ثقافة

حكايات شوارع المحروسة.. شارع أمير الجيوش يخلد سيرة المؤسس الثاني للقاهرة

هو واحد من أقدم شوارع القاهرة الفاطمية، وكان شاهدا على مرحلة فارقة من تاريخ دولة الفاطميين في مصر، التي كانت قاب قوسين أو أدني من السقوط قبل أن يتدخل القائد بدر الجمالي لإنقاذها؛ ومن لقبه استمد شارع أمير الجيوش اسمه الذي مازال يعرف به حتى اليوم، بوصفه واحدا من أبرز شوارع المحروسة.

ونظرلأهمية هذا الشارع؛  فقد ظل لفترة طويلة، مقرا لقائد جيوش الخليفة الفاطمي المستنصر ووزيره وأبناء الخليفة العاضد، كما سكنه الشيخ على البقلي مفتي مجالس الأحكام، علاوة على عدد كبير من الرموز الدينية والساسية.

ويوصف بدر الدين الجمالي أو أمير الجيوش، في كتب التاريخ بمجدد الدولة الفاطمية ففي النصف الثاني من القرن الخامس الهجري، تعرضت مصر للمجاعة وهو ما يعرف باسم “الشدة المستنصرية” بسبب انحسار مياه النيل لسبع سنوات متتالية، ويشير المؤرخون إلى أن عدد سكان القاهرة قد قل عددهم بشكل كبير، بسبب الجوع وانتشار الأوبئة بينما كانت الدولة الفاطمية على وشك الانهيار، ولم يجد المستنصر ما يفعله سوى استدعاء أمير الجيوش من الشام أملا في انقاذ ما يمكن انقاذه.

وكان بدر الدين الجمالي في الاصل واحدا من مماليك أرمينيا، ثم اعتق وترقى حتى أصبح أمير الجيوش في الشام، ولم يتردد بالفعل في تلبية دعوة المستنصر؛ حيث تحرك بقواته من الشام وتقدموا صوب القاهرة.

وتمكن بدر الدين الجمالي خلال فترة وجيزة؛ من إعادة قدر كبير من الاستقرار للبلاد، حيث استطاعت قواته الإجهاز على عدد كبير من دعاة الفتنة، وبصورة تدريجية تمكّن من فرض الأمن والنظام في مختلف أنحاء القاهرة، ومنها إلى بقية أنحاء البلاد، وبواسطته استطاع الخليفة الفاطمي أن يستعيد سلطته الفعلية؛ بعد أن فقد جزءا كبيرا منها خلال المجاعة؛ حيث خرجت الأمور عن السيطرة بشكل كامل.

ولم يقتصر بدر الدين الجمالي، على التعامل مع الأزمة من منظور عسكري فقط؛ حيث وضع خطة متكاملة لتنظيم شئون الدولة وإنعاش اقتصادها، كما شجّع الفلاحين على الزراعة ورفع جميع الأعباء المالية عنهم، كما قام بإصلاح عدد كبير من الجسور التي تهدمت.

شارع أمير الجيوش
شارع أمير الجيوش

وقد آتت جهوده  أكلها سريعا؛ إذ أدى انتظام الزراعة إلى وفرة الإنتاج، وتراجع الأسعار، وكان لاستتباب الأمن دور مهم في تنشيط حركة التجارة  في ربوع البلاد، وتوافد التجار عليها من كل مكان.. فنفضت مصر عن نفسها بذلك، كل ما عانته خلال سبع سنوات عجاف.

وضع بدر الدين  أيضا خطة للدفاع عن القاهرة، في مواجهة أي هجمات محتملة عليها، حيث أعاد بناء سور القاهرة وتقويته، وجعل منها مدينة حصينة تحيط بها الأسوار من كل جانب، وسعى جاهدا لصد هجمات السلاحقة التي كانت محتملة في ذلك الوقت.

ومن أهم المنشئات التي شيدها بدر الدين الجمالي؛ جامع الجيوشي المبني فوق جبل المقطم؛ ليشرف على القاهرة بأكملها.. لذلك يوصف الرجل في بعض المراجع التاريخية، بأنه المؤسس الثاني للقاهرة، وبسبب العدد الكبير من المنشئات التي شيدها خلال فترة تواجده بها.

يبدأ شارع أمير الجيوش من ميدان باب الشعرية، وينتهي في شارع المعز لدين الله الفاطمي بالقرب من باب الفتوح، وعندما تأخذك قدميك إلي الشارع يوما؛ ستدرك أنك تتنقل بين صفحات كتاب تاريخ مصر الإسلامية الحافل.. ففي الشارع عدد كبير من المباني التي شيدت على الطرازين الفاطمي والمملوكي.

وكان الشارع يتميز قديما بمدارسه التاريخية، ومن بينها مدرسة العزنوية التي بناها الأمير حسام الدين القايماز النجمي، الذي كان في الأصل مملوك نجم الدين أيوب، وفي مقابلها كانت مدرسة البازكوجية التي أنشاها الأمير سيف الدين يازكوج الأسدي مملوك أسد الدين شيركوه عم السلطان صلاح الدين الأيوبي.

ويشتهر الشارع الآن بتصنيع الأواني وبيعها، وللشارع عبقه الخاص خلال شهر رمضان المبارك؛ لذا فإنه يفضل لمن لم يقم بزيارته من قبل أن يفعل ذلك خلال هذا الشهر الكريم، حيث مازال الشارع حتى اليوم محتفظا بعددٍ كبير من طقوسه الاحتفالية الخاصة برمضان، كما يضم عددا كبيرا من ورش تصنيع فوانيس رمضان.

عندما تزور شارع أمير الجيوش فلاشك أنك سوف تتوقف طويلا أمام سبيلين كان السقا يحرص على ملئهما بالماء بانتظام حتى يرتوى منهما المارة وسكان المنطقة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock