رؤى

“آنا ماري شيمل”.. أن تكون منصفًا في عالم متحيز

المدافعة عن الإسلام في بلاد الغرب

لم تكن “آنا” الفتاة الجميلة ابنة الخامسة عشرة لتدرك أن قراءتها لقصة عربية في ذلك اليوم من عام 1937؛ سيكون سببا في ارتباطها حتى آخر عمرها بالثقافة العربية الإسلامية ارتباطا قويا سيجعل منها المدافع الأول وربما لعقود عن الإسلام دينا وثقافة في الغرب الذي راجت فيه الأكاذيب بكثرة عن الدين الحنيف اعتمادا على كتابات الموتورين من أبناء الشرق مثل: يوحنا الدمشقي،  وتيودور أبو قُرَّة، وإلياس، وعبد المسيح الكندي، وغيرهم.. ومن تلقف إفكهم وزاد عليه مخاصما الحقيقة من أمثال: “ألبرت” الكبير، و”توماس” الأكويني، و”روجر بيكون”، وصولا إلى “فرانسيس بيكون” و”بسكال” و”إسبينوزا”.. ممن لم يكلفوا أنفسهم بذل الجهد للتحقق من تلك الافتراءات الهزلية التي خطها “دانتي أليجيري” في الكوميديا الإلهية.. حتى أن المؤرخ الفرنسي “إرنست رينان” ليتعجب من هذا الانزلاق الشنيع الذي أسقط كثيرا من مفكري الغرب في مستنقع من الكراهية العمياء للإسلام وأهله.. جعلهم يضربون بالعلم ومناهجه وحقائق التاريخ الموثَّقة عرض الحائط، ويتبعون في الإساءة للإسلام ورسوله وكتابه الكريم- كل ناعق.

كانت ألمانيا مازالت تلعق جراحها من آثار ما حاق بها بعد خروجها مهزومة من الحرب العالمية الأولى.. ومع تنامي روح العداء والكراهية الشديدة لكل ما هو غير ألماني، وصل “هتلر” لمنصب المستشار عام 1933، وبدأت ألمانيا في التحول من الديمقراطية إلى الحكم الدكتاتوري لتدخل في أتون محرقة ستنتهي بها بعد نحو عقد إلى الدمار الشامل.

هتلر

في الحضارة الإسلامية والتصوف الإسلامي

في ظل هذه الأجواء المفعمة بالوحشية والرغبة في الانتقام والتدمير.. وجدت “آنا ماري شيمل” في دراسة الحضارة العربية الإسلامية وآثارها العلمية والأدبية طوق النجاة من هذا العالم المتعطش للدماء ؛ فانكبت على الدراسة بنهم شديد حتى أنها حصلت على درجة الماجستير وهي في التاسعة عشرة من عمرها وكان موضوع رسالتها: مكانة علماء الدين في مصر في العصور الوسطى المتأخرة، وقد ونشرت الرسالة عام 1943 في مجلة “عالم الإسلام” تحت عنوان “الخليفة والقاضي في مصر في العصور الوسطى المتأخرة”.

ورغم صعوبة الظروف واضطرار “آنا” للعمل في قسم الترجمة بوزارة الخارجية- إلا أنها واصلت أبحاثها العلمية فأنجزت تحقيق فهارس بدائع الزهور لابن إياس.. وعن الطبيعة العسكرية لحكام الدولة المملوكية في مصر تحصل “شيمل” على درجة الدكتوراه من جامعة برلين وهي في الثالثة والعشرين من عمرها قبيل انقضاء الحرب الثانية وسقوط النظام النازي.

تنتقل “آنا” إلى مدينة “ماربورغ” بناءً على أوامر مباشرة من وزارة الخارجية لموظفيها. وهناك يُقبض عليها بواسطة القوات الأمريكية.. ونظرا لأنها لم تمارس أي أنشطة سياسية ترتبط بالحزب النازي يتم الإفراج عنها.. وعندما أُعيد تنظيم الجامعات الألمانية بعد الحرب عُيِّنَت في جامعة “ماربورغ” لتصبح أصغر أستاذة وأول سيدة تلقى بعد الحرب محاضرة عن التصوف الإسلامي الذي سيكون موضوع الدكتوراه الثانية التي ستحصل عليها عام 1951، وكانت بعنوان: مصطلح الحب الصوفي في الإسلام.

تمتعت “آنا” بقدرات فذَّة في تعلم اللغات فأجادت العربية والتركية والفارسية والأردية والسندية بالإضافة إلى إجادتها لعدد من اللغات الأوروبية.. وتشير بعض المصادر إلى أنها كانت تتحدث عشر لغات بطلاقة تامة، إضافة إلى عشر لغات أخرى كانت تستطيع قراءتها وفهمها والتحدث بها على نحو مُرِضٍ، ولم يكن اهتمامها بتعلم اللغات ليشغلها عن نيل درجة الدكتوراه للمرة الثالثة عام 1954، من جامعة “ماربورغ” في موضوع تاريخ الأديان، قبل أن تنتقل إلى تركيا للعمل بكلية الإلهيات بجامعة أنقرة، وتمكث هناك لخمس سنوات تنجز خلالها كتابها الأهم “الشمس المنتصرة” عن الآثار الشعرية لمولانا جلال الدين الرومي والذي يُعتبر من أهم المراجع في موضوعه.

الأبعاد الصوفية في الإسلام وتاريخ التصوف

في عام1961، عادت “آنّا” لموطنها لتعمل بالتدريس في جامعة “بون”، ثم انتقلت عام 1967، إلى “هارفارد” بالولايات المتحدة لتحصل هناك على درجة الأستاذية في الثقافة الهندية الإسلامية، وتستمر في عملها هناك حتى بلوغها السبعين.. كما شغلت منصب مستشارة الشؤون العلمية في مجال الدراسات الإسلامية إلى جانب عملها كأستاذة للغة العربية والعلوم الإنسانية كما أشرفت على تحرير مجلة فكر وفن وهي مجلة علمية تصدر باللغة العربية عن مؤسسة “جوته” الألمانية- لمدة عشر سنوات بداية من العام1963.. وفي عام 1970، خُصِّص لـ”آنّا ماري” كرسي تاريخ أديان الشرق في جامعة “هارفارد” وقد حرصت في تلك الأثناء على التواجد في “لندن” كل صيف لتلقي المحاضرات في مؤسسة الأبحاث الإسلامية، وجامعة “كمبريدج”. كما عملت مستشارة لشؤون الخط العربي (الإسلامي) بمتحف نيويورك لمدة عشر سنوات.

يذكر أن الدكتورة “شيمل” قد رُشحت لنيل جائزة السلام الألمانية، وهي من أرفع الجوائز قدرا في ألمانيا.. كان ذلك أثناء الأزمة التي أثارها كتاب “الآيات الشيطانية” لسلمان رشدي، وما أعقب ذلك من فتوى الإمام الخميني باستحلال دمه.. وفي حوار لها مع إحدى المجلات علقت “شيمل” على الأزمة بقولها أن الكاتب أساء لمشاعر ملايين المسلمين وقام بإيذائهم في عقيدتهم وهي أعز ما يملكون.. وأضافت أن القيمة الأدبية للعمل محدودة للغاية، وهو ما يظهر أنه كُتب بقصد التجريح والإساءة ومغازلة الجهات التي تحاول النيل من الإسلام بدعوى حرية الفكر.. وعندما سئلت عن الفتوى قالت أنها رد فعل على تجاوز غير مقبول.. وأنها لا تقبل بالعنف لكن إيذاء المسلمين على هذا النحو لا يمكن الصمت حياله.. اعتبرت دوائر عديدة في ألمانيا هذه التصريحات مُحَرِّضَةً على العنف وضد حرية الفكر والإبداع، وطلبت سحب ترشيح “شيمل” للجائزة إلا أنها صمدت ودافعت عن وجهة نظرها، وساندها في موقفها الرئيس الألماني حتى تم منحها الجائزة في احتفال كبير تحدث فيه الرئيس عن دور السيدة العظيمة في إثراء الثقافة في ألمانيا.. ناعتا من يحاول إنكار أياديها البيضاء على الشعب الألماني بأنه شخص غير منصف.

مثلت “آنا ماري شيمل” بما قدمته من إسهام فكري وحضاري جسرا بين الشرق والغرب، وقد أدركت منذ البداية نقطة التماس بين الجانبين  بما لا يخلق توترات لا تُجدي؛ فكان سبيلها إلى ذلك الانفتاح بموضوعية وإيجابية على الثقافة الإسلامية، وإدراك أهمية الحوار الحضاري والتواصل الفكري مع الآخر، والتطلع إلى التصوف كقنطرة بين الأديان والحضارات.

عملت “شيمل” على نقل صورة أمينة للإسلام إلى قطاع واسع من الغربيين، وقعوا أسرى الآلة الجهنمية للإعلام الغربي، والتي نعقت بكل ما هو شائن وقبيح عن الإسلام على مدار عقود، وبرغم ما جُوبِهَت به من اتهامات عديدة، إلا أنها لم تلتفت لذلك إذ رأت أن الغاية منه شغلها عن تحقيق رسالتها في إزالة آثار التشويه التي لحقت بالدين الإسلامي ونبيه والمسلمين، مع علمها أن كل ذلك إنما يرجع للأطماع السياسية، والمآرب الأيدولوجية التي لا ناقة للشعوب فيها ولا جمل، كما أنها كانت عميقة الإدراك للآثار المدمرة التي نجمت عن تعميق شعور العداء بين الشرق والغرب.

تقول شيمل:” إن الحضارة التي سارت على سنة تحية «السلام» تمر اليوم بأطوار من الانغلاق والتصلب الفكري وتبريرية المواقف، وإننا نجد أنفسنا اليوم إلى حد كبير أمام مظاهر صراع سياسي بحت وأيديولوجيات تستغل الإسلام كشعار وهي أبعد ما يكون عن أسس الدين وأصوله».

وعن فترة عملها بأمريكا تقول “لقد حاولت أن أقيم جسورا للتفاهم وصلات للتواصل بين الغرب والشرق، ورغم كل الأشياء الجميلة، ورغم النجاحات الكبيرة التي لم أتوقعها قط، ورغم كل الصداقات الرائعة، فإن الولايات المتحدة لم تصبح وطنا لي قط، رغم أنى شغلت منصبا ثقافيا مرموقا في جامعه “هارفارد”. وتتساءل  “أكان هذا خطأ الطائر الغريب الذى يشتاق للعودة من منفاه الغربي إلى وطنه في الشرق”!.

عيسى ومريم في التصوف الاسلام

إن المعرفة المعمقة باللغة العربية جعلت “شيمل” قريبة جدا من التعاطي الناجع مع ينابيع الإسلام الصافية، والاستغراق الكامل في فيوضات المعاني الروحانية التي يزخر بها التراث الإسلامي الصوفي الذي تعقبته “شيمل” كما لم يتعقبه أحد؛ ساعدها في ذلك إجادتها للغات الشرقية التي ذكرناها. كما أضافت إلى ذلك معرفة عميقة بالفنون الإسلامية، وعلى رأسها الخط العربي، الذي كانت تراه معبرا بجلاء عما تموج به اللغة العربية من دلالات رحبة يسمو بها الحرف العربي في تجلياته المتعددة نحو آفاق علوية.

ترجمات للشعر العربي

ولم تكتف “شيمل” بتعرف كنوز الشعر العربي- خاصة الصوفي- لكنها حرصت على ترجمته إلى عدة لغات مع شروح وتأويلات للنصوص لا تقل روعة عنها، مما يدل دلالة قاطعة على إحاطة تامة بطاقة النص وتدفقه الإبداعي الذي  كانت تراه عابرا للزمن قادرا على البقاء أنسا للنفوس إلى ما شاء الله.. ولم تكتف “آنّا” بذلك بل تطرقت إلى ترجمة أعمال العديد من الشعراء العرب في العصر الحديث مثل نازك الملائكة والسيّاب والبياتي والفيتوري وصلاح عبد الصبور وفدوى طوقان ودرويش وقباني وآدونيس وغيرهم، وقد أعطت نصوص هؤلاء الشعراء أبعادا أخرى بما قدمته من تحليلات وافية أسهمت في زيادة الاهتمام بدراسة الشعر العربي في ألمانيا وعدد من دول أوروبا.

تستحق “آنا ماري” أكثر بكثير مما حصلت عليه من جوائز وألقاب أكاديمية، فهي صاحبة مشروع ضخم وتجربة فريدة في مجال الاستشراق والتاريخ الإسلامي والتصوف الإسلامي، وهي من المستشرقين الأوربيين القلائل في القرن العشرين الذين أرسوا قواعد صحيحة في الدراسات، فقد وهبت الرؤية الاستشرافية حقها، ونطقت بحقيقتها، بلا أدنى مغالطات أو تشويه، وبعيدا عن استيلاء الغرب على الحضارات الأخرى، كما استطاعت هذه العالمة أن تكون نموذجا راقيا وأن تؤلف عبر إبحارها المعرفي ما يربو على الثمانين كتابا  بلغات مختلفة.

شاهد قبر آن ماري شيميل
شاهد قبر آن ماري شيميل

لقد كانت الدكتورة “آنّا ماري شيمل” بحق شمسا منصفة أشرقت على الإسلام وإسهامه الحضاري والثقافي الذي أفاد العالم بأسره- وسط ظلام دامس صنعه آخرون مغرضون لم يكن لهم من بغية سوى نشر الأكاذيب وإخفاء الحقائق تحقيقا لأهداف ممعنة في الغي والضلال، وفق حسابات لا تمت للموضوعية بصلة…سلام لروحك “آنا ماري شيمل” يا سيدة التسامح والسلام.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock