رؤى

بصمات عربية على عصر النهضة.. نيكولاس هيسّه يقيم اللغة شاهدا ودليلا

حتى أوائل القرن الخامس عشر، استمر العمل بشكل ممنهج على محو آثار الحضارة العربية الإسلامية من الكتب والمراجع الأوربية؛ حدث ذلك لأسباب عديدة وبعدة وسائل.. ربما كان السبب الأول في ذلك  اكتشاف “إنسانيي النهضة” للعديد من الأخطاء في المصادر العربية؛ ما دعا الكثيرين منهم إلى المطالبة بضرورة الإسراع بالعودة إلى الأصول اليونانية.. بعد أن تسببت كثرة الترجمات في وجود كم هائل من الاختلافات التي لا يمكن غض الطرف عنها.. لكن التوسع في ذلك العمل جرّ عليهم رذائل جمة، تعلقت بتعمد التزييف في أحيان كثيرة، ونسبة كثير من الاكتشافات والمخترعات إلى غير أصحابها، خاصة في علوم الطب الصيدلة والفلك. كما عمد هؤلاء إلى الانتقاص الشديد من القيمة العلمية  للمنجزات التي لم يستطيعوا نسبة أصلها إليهم.. وهذا مكون رئيس في العقلية الأوروبية التي يدفعها الاستعلاء في كثير من الأحيان إلى الإنكار واختلاق المواقف والأحداث.. وهذا ما أثبته فلاسفة أوروبيون منصفون كثر، منهم الفيلسوف والمستعرب الالماني الدكتور داج نيكولاوس هيسه، الذي يذهب بعيدا في تشريحه للنسخة الحالية من الحداثة الغربية؛ ناقدا الزعم بأن المكون الرئيس لها هو مزيج من العقل اليوناني والمسيحية فقط، مؤكدا أن هذه الرؤية تُخلُّ بكثير من الحقائق، أو أنها قيلت بحسن ظن ناجم عن تقصير شديد في تلمّس أسباب المعرفة؛ لأن التأثيرَ المتبادل بين الثقافات المختلفة أمرٌ لا يمكن إنكاره، كما لا يجب المبالغة فيه.

ويلمح الدكتور هيسه إلى إن كثيرا من الكتب الجامعية في أوروبا تتضمن اليوم فصولا عن مساھمة العلوم العربية وفلسفاتھا في التاريخ الأوروبي؛ ما سيكون من شأنه إثراء جدالات علمية؛ ستكشف العديد من الحقائق حول ما يسمى بـ “الإسلاموفوبيا” وبالتدريج سيصل الداعون إليه إلى أن قضيتهم خاسرة.

وفي الوقت الذي تنتشر فيه في عديد من الأوساط في ألمانيا دعاوى التحذير من “أسلمة” الغرب يرى هيسه أن معرفة الواقع المشترك بين الشرق والغرب هو الأولى بالاهتمام؛ لأن الثقافة العربية حاضرة في كثير من كلمات اللغة الألمانية وأسماء بعض العلوم كالجبر، وأسماء النجوم أيضا – أثبت هيسه ذلك من خلال تطوير برمجيات استطاع من خلالها رد الكثير من التعابير اللغوية الغربية إلى مصادرها الأولى؛ فاكتشف أنها عربية الأصل في أغلبها– كما أن الأديان الإبراهيمية أتت من الشرق الأوسط.. ويضيف “إن الشرق هو جزء من ماضي ألمانيا، وما يحمله هذا الماضي من خصوصية يمثل جزءا من وجودنا اليوم”.

ويكمل “لندع انحيازاتنا جانبا؛ فهي لا تمثل من الناحية العلمية سوى أثقال وعوائق، تحول بيننا والوصول إلى الحقائق، ومهما كانت المغريات؛ فإن الظفر بالاتزان والموضوعية في تناولنا للدراسات الفلسفية والتاريخية أكثر نفعا؛ لأنه بمثابة إنقاذ للماضي من الغرق في بحر من الإجحاف أو المبالغة”.

ويؤكد هيسه على أن الثقافة العربية لم تعتمد النقل عن الثقافة الإغريقية والرومانية بل كانت رافدا صافيا مساويا لهما في القيمة والمرتبة في علوم كالطب والفلسفة والفلك، وقد كان شائعا في القرون ما بين الثالث عشر والسادس عشر أن تجد الطلاب الأوروبيين في تلك المجالات يقرأون كتبا عربية مترجمة إلى اللاتينية، كما يشير هيسه إلى أن المصادر الأوروبية القديمة في الآداب والأخلاقيات والدين ظلت مؤثرة بانفراد دون منافسة عربية تذكر.

البروفسير "هيسه" مع طلابه في قسم تاريخ الفلسفة بجامعة "فورتسبورج"
البروفسير “هيسه” مع طلابه في قسم تاريخ الفلسفة بجامعة “فورتسبورج”

لا يستنكف “هيسه” الإعلان عن أن الغرب استولى بوعي كامل على الفكر العربي، ناهيك عن التأثيرات غير الواعية التي تركت ظلالها على كثير من المجالات العالمية في أوروبا؛ خاصّة الطب الذي لم يُعْنَ دارسوه بمعرفة مصادره التي كانت في أغلبها عربية.

على نحو شخصي.. يشعر هيسه بامتنان كبير نحو الثقافة العربية، التي فتحت لديه باب الأمل في إيجاد حقول جديدة غير معالجة، في الدراسات المتعلقة بأرسطو وأفلاطون، وكان قد حاول اكتشافهما في سني دراسته الأولى بالجامعة، وصُدِمَ بنتيجة أنهما دُرسا تماما واكتملا بحثا وليس ثمة جديد يضاف؛ لكن “اسم الوردة” لأمبيرتو إيكو وهو الكتاب الذي حقق أعلى المبيعات في الثمانينات، وفيه ألمح إيكو إلى الزوايا العربية في المكتبة فيما يتعلق بالدراسات القروسطية.. قد نبّهه إلى طريق جديد.. يقول هيسه أنه قرر بعد ذلك العودة لأرسطو وأفلاطون؛ لكن من خلال المخطوطات العربية التي لم ينظر إليها بعين الباحث من قبل.

ويرى هيسه أن التأثير العربي في الثقافة الأوروبية، خلال القرون من الثالث عشر إلى السادس عشر، لا يجب أن يكون محل إنكار من أحد؛ وأن ما يجب التركيز عليه الآن هو البحث العلمي في هذه الآثار في مجالات لم تحظ إلى يومنا هذا بالاهتمام الكافي مثل “…المنطق وعلم الحيوان، والميتافيزيقا، والكيمياء، والسحر، وعلم الفلك”.

دكتور "هيسه" في مكتبته بالمنزل
دكتور “هيسه” في مكتبته بالمنزل

بطاقة تعريف:

  • تخرج دكتور “هيسه” في جامعة جوتنجن عام1993، متخصصا في اللغة اللاتينية في العصور الوسطى والعصر الحديث، والفلسفة العربية.
  • قضى عاما كاملا في جامعة “ييل” قبل أن يلتحق في عام1997، بمعهد “واربورج”.
  • نال درجة الدكتوراه من جامعة لندن، وقد تمحورت أُطروحته في الدكتوراه حول موضوع “مقالة ابن سينا في النفس في الغرب اللاتيني”.
  • فور نيله الدكتوراه  التحق هيسه بالعمل أستاذا مساعدا بجامعة “فورتسبورج”.
  • انتقل “هيسه” بعد ذلك إلى جامعة “فرايبورج” حتى عام 2005، عاد بعدها إلى “فورتسبورج” ليصب جُلَّ اهتمامه على الفلسفة العربية، والعلوم ذات الصلة بها وأثر ذلك على اللغة اللاتينية والفلسفة الأوربية.
  • في عام2010، أصبح د. “هيسه” رئيسا لقسم تاريخ الفلسفة بالجامعة، وفي العام 2016، حصل على جائزة “غوتفريد ويلهلم ليبنيز” المعروفة باسم “نوبل” ألمانيا والتي تقدر قيمتها المالية بنحو2.5 مليون يورو بعد أن جاء تقرير لجنة الجائزة مؤكدا على أن د. “هيسه” قد وصل إلى بداية مبتكرة في رؤية تاريخية معمقة للنهضة الأوروبية تقوم على منهجية تحليلية طورها “هيسه” ليكشف من خلالها عن العلاقات المتشابكة بين الشرق والغرب في القرون الوسطى، وإلى عصر النهضة في الفلسفة واللاهوت والعلوم التطبيقية عند اللاتينيين والعرب واليهود في مجالات الطب والفلك والرياضيات.. في العام التالي اختير “هيسه” لعضوية أكاديمية العلوم البافارية وقيادة مشروع “بطليموس” للدراسات العربية اللاتينية.
  • فاز هبسه بجائزة الشيخ زايد الإماراتية في فرع الثقافة العربية في اللغات الأخرى للعام ٢٠١٨، عن كتابه الأهم “النجاح والجحود: الفلسفة العربية وعلومها في عصر النهضة” الذي أنصف فيه الثقافة العربية ورد على كثير من المقولات التي انتقصت من قدرها، وأضعفت من تأثيرها على الثقافة الأوروبية في القرون الوسطى.
  • كان قد صدر لـ “هيسه” في عام2000، كتاب بعنوان ابن سينا و “دي أنيما” وهو كتاب لأرسطو في الروح ويعتبره البعض أول كتاب في علم النفس- نحو تشكيل فلسفة متحيزة للروح. وعمل آخر باسم “الجيل الأصلي ونظرة عالمية أرسطو- ابن رشد- باستور”.. وفي2006، قدّم ورقة في مؤتمر “باليرمو” الثاني عشر للفلسفة بعنوان “الرشدية اللاتينية في ترجمات النصف الأول من القرن الثالث عشر”.

ماهر الشيال

باحث وكاتب ومحرر مصري.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock