذلك التحول أنفع للبسطاء من بناء بيوت لهم ما تلبث الآلة الرأسمالية أن تنتزعها منهم، أو أن ترغمهم على دفع ثمنها أضعافا مضاعفة. وتكمل” كان على الفقراء أن يفهموا عالما ألغى إلغاء كاملا إمكانيَّة وجود حياة هانِئة، وضرورة دأبهم على إعادة بناء هذه الإمكانية من خلال مواءمة أنواع مختلفة من الممارسات والعادات”.

تلك الرؤى المتأثرة بروافد ثقافية عديدة كانت تحتاج إلى إثراء عملي على نحو ما يمكن من خلاله البرهنة على عدم جدوى ذلك الصراع القائم منذ زمن في منطقتنا بين عدد من الثنائيات المغلقة التي لم تستدع سوى درجة أكبر من عدم القبول، ولم تنتج سوى خرابا أيدلوجيا وضياعا معرفيا جعل النقد العلمي في وضعية خطيرة حسب تعبيرها. لذلك أكدت د. صبا على أن الخروج من هذا المأزق التاريخي لا يكون إلا من خلال المشروع النقدي الذي يقوم على الدفاع عن الحق في الاختلاف والتعددية الحقيقية لا التي تقوم على تباينات خادعة.

هل العلمانية هي الحل؟

في إطار نقدها لعدد من المفاهيم شبه المستقرة الناتجة عن تسويق تسليعي لأفكار بعينها ما حولها في نهاية الأمر إلى حالة أقرب إلى الطوباوية أو الرومانسية تشير د. صبا إلى أن ذلك النسق الفكري مثَّل مع الوقت جنوحا شديدا؛ ابتعد بالمفهوم عن سياقه الفكري والفلسفي، وهذا ينطبق على العلمانية في المقام الأول “…فالتسامح والتعايش اللذان يمثلان جوهر العلمانية لدى البعض ليسا إلا نزعا للمفردة من سياقها التاريخي، وهو ما يعد تكريسا لعدم وضوح المفهوم و”مطاطيته” واستعصائه على التحديد، كما أن الانتقال بالمفهوم ذاته إلى الحركية؛ كادعاء تأسيس تيار علماني، أو حركة اجتماعية علمانية، لا يشكل في حقيقته سوى تورُّم أو نتوء يُخرج المفردة من سياقها التاريخي منبئا عن أزمة حقيقية لدى النخب، وقصور شديد في التناول الفكري والفلسفي”.

ترى د. صبا العلمانية كمفهوم إشكالي فكري، وتُرجع ذلك إلى ارتباطه بالتاريخ اللاهوتي المسيحي، وبالسياق التاريخي الأوروبي، وبسبب ما يمكن تسميته بضجيج الصراع الأيديولوجي- استقر في مخيلة الفرقاء مجموعة من المفاهيم اختلطت فيها العلمانية باللادينية والأيديولوجيا مما أوقعها في مأزق تلخصه د. صبا في نقاط ثلاث.

هل النقد علماني

أولي هذه النقاط تلك الأهمية الكبيرة غير المبررة التي نوليها للعلمانية على حساب قضايانا الأخرى سياسية كانت أم اجتماعية أو ثقافية، وما يستتبع ذلك من النظر إلى العلمانية كحل أخير ونهائي لكل ما نعانيه من مشكلات، باعتبار أن الدين أهم أسباب تأزم مجتمعاتنا مما يمثل ضرورة أن ينحى جانبا، ويصبح ذلك هو الهدف والمحرك لدى المثقف العلماني فيصاب بخلل واضح في المعايير، خاصة معيار تحديد المشكلة؛ لأنه بالأساس يضع تصورا مسبقا لها مما يقعد به عن البحث الجاد، ويوقعه في حال الرفض والإقصاء.

في النقطة الثانية تشير د. صبا إلى أن تحول العلمانية إلى أيديولوجيا عقدية لدى بعض الفئات، مع بقائها كقالب فكري يحتوي حلولا للمشكلات الثقافية والاجتماعية والسياسية يجعل من العلمانية “عقيدة صدامية وإن لم تبرز في الوهلة الأولى، لكنها ستتحول إلى راديكالية صماء لا تعترف بشيء” وهذا ما يقودنا إلى النقطة الثالثة وهي تحول العلمانية إلى “دوجما” أي مذهبية مغلقة لا تتغير ولا تتبدل، كما “أصبحت مرادفا للإلحاد مما جعلها تيارا يواجه “الخطيئة الدينية”  ووضع العلمانية في مواجهة الدين؛ يجعلها مفهوما مساويا للدين، “وهنا بقصد أو بدون قصد يتم الخلط بين العلمانية وبين اللادينية”. وتذكِّر د. صبا بأن مصطلح العلمانية قد نشا كمصطلح ديني في الأساس للتمييز بين الرهبان المنقطعين لخدمة الرب، والكهنة العاملين في النواحي الدنيوية ورعاية المؤمنين.

لذلك تعتبر د. صبا أن نشوء العلمانية هو بالأساس نشوء الدولة الحديثة التي طلبت أسباب التفوق على السلطة الدينية التي سيطرت على المجتمع واحتكرت العنف-باسم الدين- فكانت تلك الدولة استجابة لرغبة المجتمع في ابتكار سياسة مستقلة غير دينية؛ فكانت الدولة الحديثة وريثا لتلك السلطة الدينية إذ آلت إليها كل ممتلكاتها، وما كانت تتمتع به من صلاحيات كتحديد معنى الدين ووضع سياسات التعليم، بالإضافة إلى إعادة صياغة هوية المجتمع وفق رؤية مغايرة للتاريخ.. مما سبق “نفهم أن العلمانية مفردة متعلقة بفكرة الدولة، وليست أيديولوجية لفئة معينة، إنها المفهوم الذي يفصل بين عمل الدولة الزمني وعمل المؤسسات الدينية” وكما سبق أن كشفت د. صبا عن كون العلمانية فكرة دينية تمييزية تشير إلى أن فكرة التمييز صارت حاضرة بقوة في الحياة العامة كمثال تقسيم النخب إلى نخب سياسية ونخب دينية “حتى الدول التي تدعي أنها دينية مثل السعودية تعتمد سياسة قد نعتبرها نوعا من أنواع العلمانية، مثل صياغة مفهوم الدين وإعادة تشكيل التدين المناسب للدولة، ومن أبرز تجلياتها ما يعرف بـ وزارة الأوقاف التي تؤكد من خلال أدوارها أن الدولة تهيمن على الدين وليس العكس، وهذا هو غرض رئيس لنشوء العلمانية.

لا تستنكف د. صبا محمود أن تعلن أن الآمال المتعلقة بقدرات الدولة العلمانية على إنهاء الصراع القائم على التحيزات الدينية- هي آمال تنطوي على سوء فهم لما يجب أن تكون الدولة محايدة حياله، فهذه الدولة لا ترغب –في الحقيقة- في نزع التسيس عن الدين؛ إنها تحاول فقط إقصاءه عن المجال العام، وهو كما تقول صبا لا يمكن أن يكون هو المشكلة القصوى؛ لآن الدولة الليبرالية وفق هذا التوجه الذي تنزع فيه صفة التسيس عن المواطنين وتغلق المجال العام، وتعمل بوصفها “وسيطا مراوغا” تصبح هي المشكلة بامتياز!

الاختلاف الديني في عصر علماني

وتستشهد د. صبا بما حدث في مصر من تحولات اقتصادية بدأت في السبعينات من القرن الماضي ومازالت مستمرة، وتسميها عملية “اللبرلة الاقتصادية” وما تضمنته من إجراءات انفتاحية كرفع القيود والخصخصة، أنها قد أدت فعليا إلى جعل “المؤسّسات الدينيّة أكثر مركزيّة للحياة المدنيّة والاجتماعيّة”. وهو ما يؤكد التماهي بين الدولة العلمانية “الليبرالية” والأنظمة السلطوية، والاستغلال الأسوأ للدين وتوظيفه كمبرر لتمرير السياسات التي لا تضع مصلحة الشعوب كأولوية لها.

في الأخير تؤكد د. صبا على أننا أمام أزمة نخبوية تتجلى في التباس المفاهيم وتكشف عن مشكلات معرفية تعيشها تلك النخب التي تعتمد على السجالات والنزاعات الأيديولوجية، وهذه السجالات دوما تفسد الحياة الثقافية وتعمل على تنميط المجتمع وقولبته بل اختصاره بين تيارين متعارضين، وهذا في الحقيقة تصور بدائي وغير حضاري. وترى د. صبا أن الدفاع عن حق الاختلاف والتعددية في الفهم والتفسير، وإعلاء قيمة النقد والموقف المعرفي بدل الموقف الأيديولوجي الذي يغتال العقل والمعرفة، هو سبيل المجتمعات التي تتكاثر فيها الميكروبات الفكرية إلى الخروج من تلك الأزمة المستحكمة.

عن الغرب ودعم الحركات الإسلامية والأنظمة السلطوية

تقول صبا “إن بعض التدقيق الذاتي والشك ضروريان فيما يتعلق بالیقین تجاه التزاماتي السیاسیة الخاصة، عند محاولة فھم حیاة الآخرین الذین لا یشاركونني بالضرورة ھذه الالتزامات. ھذا لیس ضربا من السخاء ولكنھا تولد من إحساسي بأنا لم یعد بإمكاننا أن نفترض بغرور أن أنماط الحیاة العلمانیة والعلمانية في تركیباتھا التقدمیة تستنفذ بالضرورة سبل المعیشة الھادفة والثریة في ھذا العالم. لقد قادني ھذا الإدراك إلى تضییق مدى الیقین السیاسي لدي بما أني أكتب تحلیلیا حول ما یبعث الحیویة في أجزاء من الحركات الإسلامیة وقد اضطرني ھذا إلى رفض أن یكون موقفي السیاسي تلك العدسة اللازمة التي ینبغي لتحليلاتي  أن تمضي قدما من خلالھا”.

وفي محاولة منها لكشف الدور الذي قامت به الحكومات العلمانية “الليبرالية” في دعم توغل الحركات الإسلامية في مجتمعات الشرق الأوسط تشير صبا إلى وجود منظمات الرعاية الاجتماعية التي تصاعدت أدوارها على نحو متسارع ” لملء الفراغ الذي تركته حكومات الاستقلال بما أن ھذه الأخیرة تأخرت في توفیر الخدمات الاجتماعية لمواطنیھا في ظل ضغوط الاقتصاد النیولیبرالي”.

سياسة التقوى

أكدت د. صبا أيضا على أن التفرقة الصارمة بين الدول الليبرالية والأنظمة السلطوية في الشرق الأوسط هي تفرقة متوهمة وغير ناجعة “لأنّها لا تعالجُ بصورةٍ كافيةٍ نمط الحكم السياسيّ الذي يتمّ تقاسمه عالميّا عبر الانقسام الجغرافيّ بين الدّول الغربيّة واللاغربيّة” كما أن الممارسة العملية أثبتت زيف كثير من القيم الليبرالية بدليل “ما يجري في ظلّ الأمن القوميّ في أمريكا الشماليّة أو في أجزاء من أوروبّا، حيث انتُهكَت كافّة أنواع الحريّات المدنيّة والحقوق الدستوريّة واستهزأت رقابة ضخمة من حقّ الخصوصيّة. هل يمكننا -بالتالي- أن نقول إنّ هذه الدّول ليست بدولٍ ليبراليّة حقّاً، أم الأمر -بالأحرى- هو أنّ التفرقة الصارمة التي نقيمها بين الأشكال الليبراليّة والسلطويّة للحكم؛ هي أكثر مساميّة في الواقع بكثير”.

للأسف الشديد انقضت رحلة الباحثة صبا محمود مبكرا في مثل هذه الأيام قبل ثلاث سنوات عن عمر ناهز السادسة والخمسين.. لكن ما حققته من منجز علمي مازال بين أيدي طلابها في جامعة كاليفورنيا بركيلي وفي كثير من جامعات العالم- يعتبر مشروعا شبه مكتمل يمكننا الاستفادة منه على أكثر من صعيد إذا نحن أخذناه على محمل الجد.. وفي ذلك للأسف شك كبير.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock