ثقافة

صراع الفقهاء ضد أهل الفكر والرأي.. وشايات وتنكيل وقتل

يحفل تاريخنا بالعديد من الأحداث الخطيرة ذات الأثر الممتد، والتي من الممكن أن نقول أن تداعياتها انتقلت إلينا في عصرنا هذا، ومازالت تفعل فعلها كأن الزمن واحد لا يعرف الانقطاع ولا التجدد.. أو هو حلقة مفرغة لا نكف عن الدوران فيها قبل أن يصيب الجمود والتكلس كل شيء نزولا على رغبة حراس النصوص أصحاب الرؤى القطعية والتفسير الواحد.

وما كان لهؤلاء الكهنة المنتقلين بكامل هيبتهم وصلفهم عبر الأزمنة ليواصلوا بنجاح حربهم الظلامية على كل صاحب فكر مستنير إلا بعون غير منقطع من أصحاب القوة الذين أدركوا مبكرا خطورة ما يمكن أن يمثله انطلاق الفكر من إساره فاتحا الأفق رحبا أمام تطلع الإنسان إلى نيل سعادته من خلال تحرير إرادته وانتزاع كافة حقوقه بمناوءة كل من يحول دون ذلك.

رسالة الفيلسوف الكندي إلى المعتصم

فطن الكندي فيلسوف العرب والإسلام الأول إلى خطورة هؤلاء المتربصين من أصحاب المناصب الدينية، الذين يستأثرون بالحظوة عند السلطان والعامة في آن.. ففي رسالته إلى الخليفة العباسي المعتصم والتي حملت عنوان “الفلسفة الأولى” يحذر الكندي من سوء التأويل المتعمد من هؤلاء ” المُتَسَمِّين بالنظر في دهرنا من أهل الغربة عن الحق، وإن تتوجوا بتيجان الحق من غير استحقاق؛ لضيق فطنتهم عن أساليب الحق، وقلة معرفتهم بما يستحق ذو الجلالة في الرأي والاجتهاد في الأنفاع العامة الكل، الشاملة لهم، ولدرانة الحسد المتمكن من أنفسهم البهيمية والحاجب بسدف سجوفه (ظلمات أستاره) أبصار فكرهم عن نور الحق ووضعهم ذوي الفضائل الإنسانية –التي قصروا عن نيلها وكانوا منها في الأطراف الشاسعة– لموضع الأعداء الحربية الواترة، ذبا عن كراسيهم المزورة التي نصبوها عن غير استحقاق بل للتَّرَؤس والتجارة بالدين، وهم عُدَمَاء الدين، لأنَّ من تَجِرَ بشيء باعه، ومن باع شيئا لم يكن له، فمن تَجِرَ بالدين لم يكن له، ويحق أن يتعرى من الدين من عاند قُنية علم الأشياء بحقائقها وسماها كفرا”.

إنَّ الكندي يكشف في رسالته تلك حقيقة هؤلاء المتاجرين بالدين الذين يظهرون في ثياب المنافحين عنه، وهم في الحقيقة يتخذونه سلعة يتداولونها، ويقتاتون مما يجنونه منها من مكاسب كبيرة من العامة والخاصة على حد سواء، لذلك تراهم يحرصون على توازن دقيق  للوضع القائم، يكون فيه العامة أسرى جهلهم وخشيتهم من الخوض في كل ما يتعلق بأمور الدين، فلا يصل إليهم منها إلا ما يؤكد على أن لا دخل للإنسان في شيء من أمور حياته، وأن كل الأمور تسير وفق إرادة الله، لذلك فليس على الإنسان سوى الرضا والتسليم، هذه الجبرية التي أشاعها الأمويون؛ ليرسخوا في الأذهان أنَّ مظالمهم إنَّما هي قدر من عند الله لا رادَّ له، ومن الواجب عليهم قبوله.

الفلسفة الأولى الكندي

وفي عهد المتوكل الذي خلف المعتصم استطاع الوشاة من “أهل الغربة عن الحق” أن يقنعوا الخليفة بأن الكندي من غلاة المعتزلة؛ ولكنه يخفي حقيقته تلك.. فما كان من المتوكل إلا أن أبعده دون تثبت وأمر بحرق كتبه.. ولكنه ما لبث أن ندم على ما فعل وقربه مجددا.

مقتل معبد الجهني على يد الحجاج

في مقابل ذلك ظهرت توجهات فكرية مناوئة كالتي تزعمها معبد الجهني مناديا بمبدأ حرية الإرادة الإنسانية، ودعا الناس إلى الثورة على حكم الطغاة وخرج مع ابن الأشعث في ثورته، وكان الحسن البصري يرى صحة ما دعا إليه معبد، ولولا أنَّ الحجاج هدده مرارا لكان مع معبد كتفا بكتف، وكان ممن قال بالجبر المحدِّث أيوب السختياني الذي كان تلميذا للحسن البصري، لكنه انحاز لسلطة الأمويين وتم استخدامه من قبل الحجاج في تهديد الحسن البصري بشكل مباشر.. وظل معبد قابضا على جمر المبدأ في مواجهة السلطة الغاشمة وفقهاء السوء، إلى أن أصدر الطاغية عبد الملك بن مروان أمرا بقتله، فقتله الحجاج بمكة بعد أن عذَّبه أشنع تعذيب، وقد أظهر معبد ثباتا وصبرا أذهل ابن يوسف السفاح ومن معه.

 قتل الحلاج بعد تعذيبه والتنكيل به

وفي ربيع 922م يأمر القاضي أبو عمر المالكي بقتل الحسين بن منصور الحلاج بعد اتهامه بالكفر والمروق والتمادي في الضلال.. وكان تنفيذ حكم الإعدام على نحو من البشاعة غير مسبوق إذ أمر الخليفة بأن تقطع يداه ورجلاه من خلاف ثم يضرب عنقه ثم يحرق جثمانه ويرُمي برماده في نهر دجلة.. كل ذلك بعد تعرضه للجلد وللصلب حيا لفترة!. وكان الحلاج قد أمضى في السجن نحوا من تسع سنين قضَّاها في وعظ السجناء وتحرير بعض الكتابات.

بالقطع لم تكن جناية الرجل الوحيدة من وجهة نظرهم أنَّه قال بكلام يحتمل معنى الكفر من وجه، ويحتمل معنى الإيمان من وجوه كثيرة، لم تكن جناية الحلاج التي أردته غير نفسه الثائرة وروحه التي ما ارتضت أن يكون  في عداد المدجنين من أهل الفقه الواقفين بعلمهم على أبواب القصور، يقتاتون بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان؛ ليخدعوا العامة، وليجعلوا رقاب العباد أشد إذعانا للمتجبرين من أهل الغلبة بالسيف، وآكلي أموال الرعية بالباطل.

صلاح الدين  الأيوبي يأمر بقتل السهروردي

وما زال حقد أصحاب الكراسي المزورة كما وصفهم الكندي يتدفق على أهل الفكر والرأي، ودعاة التحرر من قيد الجمود، وكسر نير الظلم الذي أثقل كاهل الناس بسبب تجبر الحكام وإجرامهم.. فهذا شهاب الدين السهروردي الذي عاش بحلب في زمن صلاح الدين، وكان صاحب فلسفة عرفت بالفلسفة الإشراقية- يناظر فقهاء المدينة في مسألة قدرة الله التي رأى السهروردي أنها بلا حدود، وأن الله تعالى لا يعجزه شيء، وإذا أراد أن يخلق نبيا ما استعصى عليه ذلك؛ فَاتُّهِمَ من جانب هؤلاء بأنّه ينكر أنّ محمدا-صلى الله عليه وسلم- هو خاتم النبيين، ما يعني هدم دين الإسلام! ولما كان أمير حلب الظاهر الأيوبي ابن صلاح الدين يميل إلى رأي السهروردي الذي ألقم هؤلاء الفقهاء أحجارا كثيرة في حضرته، أرسل فقهاء حلب إلى صلاح الدين شكايتهم على الرجل؛ فأصدر السلطان الأمر إلى ابنه بقتل السهروردي، فلما أبطأ الظاهر استعجله صلاح الدين، فما كان منه إلى أن نفّذ الأمر وفق ما اختار السهروردي الذي لم يكن قد جاوز الأربعين بعد.. فحُبِسَ دون طعام ولا شراب حتى مات.. لتبقى دماؤه الطاهرة شاهدا على تجبر أهل الغربة عن الحق كما أسماهم الكندي.

ابن باجه يقضي مسموما بعد اتهامات بالكفر والزندقة

وحتى هؤلاء الذين آثروا المداراة ولم يروا ضرورة للمواجهة إيثارا للسلامة، واقتناصا لفرصة أفضل يستطيعون من خلالها إيصال أفكارهم ورؤاهم إلى الناس – حتى هؤلاء أيضا لم يسلموا من بطش المتجبرين،  وتربص المتعالمين.. فهذا هو ابن باجه، فيلسوف الأندلس الأول لم يعلن صراحة عن آرائه، حرصا على علاقته بالحاكم الذي استوزره بينما كانت قناعاته تتسلل عبر كتاباته الفلسفية، بأساليب لا تخلو من تحايل، وهو ما يعكس أزمة ذلك الفيلسوف الذي أفاد منه ابن رشد كثيرا إذا أسس لفلسفته بقيمتين أساسيتين لم يسبقه إليهما أحد، أولاهما أنه بنى الفلسفة العقلية على أسس الرياضيات والطبيعيات؛ فنزع عن الفلسفة الإسلامية سيطرة الجدل، وخلع عليها لباس العلم، وثانيتهما أنه أول فيلسوف في الإسلام فصل بين الدين والفلسفة في البحث، وانصرف إلى العقل، وبالقطع فإن ذلك قد فتح عليه بابا من أبواب الجحيم.

وعلى الرغم من محاذرته، وحرصه ـابتداءـ على عدم المواجهة المباشرة مع من جعلوا من أنفسهم حراسا للعقيدة الإسلامية وحماة لها، إلا أن ذلك لم يمنع من تعرضه لعدة محاولات للاغتيال من قِبَل هؤلاء الذين اتهموه بالكفر والزندقة، وهم الذين جعلوا دين الله سلعة يأكلون بها، حتى نجح الطبيب الحقود أبو العلاء بن زهر في قتله بالسم عن طريق خادمه ابن معيوب.. وكان ذلك بفاس ببلاد المغرب عام1138م.

ابن باجة

هشام بن عبد الملك يضحي بالجعد بن درهم في العيد

ثمَّ وصل الأمر إلى التضحية بأصحاب الآراء المخالفة في عيد الأضحى كما حدث بالكوفة في ولاية هشام بن عبد الملك الذي أمر واليه على المدينة  خالد بن عبد الله القسري بالقبض على الجعد بن درهم وقتله، فلما سيق إليه صحبه إلى المسجد وأوثقه في المنبر، فلما انتهى من خطبته قال” أيها الناس ضحُّوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم؛ إنَّه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليما” ثم نزل فذبحه في أصل المنبر.

وعلى الرغم من أن علماء المدينة أيقنوا أن الجعد كان متأولا فيما ذهب إليه من أن الخُلَّة والتكليم كانا على نحو مختلف عن ظاهر القول، وهو ما قال به كثيرون قبل الجعد وبعده.. كما علموا ضلال القسري وفجوره كونه كان ناصبيا يفحش القول في حق الإمام علي بن أبي طالب؛ إلا أنهم باركوا ذبح الجعد ممالأة للأمويين وتخلصا من أحد المنادين بإعمال العقل فهما وتأويلا واجتهادا.

والسؤال الذي مازال يتردد على الأسماع دون إجابة هو، لماذا كانت سيوف هؤلاء أسبق إلى رقاب أصحاب الفكر من مجالس المناظرة، التي يقارع فيها الرأي بالرأي والحجة بالحجة، حتى الذين عقدوا المناظرات بين هؤلاء وأولئك المتحجرين، وكأنهم في النهاية لم يجدوا مناصا من إعمال السيف في رقاب أهل الفكر؛ ربما كان ذلك لاحتياج الولاة على الدوام للسلطة الدينية التي تسهِّل لهم إخضاع الناس بسيف النص الذي لا يحتمل سوى التفسير الواحد، والذي لا يعني إجمالا سوى الانصياع التام لـ “ظل الله على الأرض”. ولما كان أهل الفكر في كل زمان ومكان هم دعاة استنارة وطلاب حرية وناشرو وعي وكاشفو حجب، كانت سيوف الطغاة تصل إلى رقابهم بنفس السرعة التي كان يحتاجها الذهب؛ ليستقر في خزائن المتعرّين من الدين المتاجرين به.. أهل الغربة عن الحق كما وصفهم الكندي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock