ثقافة

الرسالة الأخيرة للإصلاحي الثائر

“أعيش في الأزهر غريبا بين قومٍ غرباء عني، وأنّي في هذا مثل الشيخ حسن العطار حينما كان يعيش بينهم، ويشكو من غربته، فيقول:

ما في الديار أخو وجد نطارحه.. حديث نجد ولا خلٌّ نُجاريه

ولكني جهرت برأيي بينهم فازددت غربة منهم، وصرت أمشي على الأشواك بينهم، ولو أني سرت بينهم على الحرير كما سار بعضهم لكان لي وللأزهر شأن غير هذا الشأن، ولم نصر إلى ما نحن عليه الآن من ذلك اليأس القاتل.

ربّ إنك تعلم أني لا أتألم مما لقيته من الجحود في الأزهر إلا لأني كنت أريد أن يسير النظام الحديث له في الوضع الصحيح الذي أراده الشيخ محمد عبده، ولعلّك ربي أردت لي غير ما كنت أريد مما عجز الشيخ محمد عبده عنه، فلم ترض لي أن أقف عند حدّ الدعوة إلى الإصلاح، بل أردت لي أن أفتح باب الاجتهاد في العلم والدين بنفسي، بعد أن أبى الأزهر إلى المضي في جموده، فسرت في طريق الإصلاح الذي أراد ربي أن أسير فيه، وجمعت في ذلك بين الاشتغال بالتدريس والتأليف، وقيّد الله لي ناشرين طبعوا بعض مؤلفاتي في الوقت الذي جحدني قومي، وتنكّروا لمؤلفاتي، وهي مؤلفات لا يعرف قيمتها إلا خاصة الخاصة من القرّاء، وما أندرهم، ومؤلفاتي التي لم تطبع أكثر من التي طُبعت، وهنا يُدركني من الألم ما يُدركني؛ لأني أنظر فأرى من يمشى في الأزهر على الحرير لا يعمل شيئا ينفعه، وأرى أني أسير على الأشواك فيه بينما أنفعه بمؤلفاتي، وأقوم ببعض ما يجب عليه في نهضتنا العلمية الحاضرة.. ومَن تجب عليهم مساعدتي يتنكرون لي ويجعلون حياتي بينهم سلسلة من الآلام وضروبا من الأوجاع.. والله يعلم أني لا أتألم من أشواكهم إلا لأنها تعوقني عن بعض ما أريد لمؤلفاتي، ولكني أحمدك ربي على هذه الآلام، لأنك لم تجعلني أركن بها إلى اليأس، بل جعلتها مما يحفزني على العمل”.

حرية الفكر في الإسلام.. عبد المتعال الصعيدي

بهذه الكلمات كانت نجوى الشيخ عبدالمتعال الصعيدي (٧ مارس١٨٩٤م/١٣١٣هـ – ١٣ مايو ١٩٦٦م) إلى ربّه مع اقتراب نهاية رحلة حياة علمية استمرت ما يزيد عن نصف قرن عاشها يُحارب بقلمه جمود أزهره الذي وقف حائطَ صدٍّ أمام إصلاح الفكري الديني، منطلقا من قناعاته بأفكار الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده الذي رأى أن “إصلاح الفكر الديني مقدمة كل إصلاح سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي”، ولم يكن الإصلاحي الثائر الشيخ عبد المتعال الصعيدي الذي تربّي في على فكر الأستاذ الإمام، وفي مدرسة تلامذته، أحسن حظا منه ومن تلامذته، فتعرّض مثلهم للعديد من المحن لمواقفه الإصلاحية، أشهرها محنته الأولى، عندما نشر كتابه: “نقد نظام التعليم الحديث في الأزهر” عام ١٩٢٤، منتقداً نظام العالمية الجديد (الإجازة العالية) لما فيه من تكرار لسلبيات النظام القديم من إهمال التخصص في العلوم، واقتصار كتبه على مُتون غامضة معقّدة تدور حولها الحواشي والشروح، واعتماده على طريقة تقليدية تلقينية في التدريس، لا تعنى بتربية ملكة الفهم والنقد، وتفتقد التدرّج، فتأخذ المبتدئين بما تأخذ به المنتهين، داعياً إلى تعليم اللغات، وإرسال بعثات إلى أوروبا، وإنشاء نادٍ ومجلةٍ للأزهر، وإنشاء مجمع علمي ولجنة تأليف، ومطبعة، فقامت الدنيا، ولم تقعد وأُحيل للتحقيق الذي أوصى بعزله من المعاهد الدينية إلا أنّ العقوبة خُفّفت إلى خصم خمسة عشر يوماً من راتبه.

وفي سنة ١٩٣٧ كانت محنة الشيخ الصعيدي الثانية عندما نَشَر عدة مقالات في جريدة السياسة الأسبوعية يدعو فيها إلى تطوير فقه الحدود، داعيا إلى الأخذ بقول الإمام ابن حزم في جعْل المرتد يستتاب حتى موته، فليس عليه حدّ، وأنّ حديّ الزنا والسرقة للإباحة لا للوجوب، فاتّهم بالدعوة إلى هدم الحدود، وشُكّلت لجنة للتحقيق معه انتهت إلى صدور قرار الشيخ المراغي بحرمان الشيخ عبد المتعال الصعيدي من الترقية لمدة خمس سنوات، ونقله إلى القسم العام بطنطا. فـإن “كان الشيخ المراغي أقرب إلى أستاذه الشيخ محمد عبده، إلا أنه كان يميل إلى ملاينة الرجعية، وكان لهذا أثره معي في رأيي في أنّ كلا من القطع في السرقة والرجم في الزنا إنّما هو أقصى عقوبة فيهما، كما أن القتل أقصى عقوبة في حد الحرابة، وبهذا يُمكننا أن نُحقق في ذلك بما يلائم زماننا، ونُذلل أكبر عقبة تعترض العمل بشريعتنا في عصرنا، فآثر أن يُرضي الرجعية بعقابٍ هدأت به، وإن كان أقل من العقاب الذي كانت تريده لي، وتناسى أن رأيي في صميم التجديد والإصلاح”.

وفي ٢٤ مارس سنة ١٩٥١م كانت محنته الثالثة عندما رفض المجلس الأعلى للأزهر ترقيته المُستحقة إلى درجة أستاذ كرسي في كلية اللغة العربية بالقاهرة، ليخوض معركة قضائية ضد شيخ الكلية/ عميدها سليمان نوّار، وشيخ الجامع الأزهر الأستاذ الأكبر (الإمام الأكبر حاليا) عبدالمجيد سليم وقد وقف إلى جانبه انتصارا لمذهب الإصلاح، وتأييدا لدعوة التجديد، الدكتور السعيد مصطفى السعيد أستاذ القانون الذي شغل منصب مدير/رئيس جامعة الإسكندرية ثم جامعة القاهرة، وقد أراد هو والشيخ عبد المتعال الصعيدي أن يجعلا من القضية قضية لحرية الفكر وإظهار عجز الجامدين في الأزهر عن المواجهة الفكرية لما انتهت إليها اجتهادات الشيخ الصعيدي في قضايا مثل قضية الحدود الإسلامية.

وكان رأي الأستاذ السعيد أن تستمر القضية إلى أن تصل إلى الغاية لكن الشيخ عبد المتعال الصعيدي كما يقول: “لحبي للمسالمة آثرت أن تنتهي صلحا بعد وصولي إلى حقي وأن أدع للأقدار حكمها على هذه الرجعية الظالمة، فلعله يكون أقسى عليها من حكم القضاء، وقد حكمت عليها بأقسى حكم”. كما جاء في مقدمة كتابه قضية مجاهد في الإصلاح وبحوثها الدينية والعلمية والأدبية الذي نُشر في ٩فبراير ١٩٥٨م-٢٠ رجب ١٣٧٧هـ، الذي أهداه إلى الدكتور السعيد مصطفى لموقفه المساند له.

قدّم الشيخ عبد المتعال الصعيدي للمكتبة عدد ضخم من المقالات والكتب المخطوطة والمطبوعة، منها أربع مخطوطات ضخمة حول القرآن الكريم لم تر طريقها إلى النور، وهي:

١- المصحف المبوّب: تُبوب فيه كل سورة على هوامش المصحف، لتظهر وحدة متسقة مرتبة ترتيبا منطقيا، ولا يكون هناك مجال للطعن في القرآن بأنّه سيء النظم، ثم يُذيل المصحف بفهرس عام يضم الموضوعات المتشابهة فيه على ترتيب الحروف الأبجدية، وهذا الإخراج العلمي للمصحف، وصفه الصعيدي بأنه: “إخراج لم يسبقني أحد إليه”.

عبد المتعال الصعيدي

٢- المصحف ذو المراجع: وهو مصحف وضع في أسفل صفحاته مراجع آياته في الكتب التي طالعها، وفيها ما يُفيد الرجوع إليه فيها، وهي كتب تعد بالمئات إن لم تعد بالألوف، وهذا الإخراج العلمي للمصحف، وصفه الصعيدي بأنه: “إخراج لم يسبقني أحد إليه”.

٣- مفاتيح كنوز القرآن: يبلغ نحو ألف صفحة، وهو دائرة معارف قرآنية تشتمل على عشرات من الفهارس التي تنظم الوصول إلى هذه المعارف، وهي موضوعة على طريقة، وصفها الصعيدي بأنها: “لم يسبقني أحد إليه”.

٤- القصص القرآنية والسند التاريخي: وهو كتاب يشتمل على دراسات علمية تاريخية للقصص القرآنية، وهي في تقديره، “تبلغ نحو ألف صفحة”.

أمّا مؤلفاته فيُمكننا حصرها على النحو التالي: اثنتان وثلاثون كتابا طُبعت قبل عام ١٩٥٨م:

١- المجددون في الإسلام من القرن الأول إلى الرابع عشر، ٦٥٠ صفحة.

٢- تجديد علم المنطق في شرح الخبيصي على التهذيب، ١٧٦ صفحة، الطبعة الرابعة، ١٩٥١م.

٣- بغية الإيضاح لتلخيص المفتاح (أربعة أجزاء) وهو تعليقات على كتاب السكاكي سنة ١٩٥١م.

٤- الكميت بن زيد شاعر العصر المرواني وقصائده الهاشميات، ١٦٠ صفحة، سنة ١٩٣٤م.

٥- تجديد علم الوضع.

٦- شباب قريش في العهد السري للإسلام، ٢٣٢ صفحة، الطبعة الثانية سنة ١٩٤٧م، وصدرت الطبعة الأولى باسم: تاريخ الجماعة الأولى للشبان المسلمين.

٧- الميراث في الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية والوضعية.

٨- النحو الجديد، ص٢٧٢، سنة ١٩٤٧م.

٩- القضايا الكبرى في الإسلام، ٤٠٤ صفحة، ١٩٤٨م.

١٠- لماذا أنا مسلم ١٩٢ صفحة طُبع في حياته خمس مرات

أ.د عبد الباسط سلامة هيكل

أستاذ بجامعة الأزهر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock