ثقافة

النهضة الإسلامية بين جمود الواقع و صيرورة المستقبل

(قراءة في كتاب الإسلام والقرن الواحد و العشرون شروط نهضة المسلمين (تأليف روجيه جارودي ،ترجمة.كمال جاد الله. ولقد صدر هذا الكتاب عن الدار العالمية للكتب والنشر عام 2014. ويتكون من مقدمة (ص7) وسبعة فصول وخاتمة. الفصل الأول بعنوان(توحيد العبادة في الإسلام ص29) أما الفصل الثاني فقد جاء تحت عنوان(النظرية الديناميكية للعالم في القرآن ص49) والفصل الثالث بعنوان(شروط نهضة الإسلام ص64) أما الفصل الرابع جاء موسوما ب(الشريعة القانون الإسلامي ص77) أما الفصل الخامس يحمل عنوان(السنة ص96) والفصل السادس بعنوان(حول قراءة القرآن ص106) والفصل السابع و الأخير بعنوان(الإسلام هو السبيل للخلاص ص145) و الخاتمة ص168.

لقد جاءت مقدمة الكتاب دعوة صريحة إلى البحث في ثقافة و دين الآخرين، وذلك لما يمكن أن يكون ركيزة لاستكشاف المستقبل من أجل بناء مستقبل باهر ذي توجه إنساني، وبهذا المفهوم يمكن فتح حوار مع الإسلام حوارًا حقيقيًا. لأن فهم دين الآخر يجعلنا على معرفة بأحوال الآخر و طريقة تفكيره و سمات شخصيته. ولعل من أهم ما يلفت انتباهنا في مقدمة الكتاب أن الإسلام دين و دولة ،دنيا و آخرة، عقيدة و شريعة، وهذا يخالف الرأي الشائع لدى البعض أن الإسلام دين فقط، و هو عبادات و شعائر و طقوس، و لا شأن له بالأمور السياسية و الدنيوية، و أننا يجب أن نعزل الدين عن مجريات الحياة. فالإسلام الكامل هو انسجام و تكامل بين الدنيا و الآخرة، بين النظري و التطبيقي،بين العبادات و المعاملات، فلا انفصال بين الاثنين. و هنا يشير المؤلف إلى حقيقة ذات مغزى و هي أن الإسلام دين و أمة في نفس الوقت، أمة مؤسسة على الإيمان  هو أمة بمعنى نوعي متميز، فهي أمة ليست فقط دينية ،فالإيمان يتناول جميع مناحي الحياة فيها، ليس على المستوى الفردي فقط، و لكن أيضا على المستوى الاجتماعي و السياسي. و في هذا السياق نرى أن النموذج الأصلي و الكامل لهذا النوع من الآمة أسسه النبي محمد(ص) وبناء على ذلك فالأمة هنا من طراز جديد، فهي مثلا ليست قائمة على روابط الدم عند البدو، أو روابط الأرض عند الحضر ،وهي ليست أمة بالمفهوم الغربي القائم على وحدة الأرض و اللغة، بل هي أمة نبوية قائمة على تجربة مشتركة من السمو للوصول لله([1]).

وبناء على ذلك فالسلطة السياسية لهذه الأمة النبوية لها شقين : الأول يتعلق بسلطة الله و التي تصير معها كل سيادة اجتماعية نسبية، و الشق الآخر هو المتعلق بالشورى ، و الذي يلغي أي واسطة بين الله و الرسول. و في هذا السياق نشير إلى أن مجتمع المدينة قد تميز بفضائل أساسية منها السمو و الشمول. فالسمو ضد الوضعية ، و الشمولية ضد الفردية،ومن هنا كان هذا المجتمع نموذجا يحتذي به، ونبراسا يضئ الطريق للأجيال التي أتت من بعده. ثم يشخص داءات الأمة الإسلامية في الوقت الراهن ، وكيف أنها لا يمكن أن تكون النموذج الكامل الذي يحتذي به، وذلك لأنها اليوم بين أكثر الأمم مرضا ، بسبب تشرذمها أولا ، و بسبب نسيانها شخصيتها ثانيا، و أيضا بسبب نسيانها عالميتها و سلطتها باعتبارها مكملة لكل الرسالات السابقة(لا أتفق مع هذا الطرح و تلك النظرة ، لأن الأمة الإسلامية لم تنسى أبدا عالمية رسالتها حتى في أضعف لحظاتها) و بعد ذلك يضع العلاج و الدواء لهذه الأمراض و المتمثل في أن نوقظ الإسلام من سباته الطويل و هذا واجب كل مسلم، حتى يستعيد فعالية الإسلام في أول عهده([2]).

روجيه جارودي
روجيه جارودي

ثم يواصل المؤلف تحليله لفصول الكتاب حتى نصل إلى المحطة الأولى و التي تتحدث عن توحيد العبادة في الإسلام، و في هذا السياق نشير إلى حقيقة مهمة وهي أن النبي (ص) لم يزعم أبدا أنه قد أتى أو جاء بدين جديد ، ولكنه ذكر الناس بالدين الأساسي الذي كانت عليه البشرية منذ أدم، ومن هنا فأن الإسلام في مبدأه أعظم الأديان توحيدية ، كما أن رسالات الأنبياء واحدة و هي الخضوع لشريعة الله الواحد الأحد فجميع الأديان تنبع من مشكاة واحدة هي دعوة التوحيد و هي أصل الأديان و الرسالات السماوية. ثم يعرض لمشكلة كبيرة و معقدة كثيرًا ما أرهقت الفكر الإسلامي ، مثلما أرهقت الفكر المسيحي و هي مشكلة الجبرية و القدرية ، فالجبرية ترى أن الله له القوة و العلم وحده، أما القدرية فأنها ترى أنه إذا كانت إرادة الله اقتضت تحديد أفعال الإنسان، فأنه من المستحيل أن يعاقبه على الأفعال التي لم يفعلها، وفي هذا السياق يشير إلى أن الوحي ألقراني يلغي (القدرية و الجبرية ) و أن الله هدى كل إنسان إلى ما يصلح حياته . و أن اللبس و الخلط في هذا الموضوع نشأ من تفسير كلمتي قدر و تقدير، و الذي فسرهما المفسرون بكلمة مصير و أمر و معيار، وذلك لأنها في الواقع تحتمل كل هذه المعاني([3]).

وبناء على ذلك يتوصل إلى نتيجة مفادها أنه كان من الأجدر تفسير هذه الكلمات بشي آخر هو (رسم طريقا) أو هدى سبيلا. ويلفت الانتباه إلى أن التوحيد في مجمله ليس مجرد فعل ، بل الحكم بوجود الله الواحد الأحد ، أنه التزام ومبدأ للسلوك يستوحي حياة في صورتها التكاملية ، وكل سلوك خاص حتى أقل فعل و حتى الأفعال اليومية ، ومن هنا لا يكفي أن نؤمن بوحدانية الله ، بل لأبد أن نحارب من أجل شهادة أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويكون جهادنا في سبيل الله ،لذا الإسلام يحتوي في نفسه على كل الأديان الاخري ، و المسلم يؤمن بكل رسالات الله و كل أنبيائه. ثم يتطرق الحديث عن النظرة الديناميكية للعالم من خلال القرآن ، تلك النظرة الديناميكية التي تنتج و تنشأ عن الفعل اللامتوقف لخلق الله، و هذا الخلق مازال مستمرًا في الكون في كل شئ ، ومن هنا فأن للعقل وظيفة أساسية هي قراءة الآيات التي أوضح الله لنا بها ما يريد ، وفي هذا السياق فأن كل البراهين على وجود الله تقوم على استعمال العقل بشكل يخالف الثوابت. ويؤكد على التكامل بين العقل و الوحي في فهم آيات الله، و الاستدلال على وجود الله. وقد علمنا الإسلام أن نقرأ بعلم و حكمة كل الآيات الدالة على وحدانية الخالق. ومن هنا هذا العالم الذي لا يزال في استمرار، وهو عمل من خلق الله ، كيف يتسنى للإنسان أن يظل وحده بلا حراك ، وألا تنفك عينه مثبته نحو الماضي ، فالله يوجه البشرية في هذه الديناميكية من الخلق اللامتناهي في الكون أجمع. ومن هنا عرف محمد إقبال بشكل يستدعي الانتباه الطريقة التي توضح للإنسان حقيقة الوجود مبدأ الحركة في الفكر الإسلامي وهي الاجتهاد لنكتشف في كل لحظة من لحظات التاريخ الوسائل لحل مشاكلنا المتجددة في إطار من الصراط المستقيم الذي رسمته لنا الرسالة الأزلية([4]).

ثم يتطرق الحديث بعد ذلك عن النهضة الإسلامية و كيفية تحققها ، ومن خلال هذا يشير المؤلف إلى أن هذه النهضة تقوم على الاجتهاد و الذي يعتبر المبدأ الأساسي الذي نادي به رشيد رضا. و في هذا السياق نلفت الانتباه إلى أن رواد النهضة الإسلامية مثل محمد عبده و الشيخ ابن بأديس و محمد إقبال دعوا إلى الرجوع إلى المنابع الأولى و الصافية للإسلام ، وهذا لم يعني الدخول إلى المستقبل و نحن نتقهقر، بل على العكس من ذلك دعونا إلى استلهام ينبوع الروح الإسلامية الخلاقة في مراحلها الأولى ، و بالأخص القدوة في النبي محمد و الخلفاء الراشدين .من هنا نرى أن الاجتهاد هو الشرط الأساسي للنهضة ، ويتمثل هذا الاجتهاد في معرفة تمييز الأولويات و الخروج من ظلام التقليد و إتباع التوحيد. وفي هذا السياق نشير إلى أن أبو حنيفة هو أول الفقهاء الذي حاول أن يتعامل مع المشاكل الجديدة من خلال المقاصد العامة للقرآن ، ومن خلال هذا طور أبو حنيفة القياس و استخدم عددًا قليلًا من الأحاديث ، لأن القرآن كلام الله و الحديث كلام بشري(ليس صحيحا و لا أتفق مع هذا الطرح لأن الأحاديث وحي من الله من حيث المعنى و اللفظ من الرسول، و أحيانا اللفظ و المعنى من الله) إذن القياس يأتي بعد الاجتهاد ، و يعتبر القياس حرا في حدود النصوص المنزلة([5]).

ومن هنا يتوصل إلى نتيجة مفادها أنه بتواطؤ الاستبداد السياسي و العقائدية الدينية التي شكلت معه ثنائية خطيرة أغلق باب الاجتهاد شيئا فشيئا. و بعد ذلك يتم الحديث عن الشريعة الإسلامية و التي تمثل حضور الإرادة الإلهية في حياة الإنسان ، و في التاريخ ذلك الحضور الذي يتجلى في الوحي القرآني ، وقد تحقق ذلك للمرة الأولى بواسطة النبي (ص) في المدينة المنورة . و لقد امتازت تلك الشريعة بسمات منها أنها لا تفرق مطلقا بين علاقة الإنسان بالطبيعة و علاقته بالآخرين ، و علاقته بالله ، وأن مصدرها الإلهي لا يستلزم مطلقا أي جمود ، وخصوصيتها السامية و قيمها الخالدة لا تنتهي أبدا  فهي بمثابة مبادئ تحمل القيم المطلقة من اجل خير البشرية جمعاء. وبناء على ذلك يجب أن نستخلص من انجازها التاريخي المبادئ الخالدة التي تسمح لنا بارتياد الحلول لمشاكل اليوم . وفي هذا السياق نشير إلى أن مبدأ الشريعة ليس مقتبسا من أيه واحدة ، و لكن من روح القرآن جميعه. وهذه الشريعة تتمثل في القانون المدني و هو العقد و الرضي المتبادل ، و قانون العقوبات و هو فردية العقوبة، و المسؤولية الشاملة . و القرآن في هذا السياق يحتوي على 228 أيه مخصصة للتشريع([6]).

ويتوصل إلى نتيجة مفادها أن التطبيق الحقيقي للشريعة لا تقيده في شئ تلك الحرفية الكسولة ، فالشريعة تفترض أننا نجد وراء كل أمر أو تعليم من القرآن أو السنة سبب وجوده ، و المبدأ الذي استوحى منه، و الظروف التاريخية التي طبعت فيه. من هنا تمثل الشريعة كل سلوكياتنا الخاضعة لأوامر الله، و التي نزل بها القرآن، وليس عن طريق حرفية تفصل كل آية عن التكاملية القرآنية و التاريخية التي تفسد معناها.لذا يجب أن نأخذ جميع آيات القران في سياقها و لا نقتطع آية و نفصلها عن سياق الآيات الأخرى. مثلما فعل فريق من الناس أخذوا القرآن كآيات منفصلة عن بعضها بعضها و هم الذين جعلوا القرآن عضدين أي أجزاء. وللشريعة مهمة جليلة ووظيفة كبيرة في حياة المجتمعات، فهي تعمل على تنمية حياة المجتمع. والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة لماذا لا تشرق تلك الشريعة و هذا القانون الإلهي اليوم على العالم ؟ الإجابة لأن هذه الشريعة و هذا القانون فرغ من مضمونه و توقف عن التطور الحي منذ القرون الأولى من تاريخه، كما أننا نقرأ القرآن بأعين الموتى([7]).

يؤكد على حقيقة مهمة وهي ضرورة إعادة صياغة مجموعة نظم الحياة بما فيها التشريع من خلال مبادئ الإسلام. ومن هنا لا يمكن أن تختصر الشريعة في مجموعة تعاليم تشريعية منفصلة عن مجمل الرسالة ، وعن نظام الحياة الذي تفرضه ، فالشريعة ليست قانونًا و لكنها نظام حياة ، لذا تنبع من قيم راسخة و مطلقة مصدرها تكامل الرسالة القرآنية ، وهي نظام حياة قائم على الإيمان بوحدانية الله و العالم الذي خلق التوحيد. وفي هذا السياق نود أن نلفت الانتباه إلى أن تطبيق الشريعة ليس هو البدء بالعقاب قبل أن نوجد نظام تربية و نظاما سياسيا يحفظ لكل فرد معنى كرامته و حقوقه وواجباته ، وبناء على ذلك فأن تطبيق الشريعة هو أن نكون مسلمين ، وأن نعيش كل لحظة من حياتنا في صفاء مع الله. ومن هنا فأن تحفظ و تقليد كثير من مدارس الشريعة هو سبب التدهور التاريخي للعالم الإسلامي([8]).

ثم يتطرق الحديث عن موضوع من الموضوعات المهمة و هو موضوع السنة ، و كيف أنها تمثل المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي، فهي تفصل ما أجمل من القرآن. وعلى هذا الاساس يميز بين سنة الله أي تاريخ تدخلاته في حياة البشر بتتابع رسالات الأنبياء ، و سنة الرسول وهي مجموع أقواله التي أدلى بها خلاف ما نزل من الوحي و أفعاله التي قام بها و أفكاره التقريرية(لا أتفق معه في ذلك لأن السنة في أحيان كثيرة يكون اللفظ و المعنى موحى به من قبل الله،فالسنة وحي أيضا) والسنة لذلك تمثل مصدر قيم من المعرفة ، لأنها تمدنا بمعرفة أحوال الرسول و كيفية قيامه بالعبادات. ثم يعقد مقارنة بين القرآن و كتب الحديث تتمثل في الأهمية التي يوليها كل منهما لملامح المذهب الديني المتعددة، ففي القرآن نجد أغلب الآيات مخصصة لموضوع الإيمان، بينما تناقش الشعائر بكثير من التحرر، ومن هنا يتوصل إلى نتيجة مفادها أن إحدى مآسي الإسلام قد تكون في أنه منذ أكثر من ألف عام ظهر اتجاه لمحو الحدود بين الكلام البشري و الكلام الإلهي([9]).

ثم يعرج المؤلف للحديث عن موضوع قراءة القرآن، و كيف أن القراءة المفيدة النافعة تتمثل في تدبر القرآن و آياته، و ليس مجرد قراءة حرفية شكلية باللسان فقط.يجب ان نتمعن مفي معني القران و تدبر اياته بالقلب و العقل معا ليحدث المقصود من القراءة و هي التدبر. و وهنا يلفت انتباهنا إلى أن القرآن نفسه يعطينا مفاتيح قراءته و مبادئ تفسيره التي تعتمد في نفس الوقت على معنى الكلام، وتطبيق مبادئ لحل المشاكل التي تستجد، و في هذا السياق يشير إلى ثلاثة قواعد أساسية يرتكز عليها القران :1-الله يتحدث إلى الإنسان بالأمثال و التشبيهات. 2-لا يعطي أوامر مجردة ، بل أوامر و أمثلة حية من التاريخ.3-القران لم ينسخ الكتب السابقة. وهنا يدعونا إلى التخلص من تحريفات القراءة الحرفية التي فرغتها العقائدية من مضمونها خلال عشرة قرون من الجمود. لذا عندما نتصفح القرآن بعزلة في معناه الخارجي الحرفي ساهين عن سمو الله و ناسيين أنه يمكن أن يتحدث بالرمز و الاستعارة و الأمثال، فأننا لا نكون مخلصين للكلام ألقراني ، أننا نظهر فقط عجز ذكائنا البشري تجاه القران. وبناء على ذلك لا يتوقف القرآن عن تذكيرنا بوحدة العقيدة الإبراهيمية ، وبتصديق الكتب السماوية السابقة لموسى و عيسى. فالقران جاء لا لينسخ العقائد و الكتب السماوية السابقة بل مكملا لها ، ومتمما لها و يبدأ من حيث انتهت هذه الكتب السماوية. من هنا لا يجب أن نقرأ القرآن أو السنة بروح الاستغناء . أن قراءة القراءة بروح الاستغناء و الاكتفاء تنطلق من مبدأ يكون القرآن حسبه لم يرسم لنا فقط الطريق المستقيم ، أي الهدف وهو تنفيذ إرادة الله، و لكنه يكفي لكل شي ، أي أنه يحتوي مثلا ، على كل الحقائق العلمية ، مثل ما يحتوي على قوانين الحياة الاجتماعية و السياسية([10]). فهو كتاب يحوي بين دفتيه خير الدنيا و الاخرة، يحتوي على ايات كونية و ايات تحض على العبادة و الاجتهاد في الدين.

ثم نصل إلى المحطة الأخيرة من الكتاب و هو الفصل السابع  والذي يتحدث عن كيف أن الإسلام يمثل سبيل الخلاص للعالم كله، بما يحتويه من مبادئ و قيم سمحة ، و بما يتضمنه من قبول الآخر. فالإسلام يملك إمكانيات و احتمالات انتشاره بأكثر مما كان في أوج عظمته، فهو يستطيع أمام هذا الإفلاس المستعصي و المزدوج للنموذج الأمريكي و السوفيتي أن يعيد الأمل إلى عالم مهدد في بقائه بهذا الفشل المزدوج. فالإسلام باعتباره أكثر الأديان وحدوية ، يمكن من خلاله أن نذكر الناس بالأبعاد المفقودة للإنسانية، و هي السمو و الشمولية ، ففيه تتلخص الرسالة الأساسية التي يحتاجها العالم اليوم و هو على شفا الانهيار([11]).

فالاسلام كدين خاتم يملك الكثير من المفاتيح و الامكانات لحل الكثير من المشاكل المزمنة و الدءلات المستعصية للعالم، كما انه يمكلك القدرة على تسخير امكانات العالم المتاحة من اجل خدمة البشرية. فهو يحتوي على قيم الخير و التسامح التي تحل الكثير من مشاكل العالم الراهن.

الخاتمة: رأينا فيما سبق كيف أن الإسلام يمثل دين وأمة في نفس الوقت ، أمة مؤسسة على الإيمان، وهذه الأمة ليست أمة دينية فقط ، بل هي أمة من طراز جديد، هي أمة نبوية قائمة على السمو و الشمولية للوصول إلى الله. كما رأينا أن مجتمع المدينة قد تميز بفضائل أساسية و سمات كثيرة منها أنه مجتمع قائم على روابط الإيمان أكثر من روابط النسب و الدم، ورابطة الإيمان أقوى من رابطة الدم. ولقد مثل مجتمع المدينة النموذج الأمثل و الأكمل للآمة الإسلامية و ذلك في عهد النبي(ص). كما رأينا أن الإسلام هو الأكثر الأديان توحيدية ، و التوحيد هنا قائم على أفراد الله بالعبودية الخالصة، لأنه خالق العالم . وهذا التوحيد يجعل كل الرسالات تخرج من مشكاة واحدة وهي الإيمان بالله ربا ، كما أن رسالات الأنبياء واحدة و جوهرها واحد. ومن هنا لا يمكن أن نؤمن بالله وحده ، بل يجب أن نجاهد في سبيل إعلاء كلمة الدين. أيضا رأينا كيف أن نهضة المسلمين يجب أن ترتكز على مبدأ الاجتهاد الذي يمثل العمود الفقري في كل نهضة ، فلا نهضة بدون اجتهاد ، إن تأخر المسلمين يعود إلى جمود التقليد و قفل باب الاجتهاد. أيضا استخلصنا مما سبق كيف تمثل الشريعة أهمية كبيرة في حياة الأفراد و المجتمعات، لأنها تعني ببساطة الخضوع لأوامر الله، والسير على نهجه، لذا من الضروري إعادة صياغة مجموعة نظم الحياة بما فيها التشريع ويتم ذلك من خلال مبادئ الإسلام. و استنتجنا أيضا كيف أن السنة تمثل المصدر الثاني في التشريع الإسلامي، و كيف قامت بدور محوري في تفصيل ما أجمل من القرآن، و تتمثل السنة في السنة القولية و الفعلية و التقريرية. و هذه السنة يجب أن نأخذ في الاعتبار أنها وحي من الله باللفظ و المعنى، و أن أكبر المآسي هي محاولة أن نخلط بين كلام الله القرآن و السنة النبوية. كما رأينا دعوة إلى قراءة القرآن قراءة تدبر و تمعن و قراءة بالقلب و ليس باللسان.القراءة الحرفية الشكلية لا تؤدي النتيجة المطلوبة و الفعالة في ترك أثر معاني القران في القلب، بل تحريك اللسان فقط، و المطلوب تدبر معاني القرآن ليحدث الأثر المطلوب في القلب و الوجدان.

[1]-روجيه جارودي:الإسلامي والقرن الواحد و العشرون شروط نهضة المسلمين،ترجمة.كمال جاد الله،الدار العالمية للكتب و النشر،2014،ص20.

[2]-المرجع السابق:ص25 .

[3]-روجيه جارودي : الإسلامي والقرن الواحد و العشرون،ص35.

[4]-محمد إقبال: تجديد الفكر الديني في الإسلام،طبعة ميزون نو،1955 ،ص87.

[5] -روجيه جارودي: الإسلام و القرن الواحد و العشرون،ص70-71.

[6]-عبد الوهاب خلاف: علم أصول الفقه،القاهرة،ص34 -35.

[7]-روجيه جارودي: الإسلامي و القرن الواحد و العشرون، ص83 -85.

[8] -المرجع السابق:ص101.

[9]-روجيه جارودي: الاسلامى و القرن الواحد و العشرون،ص103.

[10]-روجيه جارودي: الإسلام و القرن الواحد و العشرون،ص108 -109.

[11]-المرجع السابق: ص145-148.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock