رؤى

آثار عكا القديمة .. توحي بهويتها وتشهد على تاريخها

عندما تُلقي نظرة سريعة عليها من بعيد سيشد انتباهك مئذنة وقبة مسجدها، وعندما تتأمل سورها وأبراجها وقلعتها؛ ستدرك أن تاريخها كان حافلًا بالمعارك، وأن أرضها كانت مطمعًا للغزاة والفاتحين، إنها عكا.. أجمل المدن الساحلية في فلسطين المحتلة، التي ما زالت تعاني من ويلات الاحتلال الإسرائيلي.

فمنذ خمسة وسبعين عامًا، وفي يوم 14 مايو عام 1948، انسحبت بريطانيا من فلسطين، وانتهى الانتداب البريطاني عليها؛ ليعلن قيام دويلة الكيان الصهيوني، بصدور الوثيقة التي خاطبت يهود الشتات؛ كي يهاجروا إلى دولة الشعب اليهودي المفتوحة لاستقبالهم والمُرحِّبة بعودتهم إلى ما زعموا أنها أرضهم التاريخية.

ومنذ ذلك التاريخ.. بدأ الاعتراف التدريجي بهذا الكيان في العالم؛ باعتباره دولة مستقلة ذات سيادة؛ ومن ثم فليس على دول الجوار العربية سوى تقبل وجودها والترحيب بالسلام معها سواء في القريب العاجل أم بعد أمدٍ غير طويل!

وبالرغم من توالي الحروب على أرض فلسطين من أجل تحريرها، ومع أن الصراع بين أهلها المتشبثين بحقهم في العيش بحرية، في وطنهم وبين الدخلاء المحتلين لبلادهم- لم يزل مستمرًا؛ إلَّا أن التطبيع الآثم، قد ساهم تدريجيًّا في التخلي عن الثأر لشهدائها الأبرار من جهة، وفي الاستسلام لمحاولات سرقة موروثها الحضاري وطمس معالمه.

إن عكا التي تقع اليوم في لواء الشمال الإسرائيلي، وذلك منذ التقسيم الإداري بعد حرب عام 1948، تضم الكثير من الآثار القديمة التي توحي بهويتها، وتشهد على تاريخها.. سواء قلعتها ذات الأسوار والأبراج والسجن بداخلها، أو مساجدها وكنائسها، أو أسواقها والأحياء القديمة والخانات والحمامات. فموقع ميناء عكا في الجهة الجنوبية للمدينة جعله محميًّا من الرياح الشمالية؛ إذ تتصل عكا باليابسة من الجهتين الشرقية والشمالية، بينما تحيط بها المياه من الجهتين الغربية والجنوبية. وتنقسم عكا حاليًا إلى البلدة القديمة ذات الأسوار والآثار القديمة والضاحية الجديدة التي تمتد إلى الشمال والشمال الشرقي خارج الأسوار.

وهذه المدينة التي تبعد 179 كم عن مدينة القدس تتمتع بموقع استراتيجي هام؛ إذ تربط شرق العالم بغربه، كما إنها واحدة من المدن التاريخية المدرجة ضمن تراث اليونسكو العالمي؛ لكونها من أقدم مدن فلسطين. وقبل نكبة عام 1948، كان أغلب سكان عكا من العرب المسلمين، بالإضافة إلى طائفة يهودية صغيرة، ولكن مع تزايد عملية الاستيطان الصهيوني؛ أصبح الفلسطينيون المسلمون والمسيحيون يشكلون اليوم نحو ثلث سكان عكا.

فمع اندلاع الحرب العربية الصهيونية؛ شُرِّدَ حوالي 750 ألف فلسطيني من أرضهم ووطنهم، كان من بينهم 47 ألف لاجئ من عكا. وفي ظل عملية التهويد المدروسة للمدن الفلسطينية القديمة، هُجِّرَ أهالي بلدة عكا القديمة من أجل إحلال المستوطنين اليهود في الأحياء العربية القديمة، كما سُكّن المهاجرون الإسرائيليون في الأحياء الجديدة المحيطة بالبلدة القديمة؛ ما أضفى عليها طابعا يهوديا إسرائيليًّا، بعدما طُمست وغُيرت الهوية الأصلية للمدينة بتفريغها من سكانها الأصليين وبتهويد مبانيها القديمة وآثارها التاريخية بزعم تحويلها إلى مناطق سياحية.

تتميز عكا بتنوع معالمها التاريخية ومبانيها الأثرية، ما بين قلاع وأسوار وأبراج ومساجد وكنائس وأسواق وخانات وحمامات. والعمارة الحربية في عكا تعود آثارها إلى القرن الرابع قبل الميلاد؛ حيث الأسوار التي بناها اليونان، وأعاد تجديدها فيما بعد الرومان. وفي عهد الدولة الأموية اهتم عبد الملك بن مروان وهشام بن عبد الملك بتحصينات المدينة، التي تحولت في عهد العباسيين إلى ثغر هام استخدموه لصد هجمات الرومان، وكان أحمد بن طولون من أبرز حكام المسلمين، الذين اهتموا بزيادة تحصينات عكا إلى أن وقعت في أيدي الصليبيين.

ومن أشهر معالم عكا.. قلعتها التي بنيت في القرن الثاني عشر الميلادي، فوق أنقاض القلعة الصليبية المنسوبة إلى (فرسان المعبد أو الإسبتارية أو فرسان القديس يوحنا) وهم الرهبان الذين كانت مهمتهم الحفاظ على سلامة الرعايا المسيحيين في عكا، ويوجد بها سجن عكا الشهير. وقد أكمل بناءها أحمد باشا الجزار، واستعملت أثناء الانتداب البريطاني كسجن مركزي، وكانت أحكام الإعدام تنفذ بها، ومن أشهرها إعدام ثلاثة من شباب المقاومة الفلسطينية يوم 17 يونيو 1930، وهم أبطال ثورة البراق: محمد جمجوم، وفؤاد حجازي، وعطا الزير. كما أعدم فيه المناضل الفلسطيني فرحان السعدي عام 1937، وكان أحد أهم قادة ثورة 1936. وفي القلعة التي بناها حراس المعبد الصليبيين في عكا يوجد نفق الفرسان الذي ييلغ طوله 350 مترًا، ويمتد من القلعة وحتى ميناء المدينة وقد اكتشف عام 1994.

ولقد اهتم العثمانيون بمدينة عكا.. ففي عهد ظاهر بن عمر  الزيداني [1705-1775] جرت أكبر عمارة حربية فيها، وذلك منذ أن فرض نفوذه عليها عام 1744، فبنى سورها الحالي الذي يحيط بالمدينة القديمة عام 1750، وجعل له بوابتين إحداهما في جنوبه الشرقي، وهي تقع على بعد مئة متر داخل البوابة الحالية، والبوابة الثانية في شمال السور وإلى الشرق من قصره. كما أنشأ ظاهر العمر السوق الأبيض، وخان الشونة، وحمام شعبي يعود لسنة 1735، ولكنه أغلق في عام 1962. هذا بالإضافة إلى جامع يحمل اسمه بناه عام 1748، شُيّد على أنقاض مبانٍ صليبية قديمة، وقد تهدمت مئذنته بعد هزة أرضية في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي.

وفي عهد أحمد باشا الجزار [1777-1804] بُنِيَ سوران لتحصين عكا وزودا بتسعة أبراج للمراقبة ومرابض ضخمة للمدفعية، ما جعل المدينة تصمد أمام الفرنسيين وحملة نابليون عام 1799.

كما شيد مسجدًا كبيرًا يحمل اسمه على نمط مساجد إسطنبول العثمانية الطراز، هذا بالإضافة إلى بناء حمام كبير وقلعة وسوق ضخم وخان العمدان. وفيما بعد رمّم سليمان باشا العادل [1805-1819] أسوار عكا وأبراجها، وتجديد جامع المجادلة وجامع البحر، وبناء سبيل أمام بوابتها، كما أعاد بناء السوق الأبيض بعد احتراقه في عام 1917، هذا بالإضافة إلى بناء عدة قصور.

وفي عكا عدة خانات، منها خان الإفرنج الذي بُنِيَ في بداية القرن السادس عشر الميلادي على يد الرهبان الفرنسيسكان، ويقع هذا الخان في الطرف الشرقي من مدينة عكا، بالقرب من برج السلطان، وهو من الأبراج التي تعود إلى عهد الصليبيين، وكان مركزًا للتجار الأوروبيين.

وهناك أيضًا خان العمدان  أو خان الجزار (نسبة إلى مشيده أحمد باشا الجزار)، ويقع قرب مدخل الميناء وبُنِي سنة 1785. والخان كلمة فارسية الأصل تعني فندق أو استراحة للمسافرين والتجار، وخان العمدان عبارة عن مبنى مربع الشكل يتكون من طابقين ويرتكز على أعمدة من الجرانيت؛ جُلِبَت من خرائب قيسارية وعتليت، وفوق مدخله الشمالي يقع برج الساعة الذي بني عام 1901 بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لجلوس السلطان عبد الحميد الثاني على العرش في إسطنبول.

ومن أشهر معالم عكا الأثرية، حمام الباشا الذي شيده أحمد باشا الجزار عام 1795، على طراز الحمامات الإسلامية، التي تستمد إضاءتها من الزجاج الملون في السقف المقبب؛ عوضًا عن النوافذ.

أما ميناء عكا السياحي الحالي فقد كان من أقدم الموانئ التاريخية في العالم؛ إذ لعب دورًا هامًّا في العديد من الأحداث التاريخية الخاصة بالصراع حول الاستيلاء على أرض فلسطين.

ومن بين مساجد عكا الأثرية أيضًا مسجد الزيتونة، ومسجد سنان باشا (مسجد الميناء أو جامع البحر) الذي بُني عام 1806، على يد سليمان باشا في نفس موقع مسجد سنان باشا، الذي يرجع إلى أواخر القرن السادس عشر الميلادي.

وهناك أيضًا مسجد الجزار، أهم مساجد عكا الذي يرجع بناؤه لعام 1781، والذي يعد ثاني أكبر مسجد في فلسطين، بعد المسجد الأقصى بالقدس. وهذا المسجد مربع الشكل، وتحيط به ثلاثة أروقة مقببة وقائمة على أعمدة من الجرانيت والرخام، وهو يقع في مدخل مدينة عكا من الجهة الشمالية، وملحق به سبيل رممه بعد ذلك سليمان باشا المدفون هو وأحمد باشا الجزار في ضريحين بالجهة الغربية من الفناء الخارجي للمسجد. ويتميز هذا المسجد بقبته الخضراء والساعة الشمسية وصهاريج المياه والمدرسة الأحمدية التي أغلقت عام 1948، كما كانت تعقد في باحته المحكمة الشرعية.

ومن أقدم مساجد عكا الأثرية جامع الرمل الذي شيد عام 1704، على أنقاض مبانٍ صليبية، وجامع المجادلة الذي يرجع لعام 1810 ويتميز بمئذنته العالية، وجامع البرج الغوري الذي يطل على شارع صلاح الدين وكان يستعمله الضباط الأتراك، وهناك أيضًا جامع اللبابيدي، ومسجد الزاوية الشاذلية.

وفي المقبرة الإسلامية جنوبي عكا خارج الأسوار؛ يوجد مقام النبي صالح الذي كان الرحالة ناصر خسرو هو أول من ذكره، كما توجد بها أضرحة الشهداء الثلاثة الذين أعدمتهم القوات البريطانية عام 1930.

أما كنائس عكا الأثرية فمنها: كنيسة القديس يوحنا التي شيدت عام 1737، على يد تجار فرنسيين وتقع على سور المدينة شرقي برج الفنار. وكنيسة ودير القديس جورجيوس وهي كنيسة أرثوذكسية شرقية تعود لفترة الحملات الصليبية، وقد بنيت على آثار كنيسة بيزنطية. وفي وسط السوق الشعبي تقع كنيسة ودير الفرنسيسكان (اللاتين). وهناك كنيسة للكاثوليك باسم القديس أندراوس بنيت في عهد ظاهر العمر عام 1760، وعلى بعد عشرين مترًا منها تقع الكنيسة المارونية التي ترجع لعام 1750.

وهكذا تتضح هوية عكا الزاخرة بقبابها ومآذنها ومناراتها؛ فكيف يمكن إذن إخفاء تاريخها أو طمس موروثها الحضاري؟ ومع ذلك فإنه في إطار خطة الكيان الصهيوني المسماة “تطوير عكا” هُجّر السكان الفلسطينيون وفُرّغت المدينة من أهلها، بهدف تهويدها وطمس معالمها القديمة وتشويه تاريخها وسرقة تراثها الحضاري؛ ولذلك أحيطت المدينة القديمة بالبنايات الكبيرة والأبراج الضخمة، كي تُحجب معالم المدينة الأصلية، وبالفعل تحولت المحكمة القديمة إلى فندق، وبِيْعَ منزل ابنة أحمد باشا الجزار بالمزاد العلني، وغُيّرت مواقع بعض مدافع إبراهيم باشا، كما أغلق خان العمدان؛ لينضم إلى قائمة البيوت الأثرية المغلقة أو تلك التي استولى عليها الأثرياء اليهود.

وبالتالي فإن الصراع العربي الإسرائيلي لن ينتهي بالتطبيع أو بالاستسلام لتوابعه المُذلَّة، ولكنه حتمًا سيستمر ما دام هناك اعتداء سافر على الإنسان والأرض والتاريخ والحضارة، وما دام هناك بشر أحرار يدافعون عن أوطانهم، ويحمون تاريخ أجدادهم، ويعرفون قيمة موروثاتهم الحضارية، وهؤلاء فقط هم القادرون على الثأر لشهدائهم، وعدم التنازل عن حقوقهم.

نيفين عبد الجواد

كاتبة وباحثة مصرية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock