رؤى

زهرة المدائن (14): القدس.. ومحاولات التهويد

التهويد أو تهويد القدس واقعيا، يعني أن تصبح المدينة ذات طابع يهودي في عمارتها وشوارعها وأسمائها ومؤسساتها ولغتها؛ وهو يعني اجتماعيا ونفسانيا أن يقول رواد المدينة القادمون إليها من أنحاء الأرض، مثلًا “إنها حقًا لمدينة يهودية، أين العرب؟! ما رأيناهم إلا منزوين في بعض الأحياء القديمة”.

وأما تعبير التهويد في المخططات الصهيونية، فهو يعني أكثر من ذلك بكثير، ويصعب شرح الشَرَه التهويدي اللامحدود، في العقد الأخير من القرن العشرين الماضي، دون العودة إلى البدايات؛ وهي بدايات لم تتزامن قطعًا، مع قيام الدولة العبرية.

بيد أن الملاحظة التي نود التأكيد عليها هنا، أن التهويد وإن كان يعبر عن عملية نزع الطابع الإسلامي والمسيحي عن القدس، وفرض الطابع الذي اليهودي عليها؛ فهو في الوقت نفسه جزء من عملية تهويد فلسطين ككل، ابتداءً من تغيير اسمها إلى إرتس يسرائيل ومرورا بتزييف تاريخها، وصولا إلى هدم القرى العربية وإقامة المستوطنات ودعوة اليهود للاستيطان فيها.

مخططات ومحاولات التهويد

وإذا كانت عمليات التهويد لم تتزامن قطعا مع قيام الدولة العبرية، فإن ما يؤكد ذلك، أن أولى عمليات التهويد كانت قد ابتدأت في العهد البريطاني، في أعقاب دخول الجنرال اللنبي القدس دخول الظافرين في 9 ديسمبر 1917.

فقد استدعي اللنبي، ماكلين مهندس مدينة الإسكندرية، وطلب منه وضع الخطة الهيكلية للمدينة، ووضع المقاييس والمواصفات والقيود المتعلقة بالبناء والتطوير. وقام ماكلين بالمهمة خير قيام، فأرسى الأسس التي تسمح بتطوير المناطق اليهودية، أو التي خطط لها أن تتحول إلى مناطق يهودية، مع وضع القيود على تطور المناطق العربية.

 

بل إن ماكلين، كان أول من قسّم مدينة القدس إلى الأقسام الأربعة، التي بقيت أساسا لكل الخطط اللاحقة، وهي: البلدة القديمة وأسوارها؛ المناطق المحيطة بالبلدة القديمة، القدس الغربية؛ القدس الشرقية. أما في عهد المندوب السامي الأول، هربرت صموئيل، اليهودي البريطاني (1920 ـ 1925)، فقد أخذت القدس تشهد سمات التحول ومعالم التهويد الأولى البارزة.

وكانت معالم التهويد، هذه، كما تؤكد “بيان نويهض الحوت” في دراستها “القدس هي القضية” المنشورة في مجلة المستقبل العربي/ مارس 2000، قد ابتدأت تظهر مع بناء المستعمرات الأولى على هضاب القدس، وهي ما أصبحت تدعى بالمستوطنات في ما بعد؛ فكانت “رومينا” عام 1921، المستعمرة الأولى والتي لحقت بها “تل بيوت” و”بيت هاكيرم” و”ميكور حاييم” و”ميكور باروخ” حتى أصبح عددها ست عشرة مستعمرة وضاحية وحيًا عام 1948.

وقد أصبحت حدود المدينة تضم كل التجمعات اليهودية عام 1946. وقد روعي في رسم مساحة القدس، المبدأ الصهيوني الذي يضمن “تحقيق وجود العدد الأكبر من السكان اليهود، مع العدد الأقل من العرب”. ولهذا لم تراع السلطات البريطانية وضع القرى العربية التي تحيط بالقدس في عدة دوائر.

ولم تقتصر معالم التهويد في عهد الانتداب البريطاني على بناء الأحياء اليهودية السكنية؛ بل امتدت لبناء المؤسسات الكبرى، ومنها الجامعة العبرية التي تم افتتاحها في عام 1925، بحضور بلفور؛ ومنها مباني اللجنة التنفيذية للحركة الصهيونية، والوكالة اليهودية، ومستشفى هداسا، وكلها على جبل سكوبس في الشمال الشرقي من القدس، ما أتاح لليهود بناء المزيد من المستوطنات حول المدينة.

ولم تتوقف عمليات التهويد عند هذا الحد، بل زادت حدة منذ عام 1948، حيث ارتكزت السياسة الإسرائيلية على محاولة تغيير طابع المدينة السكاني والمعماري بشكل بنيوي؛ فاستولت السلطات الإسرائيلية على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة، واتبعت أسلوب نسف المنشآت وإزالتها لتحل محلها أخرى يهودية؛ كما قامت بالاستيلاء على الأراضي التي يمتلكها عرب، وطردهم وتوطين يهود بدلا منهم. وفي خلال أقل من عامين، أعلنت إسرائيل القدس عاصمة لها في 23 يناير 1950.

مشروع القدس الكبرى

وفي هذا المجال، لنا أن نعرف ماذا كان يعنيه بن جوريون حينما أعلن في مجلس الشعب المؤقت (الكنيست في ما بعد) في 24 يونيو 1948. أن “مسألة إلحاق القدس بإسرائيل ليست موضع نقاش، فما يُناقش هو كيفية تحقيق هذا الهدف”  فهذه الكيفية التي طالبَ بن جوريون بمناقشتها، لم تكن تعني سوى أسلوب تهويد القدس.

إذ قامت السلطات الإسرائيلية بنقل وزاراتها إلى القدس الغربية، وأنفقت موازنات ضخمة على تطويرها. وبعد أن كان المستوطنون اليهود لا يملكون سوى 18 % فقط من الأرض قبل عام 1948؛ أصبح الوجود العربي في هذا الجزء لا يذكر، وبخاصة مع طرد 30 ألف فلسطيني من القدس الغربية نفسها، و40 ألفًا آخرين من القرى المجاورة التي دخلت غالبيتها ـ في ما بعد ـ في نطاق بلدية القدس.

ومع حرب الخامس من يونيو 1967، اجتاحت القوات الإسرائيلية المدينة بأكملها. وحين ما ظهرت إمكانية صدور قرار عن مجلس الأمن يقضي بوقف إطلاق النار قبل تنفيذ خطة الاستيلاء على المدينة، تقرر اقتحام المدينة القديمة، وتم الاستيلاء عليها في السابع من يونيو 1967، ودخل موشيه ديّان المدينة ليعلن أمام حائط المبكى “لقد أعدنا توحيد المدينة المقدسة، وعدنا إلى أكثر أماكننا قدسية، عدنا ولن نبارحها أبدًا”. وبعدها بأيام في 28 يونيو 1967، أصدرت الحكومة الإسرائيلية قرارها رقم 1 لعام 1967، الذي يقضي بأن “أرض إسرائيل المشمولة في الجدول الملحق بالأمر، خاضعة لقانون وإدارة الدولة الإسرائيلية”.

وقد حدد الجدول المناطق الواقعة بين قرية قلنديا ومطارها في الشمال، وبيت حنين في الغرب، وسور باهر وبيت صفاتا في الجنوب، وقرى طور والعزاوية وعيناتا ورام في الشرق. وعليه، فقد اتخذت سلسلة من الإجراءات التي يمكن أن نبرز أهمها في: فرض القانون الإسرائيلي على المدينة بعد إغلاق المحاكم المدنية والعربية؛ وتطبيق المناهج الدراسية علي المدارس والمعاهد التعليمية في القدس؛ ناهيك عن إلزام العرب بالحصول على تصاريح دخول القدس.

بذلك، أصبحت القدس معزولة عن الضفة الغربية؛ وبذلك، بدأت أولى خطوات المشروع الذي أقرته الحكومة الإسرائيلية في 30 سبتمبر 1975، والذي عرف بمشروع القدس الكبرى، أو خارطة القدس الموسعة، التي تمتد فيها حدود بلدية القدس ما بين الخان الأحمر شرقًا، واللطرون غربًا، ودير دبوان وبيتين شمالًا، وضواحي الخليل (مستعمرة كريات أربع) جنوبًا. ويقضي هذا التوسيع بضم 9 مدن، و60 قرية عربية، وما يقارب 30 % من مجموع المساحة الكلية للضفة الغربية.

ولم تكد تمر سنوات خمس، حتى أعلن الكنيست رسميًا، القدس عاصمة لإسرائيل في 30 يوليو 1980.

القدس والقصد الإسرائيلي

وحتى يمكننا فهم عمليات تهويد القدس، لابد من أن نراها لا باعتبارها عملية التهام عشوائية نهمة، وإنما باعتبارها مخططا باردًا له أهدافه الواضحة، ويترجم من خلال إجراءات محددة. فهذا المخطط كما جاء في إحدى وثائق حزب الليكود، وكما أوردناه من قبل في إحدى دراساتنا “الملف العربي الأوروبي، سبتمبر 2001” يستهدف “تأسيس القدس الكبرى الموسعة، اليهودية الخالصة والنقية، كتلة استيطانية ضخمة تمزق مرة واحدة وإلى الأبد الوحدة الجغرافية للضفة الغربية”.

بعبارة أخرى: يستهدف هذا المخطط أن تكون القدس بمثابة متربوليتان، تمتد غربًا باتجاه تل أبيب، وجنوبًا باتجاه حلحول والخليل، وشمالًا إلى ما وراء رام الله، وحتى حدود أريحا شرقًا.. وكل هذا يعني ضمّ حوالي 1250 كيلو متر ثلاثة أرباعها من الضفة الغربية، وأن تبلغ مساحة القدس الكبرى 21 % من مساحة الضفة، بحيث يبلغ طول المدينة 45 كيلو مترا، وعرضها 25 كيلو مترا.

هذا هو المخطط الإسرائيلي..

وعندما اتخذ آرئيل شارون منزلًا في القدس القديمة، في قلب المنطقة الإسلامية عام 1987، اعتبر ذلك مرحلة جديدة من التهويد، وبداية للمزيد من التغلغل الإسرائيلي في الأحياء العربية.

… يتبع.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock