رؤى

المشايخ.. نخبة استعادة الدولة.. ظهور النخبة والثورة والدولة (5 – 5)

انقسام النخبة وتأسيس دولة محمد على

لقد فطن الكتاب الأوروبيون وخاصة الكاتب الفرنسي فولابل أحد كُتَاب “كِتَاب في وصف مصر” إلى ما في ثورة مايو 1805 من معني سياسي كبير، حيث قال: ” إن الحوادث التي سردناها تسترعي النظر، فلأول مرة يقع تغيير سياسي خطير في ولاية من ولايات السلطنة العثمانية بإرادة الشعب وباسم الشعب، ولا جدال أن المطالب التي فرضها المشايخ على خورشيد باشا، تدل على ما كانوا  يشعرون به من الحاجة إلى أخذ الضمانات الكافية لمراقبة الحكومة، وهو الشعور الذي كان مجهولاً في الشرق”

إذا كانت أول مرحلة من مراحل الحركة الوطنية في تاريخ مصر الحديث  هي المقاومة الشعبية التي اعترضت الحملة الفرنسية، وإذا كان الترك والمماليك والإنجليز هم القوى الفاعلة على أرض مصر آنذاك فهناك   قوة  رابعة  ظهرت على مسرح الصراع السياسي في مصر، تقودها النخبة الوطنية الأولى ” نخبة المشايخ ” بعد جلاء القوات الفرنسية، أخذت تنمو ويشتد ساعدها، دون أن تأبه لها تلك القوى الثلاثة أو تحسب لها حساباً، تلك هي قوة الشعب المصري، حيث لم يستطع الترك ولا المماليك ولا الإنجليز أن يهزموها.

وكان من نتائج عودة الروح القومية بعد انتهاء الحملة الفرنسية، ثورة الشعب على حكم المماليك، ثم على الوالي التركي، ثم المناداة بمحمد على والياً مختاراً على مصر، ثم إخفاق الحملة الإنجليزية التي جردتها  بريطانيا  لتحقيق أطماعها في وادي النيل وهزيمتها في رشيد والحماد.

بدأت هذه القوة تظهر لأول مرة في الميدان – بعد قرون عديدة-خلال الثلاث السنوات التي قضاها الجيش الفرنسي في البلاد، حيث ظهرت الأمة بشخصية جديدة. فقد ثارت في وجه الحكم الفرنسي غير مرة، فاعتادت مقاومة الاضطهاد ومكافحة القوة المسلحة، فقاومت نابليون قاهر الملوك ومزلزل العروش. ورأت خلاصة علماء فرنسا وأطبائها ومهندسيها يعرضون عليها آثار علمهم، وتجاربهم، وحضارتهم. ورأت ديواناً مؤلفاً من صفوة أبنائها بعد أن كان الديوان القديم مقصوراً على المماليك.

قادة الشعب وزعماؤه

عندما طويت صفحة الغزو الفرنسي، ظل الشعب يدافع عن كيانه وأبى أن يعود إلى نظام الحكم القديم، حكم المماليك وحكم الأتراك. ظهر للشعب خلال تلك السنين زعماء معدودون، كونتهم الأحداث وثقفتهم التجارب، فكان لهم فضل كبير في إظهار شخصية الأمة، وتوجيهها لما فيه خيرها وصالحها. نالوا هذه الزعامة بما كان لهم من المقام المحمود بين الناس قبل الحملة الفرنسية، وما أكسبهم اضطهاد الفرنسيين من المحبة والجلال. وما اشتهروا به من نصرة المظلوم وحماية الضعفاء في وجه القوة والظلم.

وقد ساعد على زيادة نفوذهم بعد جلاء الفرنسيين، أن التنازع بين المماليك والأتراك قد أضعف مركز الفريقين. فظهر لزعماء الشعب صوت مسموع في حكومة البلاد،  وعزل الولاة وتعيينهم. فالنفوذ الجديد الذي اكتسبه الشعب وزعماؤه هو من أكبر مميزات سنوات الانتقال التي أعقبت الحملة الفرنسية.

ونخص بالذكر من كانوا أكثرهم عملاً وأكبرهم أثراً في سير الحوادث وتطورها. وهم: السيد عمر مكرم – السيد محمد السادات – الشيخ عبد الله الشرقاوي – الشيخ محمد الأمير – الشيخ سليمان الفيومي – الشيخ مصطفى الصاوي – الشيخ محمد المهدي – السيد أحمد المحروقي.

أولئك هم قادة الشعب وزعماؤه في فجر النهضة الوطنية، فهم أصحاب الفضل في توجيه إرادة الأمة لمقاومة الحكم الفرنسي ثم مقاومة حكم المماليك ثم مقاومة الحكم التركي. ثم هم من قام على أكتافهم أخطر انقلاب على نظام الحكم. فهم الذين بدأوا مسيرة استخدام حق الشعب في تقرير مصيره بخلعهم الوالي التركي، وإسناد زمام الحكم إلى  محمد على، الذي أخذ يرقب الصراع بين القوى الثلاث التي تتنازع السلطة في مصر، ولمح أن هذه القوى مصيرها إلى زوال، كما لمح بروز القوة الرابعة، فأخذ يتودد إليها، فمحمد على هو غرس الإرادة الوطنية، ولولا تلك الإرادة لدفنت عبقريته ومواهبه في ولاية في أقاصي السلطنة العثمانية أو أخرى أقل أهمية من مصر.

تمثال عمر مكرم في ميدان التحرير
تمثال عمر مكرم في ميدان التحرير

ومن الراجح أن محمد على باشا كان يميل للتخلص من الزعامة الشعبية التي أجلسته على قمة المجد، لأن هذه الزعامة كانت في السنوات الأولى من حكمه، تستقصي عليه وتراقب أعماله مراقبة مستمرة وكانت ملجأ الشاكين ممن ينالهم الظلم. ولا شك أن هذه  الرقابة لم تكن مألوفة ولا سائغة في ذلك العصر. ولئن كان محمد على مديناً للزعامة الشعبية بولاية الحكم وتثبيته وتذليل العقبات التي اعترضته وإحباط الدسائس والمؤامرات التي تدبر له، لكن السلطة في ذاتها من شأنها أن تجعل صاحبها ينزع إلى الاستبداد بالأمر، فمحمد على بعد أن استقر في الحكم وثبتت قدمه طمحت نفسه إلى الاستبداد، وبدأ يضيق بتدخل العلماء في شؤون الحكومة، وسعيهم في رفع المظالم عن الناس، حتى ولو كان هذا التدخل قائما على الذي بايعوه عليه.

ولكن من الحق أيضا أن نذكر أن الزعامة الشعبية هي التي هدمت نفوذها بيدها. ذلك أن زعماء الشعب لم يظلوا على وفاق وتضامن وإخلاص متبادل. فأخذ التنافس والمطامع الشخصية يفرق بينهم لما ناله السيد عمر مكرم من المنزلة، مع أن عمر مكرم بلغ مكانته عن جدارة واستحقاق، لما اشتهر عنه من الأنفة والحمية وسمو النفس والبعد عن الصغائر ونزعات الهوى. فأخذوا يكيدون له لإضعاف مركزه والنيل من مكانته، ولم يجدوا سبيلاً لتحقيق غرضهم سوى التزلف إلى محمد على والوقيعة بينه وبين عمر مكرم. فانتهزها محمد فرصة للتخلص من الزعيم الشعبي، الذي كان بمثابة الرقيب العتيد على أعماله، ثم للتخلص من الزعامة الشعبية بجملتها مرة واحدة.

ففي نوفمبر1805 حدث تنافس وتحزب حول نظارة الجامع الأزهر فالبعض مع الشيخ عبد الله الشرقاوي، والبعض الآخر مع الشيخ محمد الأمير وهم الأغلبية، وجعلوا الشيخ الأمير ناظراً على الجامع الأزهر وكتبوا له تقريراً بذلك من القاضي وختم عليه المشايخ والشيخ السادات والسيد عمر مكرم. وكانت النظارة شاغرة من أيام الاحتلال الفرنسي، وكان يتقلدها أحد الأمراء (المماليك) فلما خرج الأمراء من مصر، صارت تابعة لمشيخة الأزهر، فانفعل لذلك الشيخ الشرقاوي.

عبد الله الشرقاوي
عبد الله الشرقاوي

لم يخف أمر التنافس على محمد على، بل ابتهج له، وعزم على استغلاله لينفرد بالحكم، ويتخلص من الرقابة الشعبية، وقد قويت عنده نعرة الانفراد بالحكم بعد إخفاق الحملة الإنجليزية، ورأى ضرورة التخلص من الزعامة الشعبية. لأن هذه الزعامة مرتكزة على أساس راسخ من التفاف الشعب حولها وصحة المبادئ التي تعمل لها. ولم يكن من بين زعماء الشعب من كان يَحسب له محمد علي  حساباً كبيراً مثل السيد عمر مكرم، فإنه الرجل الذي كان يتمثل فيه دائماً تاريخ الثورة، فلم تلن قناته للمنافع والمغريات، ولم تزعزعه التهديدات، وظل يمثل النزاهة والاستقامة حتى آخر يوم في حياته، وأيده في مسلكه بعض الشيوخ، ولكن أغلبيتهم قد انصرفت إلى المنافع، والاستكثار من الأموال والضياع والدور والقصور، وأخذوا يقلدون البكوات المماليك في البذخ والرفاهية، فأذلتهم الدنيا، وضعفت نفوسهم أمام سلطة الحاكم ونفوذه. فكان محمد على عند فرضه الضرائب الجديدة على القرى والالتزامات يعفي أملاكهم وضياعهم منها. وقد أدت هذه الحالة إلى إضعاف مكانتهم وأزالت هيبتهم من القلوب ومهدت السبيل لمحمد علي ليتسلم زمامهم.

ويقول الجبرتي ” إن أسباب التخاذل وتفرق الكلمة قد بدأت تعمل على تقويض دعائم تلك الزعامة من أواخر عام 1805، واستمرت هذه الأسباب تبدو حيناً وتختفي حيناً آخر، إلى أن بلغت مداها عام 1809، حيث انتهت بالإيقاع بالسيد عمر مكرم ونفيه إلى دمياط،”، وبهذا انهار ركن الزعامة الشعبية وهوى نجمها وطويت صفحتها إلى حين.

مذبحة القلعة وتأثيرها على الروح القومية

بعد عامين من نفي عمر مكرم، قام محمد على في مارس عام 1811م، بعمل أدخل الرعب في قلوب الجميع، وهو مذبحة القلعة. ففي مناسبة إلباس ابنه خلعة القيادة لحملة في الجزيرة العربية ضد الوهابيين، دعا كل رجال الدولة لمهرجان فخم بالقلعة، ودعا الباشا جميع الأمراء والبكوات والكشاف المماليك وأتباعهم لحضور الحفل. حيث دبر لقتلهم جميعاً، وكان عددهم أربعمائة وسبعين من المماليك وأتباعهم، لم ينج منهم إلا واحد فقط يسمى أمين بك. وارتفع عدد من قتل في تلك الأيام الرهيبة إلى نحو ألف من المماليك في القلعة وفي أنحاء القاهرة والمديريات.

ويقول المؤرخ الكبير عبد الرحمن الرافعي: ” فلم يعد ممكناً إلى زمن طويل أن تعود الشجاعة والطمأنينة إلى نفوس الناس. فالشجاعة خلق عظيم تحرص عليه الأمم الطامحة إلى العلا، وهي قوام الأخلاق والفضائل الوطنية، فإذا فقد الشعب الشجاعة وحلت الرهبة مكانها، كان ذلك نذيراً بانحلال الحياة الوطنية وفسادها، فالرهبة التي استولت على النفوس بعد مذبحة القلعة، كان لها أثرها في إضعاف قوة الشعب الخلقية والمعنوية، وتلك خسارة قومية كبرى”. ويضيف: “أن هذه الحادثة وقعت في الوقت الذي كانت فيه النفوس تطلعت إلى مراقبة ولاة الأمور ودبت فيها روح الديموقراطية، وتطلعت مظاهر هذه الروح بما حدث من اجتماعات الشعب واحتجاجه على المظالم،  فقضت مذبحة القلعة على هذه الروح إلى زمن طويل، وحل محلها روح الرهبة من الحكام، ولعل هذه الروح الجديدة قد جعلت محمد علي أكثر اطمئناناً على انفراده بالحكم، فلم يبد من الشعب خلال السبع والثلاثين سنة التي قضاها في الحكم بعد هذه الحادثة هذه الروح  من معارضة أو محاسبة أو انتقاد”.

أمر أخير لابد من الإشارة إليه وهو: ارتباط ظهور النخبة السياسية في مصر بالمهنة، بدأت بالمشايخ نخبة استعادة الدولة، فالحقوقيين نخبة تأسيس الدولة، ثم العسكريين نخبة استقلال الدولة وقد أفرزت التنمية الاقتصادية جنين نخبة جديدة في نهابة الستينات مع بناء السد العالي والمشروعات الصناعية الكبرى، هي نخبة سياسية جديدة هي نخبة المهندسين، لكنها تلاشت مع الانفتاح الاقتصادي وسياسات السبعينيات.

المراجع:

1 – عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، الجزء الأول، (القاهرة: دار المعارف: 1987)

2 – عبد الرحمن الرافعي: تاريخ الحركة القومية وتطور نظام الحكم في مصر، الجزء الثاني، (القاهرة: دار المعارف: 1987)

3 – عبد الرحمن الرافعي: عصر محمد على، القاهر: دار المعارف، 2001)

4 –عبد الرحمن الجبرتي: عجائب الآثار في التراجم والأخبار، (القاهرة: مكتبة الأسرة،2003)

5 –موسوعة وصف مصر تأليف علماء الفرنسية ترجمة زهير الشايب، (القاهرة: مكتبة الأسرة،2002)

6 –د. لويس عوض: تاريخ الفكري المصري الحديث الخلفية التاريخية، (القاهرة: دار الهلال 1994)

7 –د. عبد الجواد صابر إسماعيل: مجتمع علماء الأزهر إبان الحكم العثماني1517-1797، (القاهرة: دار الكتب والوثائق القومية، 2016)

8 -سامي الزقم: الاستعمار العثماني سقوط الأقنعة، (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2020)

9-د. إسماعيل إبراهيم: مشايخ في مواجهة الطغيان، (القاهرة: مكتبة جزيرة الورد، 2013)

10- د- عاصم الدسوقي: مجتمع علماء الأزهر في مصر، (القاهرة: دار الثقافة الجديدة، 1980)

11- د. ليلى عنان: الحملة الفرنسية، تنوير أم تزوير، (القاهرة: دار الهلال، 1992)

12- سنية قراعة: تاريخ الأزهر في ألف عام: (القاهرة: مكتب الصحافة والنشر الدولي، 1968)

حسني كحلة

باحث في الاقتصاد السياسي

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه:

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock