رؤى

العمامة الثائرة.. ذمة الإسلام وعهده

منذ دخول الإسلام الى مصر في القرن السادس الميلادي واعتناق المصريين له٫ كوَّن شعبنا فهمه الخاص للعقيدة المحمدية وما يمكن تسميته فقهاً مصرياً خالصاً.

لم يخاصم المصري الذي اعتنق الإسلام تراث بلاده السابق على دخول الدين الخاتم إلى بلده بل اعتبره قسماً من كيانه وتراثه خاصة التراث القبطي الممتد لمئات السنوات وأوجد صيغاً للعيش المشترك بين أبناء المحروسة سواء كانوا مسلمين أو أقباطاً.

وتجسد هذا الفقه المصري الداعي الى التعايش وقبول الآخر في الفكر – على سبيل المثال- في ما مثله فقيه مصري مثل الإمام الليث بن سعد الذي أوصى ببناء الكنائس لا سيما ما تهدم منها واعتبر أن بناءها يُعد من عمارة الأرض والبلاد.

شيخ الأزهر الذي انتصر للأقباط

ومن الفقهاء الذين توارثوا هذا الفكر- الذي يحرص على معاني الأخوة مع الآخر وينتصر لقيم الإسلام ومبادئه العظيمة – : الإمام إبراهيم الباجوري شيخ الجامع الأزهر والذي ولد في القرن الثامن عشر الميلادي وتحديداً عام ١٧٨٤.

الإمام الباجوري

نشأ الباجوري في بيت محب لتلقي العلم٫ حيث حفظ القرآن الكريم في كنف والده الذي أرسله الى الازهر كعادة الاهالي الطامحين الى ان يتلقى اولادهم العلم والفقه في رحابه.

وفي رحاب الأزهر تتلمذ الباجوري على يد شيخ الجامع عبد الله الشرقاوي وعلى يد الإمام حسن القويسني، والسيد داود القلعاوي والشيخ محمد الفضالي وغيرهم من العلماء الذي لاحظوا في تلميذهم علامات نجابة ونبوغ مبكرة.

وفي عام ١٨٤٧ وبعد سنوات طوال من العلم والتحصيل والتأليف في موضوعات شتى٫ وصل الباجوري الى مشيخة الجامع الأزهر واستطاع أن يجمع بين مسؤوليات المشيخة وبين الاستمرار في التدريس للطلبة.

كانت الفترة التي وصل فيها الباجوري الى المشيخة فترة مضطربة من تاريخ مصر٫ حيث أن مشروع محمد علي باشا الإصلاحي قد اٌجهض على يد القوى الأوروبية التي حجَّمت دور مصر إلى أقل قدر ممكن وحرمتها من ثمار انتصاراتها العسكرية التي أحرزها إبراهيم باشا بن محمد علي في الشام والأناضول.

وبعد حوالي عام فقط من تولي الإمام الباجوري مشيخة الأزهر وبالتحديد في 24 نوفمبر عام 1848 وصل الى كرسي الولاية في مصر حفيد محمد علي باشا : عباس الأول٫ وكانت فترة ولايته – التي لم تزد عن خمس سنوات وبضعة أشهر- من العجائب التي حدثت في تاريخ المحروسة.

عباس حلمي

يصف الكاتب الصحفي الراحل صلاح عيسى في كتابه “هوامش المقريزي” فترة حكم عباس بأنها “سنوات سود” مرت على مصر وشعبها٫ ففي عهده “أُغلقت المدارس” ونُفي المفكرون ورجال التربية والتعليم من أمثال رفاعة الطهطاوي الذي نفاه عباس الى السودان كما دُمرت “المصانع والفابريكات” التي تأسست في عهد جده محمد علي باشا وهو الأمر الذي وافق هوى أوروبياً يأبى أن تكون مصر بلداً مُصنعاً ويريدها سوقاً لمنتجاته فحسب.

ويرجع عيسى هذه السياسات الى شخصية عباس نفسه حيث كان “شديد التطير والتوجس” وكان يشك في كل من حوله فبنى لنفسه قصوراً في الخلاء لكي يكون بعيداً او بمنأى عن من تصور أنهم يتآمرون عليه.

وإضافة الى كل ما سبق فقد كان عباس يتصور أن أقباط مصر يبغضونه و يعادونه وبسبب ارتيابه غير الطبيعي فقد تفتق ذهنه عن فكرة عجيبة وهو أن ينفي الأقباط الى أقاصي السودان.

وهنا قُدر للإمام الباجوري ان يلعب دوراً ذكره له التاريخ٫ فقد استدعاه عباس الى قصره لكي يستفتيه و يستشيره في فكرته العجيبة وكان يرجو أن يفتي الإمام بجواز ذلك ويمنح تطيره قدراً من الشرعية.

هوامش المقريزيإلا أن الإمام الباجوري العارف بتاريخ مصر وفقهها صُدم من الفكرة التي ألقاها عليه الباشا وقال على الفور “أي النصارى تعني يا افندينا٫ ان كنت تعني الأقباط منهم٫ فهم بعض أهل البلاد والحمد لله أنه لم يطرأ على ذمة الإسلام طارئ ولم يصبها خلل حتى تبيح الغدر بمن في ذمته الى يوم القيامه٫ اما اذا كنت تعني الأوروبيين٫ فلك أن تدرس الامر بما يوجبه حسن السياسة لانني أخشى أن تُضَّر بهم بلادنا ما أصاب الجزائر”.

وكان الامام هنا يشير الى اتخاذ فرنسا الاوروبيين المقيمين في الجزائر كحجة لكي تحتل ذلك القُطر العربي عام ١٨٣٠.
ويصف عيسى الإمام في هذا الموقف بانه “لم يكتم كلمة الحق وقالها دون خوف” في وجه طاغية غشوم٫ وهو ما سبب حرجاً بالغاً لعباس الذي وقف بحدة وأنهى المقابلة والحوار برمته وعدل عن فكرته تجاه الاقباط فلم يعد إليها.
كانت نهاية عباس رغم كل تطيره وحذره هي الاغتيال على يد بعض خدمه في قصره في بنها اما الامام الباجوري فظل محتفظاً بمكانته الرفيعة في الازهر بين طلبته وشيوخه حتى لقي وجه ربه عام ١٨٦٠ وبقي أقباط مصر في ذمة الإسلام وعهده حتى يومنا هذا.

المصادر:

صلاح عيسي – “هوامش المقريزي”- دار الكرمه- القاهره- ٢٠١٩.

https://www.dar-alifta.org/AR/ViewScientist.aspx?sec=new&ID=37&LangID=1

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock