رؤى

دلال المغربي فتاة يافا.. وعملية الشهيد كمال عدوان

في العاشر من أبريل عام 1973، نفذ العدو الصهيوني عملية اغتيال الشهيد كمال عدوان في منزله، بحي فردان ببيروت وكان بصحبته كمال ناصر وأبو يوسف النجار.. اللذان استشهدا أيضا.

في تلك الآونة كانت دلال المغربي تعيش مع أسرتها بمخيم صبرا القريب من بيروت.. فتاة غضة في الخامسة عشرة من عمرها تتردد على مدارس “الأونروا” وتراودها كما كل جيلها أشواق العودة إلى أرض فلسطين.. إلى يافا تحديدا حيث ولد أبوها وعاش، قبل أن تضطر العائلة للنزوح إلى لبنان عقب نكبة 1948.

كان علي أبو طوق أحد كوادر فتح قد أسس الكتيبة الطلابية عقب اندلاع الحرب الأهلية في لبنان، وانضمت دلال لها، وكشفت عن قدرات خاصة من خلال تنظيم الثانويات التابع للكتيبة، وهو ما جعلها تترك شغفها القديم بمهنة التمريض التي نالت شهادة فيها؛ لتتفرغ للعمل النضالي في المنظمة في قسم الاتصالات.

دلال ويحيى سكاف الذي مازال أسيرا في سجون الاحتلال
دلال ويحيى سكاف الذي مازال أسيرا في سجون الاحتلال

رفضت دلال العمل كمسئولة سياسية في مكتب منظمة التحرير في روما، بعد أنهت تدريبا مكثفا لمدة ثلاثة أشهر، وحصلت على رتبة ملازم؛ إذ رأت أن العمل المسلح ضد العدو الصهيوني وأذنابه في لبنان، أنسب لها.. وكانت قد شاركت ميدانيا في القتال الذي دار عام 1976، بين القوات السورية الداعمة للكتائبيين، والفصائل الفلسطينية والمنظمات اليسارية المتحالفة معها من جانب آخر.

كانت الأقدار تعد الفتاة الجميلة لما هو أكبر من الارتكان إلى الدعة في عاصمة أوروبية.. كانت تتحين الفرصة لعمل صخم غير مسبوق، يربك حسابات الصهاينة، ويؤلمهم ويجعلهم في وضعية الدفاع لا الهجوم.

بدأ العام 1978، بتوالي الضربات والإخفاقات التي نالت من الثورة الفلسطينية وقدراتها بصورة كبيرة، واستهدف الفلسطينيون في لبنان، ونفذت ضدهم عدة مذابح في المخيمات؛ بالإضافة إلى فشل عدد من العمليات العسكرية التي نفذتها فتح.

رأى القائد أبو جهاد (خليل الوزير) أن تنفيذ عملية نوعية داخل الأرض المحتلة، سيكون من شأنه تحقيق عدة أهداف بالغة الأهمية، منها إرسال عدة رسائل لأطراف عدة؛ لإعادة البوصلة إلى اتجاهها الصحيح بعد مبادرة السادات وزيارته للقدس، وإعلانه أن مصر اختارت أن تمضي قدما في طريق السلام مع العدو الصهيوني، وكانت الرسالة الموجهة للصهاينة أنه ليس من الممكن أن ينعم الكيان الصهيوني بالسلام؛ مهما كانت درجة تخاذل بعض الأنظمة العربية، وأن الداخل الفلسطيني متاح حتى العمق للعمل الفدائي المقاوم، وأن العمليات التصفوية التي تستهدف قادة الكفاح الفلسطيني؛ لن تثني المقاومين عن عزمهم، ولن توقف الكفاح المسلح ضد المحتل. وكانت هناك رسالة أخرى لجميع الفصائل الفلسطينية لتجديد العهد من أجل وحدة الصف المقاوم، وأن السبيل الوحيد لتحرير الأرض هو العنف الثوري المسلح ضد الاحتلال الصهيوني وتجمعاته داخل الأرض المحتلة وخارجها.. وحدد الرابع عشر من مارس /آذار من العام نفسه لتنفيذ العملية التي سميت بعملية الشهيد كمال عدوان؛ بواسطة مجموعة “دير ياسين” المكونة من ثلاثة عشر فدائيا، تقودهم دلال المغربي.

استهدف المخطط  إنزال المجموعة على الشاطئ الفلسطيني، ثم التحرك من خلال حافلة عسكرية –يتم الاستيلاء عليها– لاحتلال مبنى الكنيست بمدينة بقلب عاصمة العدو.

وبالفعل استقلت المجموعة سفينة تجارية من الساحل اللبناني، وعلى بعد 12 ميلا من الشاطئ، أنزلت المجموعة زورقين مطاطيين؛ لكن قوة الرياح حالت دون وصول الزورقين للشاطئ في الموعد المحدد.. وبعد ليلة عاصفة قضاها الأبطال في عرض البحر؛ استطاعوا الوصول للشاطئ ونجح الإنزال في منطقة غير مأهولة، يطلق عليها الصهاينة اسم مستعمرة “معجان ميخائيل” وهي على بُعد نحو 25 كيلو مترا جنوبي حيفا.

مجموعة دير ياسين
مجموعة دير ياسين

في الطريق الدولي المتجه إلى يافا المحتلة، أوقف الفدائيون سيارة واستقلوها، ثم ما لبثوا أن استولوا على حافلة ركاب كبيرة، وبعد قليل أوقفوا حافلة أخرى واقتادوا ركابها البالغ عددهم 63 شخصا إلى الحافلة الأولى واحتجزوا الجميع كرهائن، وواصلوا السير نحو عاصمة العدو.

بوصول الأنباء للجانب الصهيوني؛ أصيب الجميع بحالة من الذهول والهلع؛ إذ لم يتوقعوا إقدام الفلسطينيين على تنفيذ عمليةٍ، تحمل هذا القدر من الشجاعة والجرأة.

حشد العدو قواتٍ كبيرة من الجيش والشرطة وحرس الحدود، لكن الفدائيين استطاعوا تدمير شاحنتين، وقتل كل من فيهما من الجنود أثناء محاولة اعتراضهم من قبل مجموعة تابعة للجيش، وكان الوقت قد صار ليلا، ما اضطر الصهاينة لإنارة المنطقة بكاملها بطائرات الهليوكوبتر.

استطاع الفدائيون اجتياز الحاجز الثاني، الذي أقامه العدو على الطريق الدولي بين حيفا وتل أبيب، بعد قتل وجرح أفراده وتدمير شاحنة إسرائيلية.

وعندما اقتربت الحافلة من “تل أبيب” صدرت الأوامر للقوات بضرورة إيقاف المجموعة بأي ثمن.. فأغلقت قوات العدو الطريق بالسيارات، وقد تمركز جنود العدو على الجانبين قرب منطقة يطلقون عليها اسم “هرتسيليا” بعد أن اتخذوا من نادٍ قريب يسمى “كانتري كلوب” مركزًا لقيادة عملية صد الهجوم الفدائي.

وللمرة الثانية يخفق العدو في إيقاف المجموعة، وينجح الأبطال في اختراق الحاجز الثالث.. لكن الحافلة التي كان يستقلها الفدائيون تتوقف، بعد استهداف إطاراتها بالرصاص.. على إثر ذلك نزل الفدائيون منها وانتشروا في المنطقة، وجرت معركة عنيفة استعان الصهاينة فيها بقوات إضافية.

أسفرت المعركة عن استشهاد أحد عشر فدائيا، كانت على رأسهم دلال المغربي، التي حرص السفاح إيهود باراك على أخذ صورة مع بقايا جثمانها الطاهر، الذي كذب الصهاينة بعد ذلك عندما زعموا تسليمه لحزب الله في صفقة تبادل أسرى ورفات، وأثبت اختبار الحمض النووي أن الجثامين المسلّمة ليس بينها جثمان دلال.

وأسر اثنين من رجال المجموعة كانا قد جُرحا، وانفجرت الحافلة بعد إصابتها بقذيفة صهيونية؛ فقتل معظم من كانوا بداخلها، وأصيب الباقون بجراح خطيرة أدت لوفاة بعضهم بعد ذلك.

منفذو العملية
منفذو العملية

وقد اعترف العدو بمقتل سبعة وثلاثين من الرهائن وجرح اثنين وثمانين، ومقتل شرطي وإصابة تسعة آخرين، واحتفظ جيش العدو بعدد من قتل من جنوده.. ولكن الدلائل تشير أنه فقد عددا لا بأس به في تلك العملية.

لقد هزت عملية الشهيد كمال عدوان المجتمع الإسرائيلي بشكل لم يسبق له مثيل، وأشاعت الرعب بين الصهاينة لأيام لزموا فيها الدور والمخابئ، وفرضت سلطات الاحتلال حظر التجول لمدة يومين على منطقة كبيرة امتدت من  مغتصبة تل أبيب حتى  “نتانيا” المقامة على أرض مدينة أم خالد الفلسطينية، وأغلقت المدارس والمصانع في تلك المنطقة، ما أصاب حياة نحو ثلاثمئة صهيوني بالشلل التام.

نفذت سلطات الاحتلال أكبر عملية تفتيش أشرف عليها قائد المنطقة الوسطى، واستمرت أكثر من يومين، وشارك فيها نحو 6000 من أفراد الشرطة وحرس الحدود. وفرضت الشرطة الحماية على ألف ومئتي مؤسسة تعليمية وتسعة وتسعين فندقا وخمسة مشافي، وأقامت عشرات الحواجز على الطرق.

كما نفذت وحدات خفر السواحل عمليات تفتيش دقيقة على طول الساحل الفلسطيني الشمالي والأوسط، ومنعت العبور من الضفة الغربية إلى الداخل الفلسطيني المحتل، وأغلقت جسور العبور على نهر الأردن، واعتقلت العشرات من المواطنين العرب في المناطق الساحلية للتحقيق معهم.

لقد أكدت تلك العملية البطولية على أن المقاومة الفلسطينية قادرة على بلوغ أهدافها داخل العمق الصهيوني، كما أكدت هشاشة وضعف العدو الصهيوني مهما اتخذ من إجراءات، ومهما ارتكب من جرائم، كما أكدت العملية على أن الخط المقاوم هو السبيل الوحيد لتحرير فلسطين من البحر إلى النهر، وهو طريق استعادة الحق المغتصب، وأن كل محاولات المهادنة والاستسلام والتطبيع ستذهب –وإن طال الزمن– إلى مكانها الطبيعي في مزبلة التاريخ.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock