في تصريحات قبل أيام، قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، إن الدول يجب أن تتوقف عن إمداد إسرائيل بالأسلحة، مُعتبرا أن إمداد إسرائيل بالأسلحة مع المُطالبة بوقف إطلاق النار “أمر غير متسق”. هذه التصريحات أثارت غضب نتنياهو، فهاجم ماكرون في تعبير همجي لا يليق “عار عليك”.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يقترح فيها ماكرون مثل هذه الخطوة؛ فقد صرح بذلك الشهر الماضي، في الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكدًا أن “الضغط من أجل وقف إطلاق النار، مع استمرار توريد الأسلحة، أمر غير متسق”.
وكما يبدو، فإن تصريحات ماكرون -التي لم تكن مُفاجئة- تتناسب في نظر البعض، مع أسلوبه الشخصي؛ فهو عازم على الحفاظ على الطموح التقليدي لفرنسا، في أن تكون قوة دولية مستقلة؛ ولذا تأتي سياساته الخارجية جريئة ومُزعجة في بعض الأحايين.
لكن يبقى التساؤل: لماذا هذه التصريحات من ماكرون؟، وهل هي تعبير عن تغيّر في السياسة الفرنسية تجاه إسرائيل، وأمريكا بالطبع؟ أم إن هناك دوافع لهذه التصريحات في هذا التوقيت تحديدا؟
لطالما تمتعت فرنسا وإسرائيل بعلاقات ودية وداعمة، منذ تأسيس الدولة العبرية على أرض فلسطين المحتلة، عام 1948. كانت فرنسا من أوائل الدول الغربية التي اعترفت بإسرائيل، وقد قدمت دعما عسكريا واقتصاديا كبيرا لها خلال العقود الأولى من وجودها. في الخمسينات والستينات، كانت فرنسا المزود الرئيسي للأسلحة إلى إسرائيل، بما في ذلك التعاون في تطوير البرنامج النووي الإسرائيلي. ولكن هذه العلاقة شهدت تغيرا واضحًا في السبعينات عندما حوّلت فرنسا سياستها نحو الشرق الأوسط باتجاه دعم أكبر للقضية الفلسطينية، خصوصا في ظل تأثير الحرب الباردة وزيادة نفوذ الدول العربية النفطية.
واللافت، أن هناك عدة دوافع أساسية يُمكن اعتبارها محركات للتوتر الحالي بين فرنسا وإسرائيل، في الآونة الأخيرة.. أهمها:
1- التوجهات السياسية الداخلية: يُعد الرئيس ماكرون من الشخصيات التي تسعى للحفاظ على توازن دقيق في سياسات فرنسا الخارجية، خاصة فيما يتعلق بالشرق الأوسط. وفي ظل تزايد الضغوط الداخلية من الجماعات المؤيدة للقضية الفلسطينية والناشطين في حقوق الإنسان، يجد ماكرون نفسه مضطرا لتبني موقف أكثر تحفظا تجاه إسرائيل، خصوصا في سياق النزاعات العسكرية المتكررة مع الفلسطينيين. كما أن تأثير الجالية العربية والإسلامية في فرنسا، يمثل عاملا مهما في صياغة مواقف الحكومة الفرنسية.
2- السياسات الأوروبية المشتركة: تتأثر مواقف فرنسا، في كثير من الأحيان، بالسياسات والمواقف المشتركة للاتحاد الأوروبي. الاتحاد الأوروبي بشكل عام يتبنى موقفا أكثر تحفظا تجاه السياسات الإسرائيلية، خاصة فيما يتعلق بالتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية. ومن ثم، يسعى ماكرون إلى عدم الخروج عن هذا الإطار الأوروبي، خصوصا في ظل الجهود الفرنسية المستمرة لتعزيز وحدة الصف الأوروبي في مواجهة الأزمات الدولية، سواء في الشرق الأوسط أو أوكرانيا.
3- تداعيات الصراع في أوكرانيا: أحد الأسباب الرئيسية التي قد تفسر موقف فرنسا الحالي، هو التورط العسكري الأوروبي المتزايد في دعم أوكرانيا ضد الغزو الروسي. في ظل هذه الوضعية، تتبنى فرنسا ومعها دول أوروبية أخرى، سياسة حذرة فيما يتعلق بتوريد الأسلحة إلى مناطق نزاع أخرى، بما في ذلك الشرق الأوسط. وبالتالي، يرى ماكرون أن إرسال أسلحة إلى إسرائيل في هذا التوقيت، قد يُعزّز من حدة التوترات في المنطقة ويعرض فرنسا لانتقادات دولية.
4- الاختلاف حول الملف الإيراني: ثمة اختلافات كبيرة بين باريس وتل أبيب حول كيفية التعامل مع الملف النووي الإيراني. إذ، بينما تعتبر إسرائيل أن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديدا وجوديا لها، وتطالب بموقف دولي أكثر صرامة، تتبنى فرنسا موقفا أكثر دبلوماسية، حيث كانت واحدة من الدول الموقعة على الاتفاق النووي الإيراني وتسعى إلى إحيائه. هذا الخلاف الجوهري حول كيفية التعامل مع إيران، يلقي بظلاله على العلاقات الفرنسية-الإسرائيلية.
5– إيران والشيعة في أفريقيا: من الواضح، أن هذا التوتر بين فرنسا وإسرائيل له ارتباط بالجاليات الشيعية في أفريقيا، من خلال متابعة أوضاع اللاجئين من أصول افريقية على الأراضي الفرنسية. ويكشف الحد المتوافر من بعض التصريحات، بخصوص عدم انصياع باريس بتسليم واشنطن -نيابة عن إسرائيل- معلومات ترتبط بالمتمولين اللبنانيين من الشيعة وغيرهم في أفريقيا، الذين يدعمون حزب الله ماليا، ويقومون بنقل الأموال إليه عبر أوروبا، يتبدى الخلاف بوضوح؛ وهي مسألة سبق وأن أثارت توترا في العلاقات بين واشنطن وباريس، على خلفية رفض الأخيرة تلبية الطلب الاميركي.
على الرغم من هذه التوترات، من غير المتوقع أن تؤدي الخلافات الحالية إلى قطيعة دائمة بين فرنسا وإسرائيل. العلاقات بين البلدين قوية ومتجذرة في التعاون الاقتصادي والتكنولوجي والعسكري؛ ولكن هذه التوترات قد تشير إلى مرحلة جديدة من العلاقات، حيث تسعى فرنسا إلى الحفاظ على نوع من الاستقلالية في سياساتها الخارجية تجاه الشرق الأوسط.
1- توازن القوى في الشرق الأوسط: حيث تسعى فرنسا إلى لعب دور أكبر في الشرق الأوسط، كقوة دبلوماسية تسعى لتحقيق الاستقرار. من هذا المنطلق، من المحتمل أن تستمر باريس في اتخاذ مواقف أكثر توازنا بين إسرائيل والفلسطينيين، في محاولة للحفاظ على نفوذها في المنطقة ولعب دور الوسيط بين الأطراف المتنازعة. هذا الدور يُمكن أن يُعزز مكانة فرنسا على الساحة الدولية، لكنه قد يضعها أيضا في مواقف معقدة مع حلفائها التقليديين.
2- العلاقات الاقتصادية والتكنولوجية: رغم التوترات السياسية، ما تزال هناك مصالح اقتصادية كبيرة تربط فرنسا بإسرائيل؛ إذ تعد إسرائيل واحدة من الدول المتقدمة في مجال التكنولوجيا والابتكار، وفرنسا تسعى إلى تعزيز التعاون في هذا المجال. لذا من غير المحتمل أن تؤثر الخلافات السياسية على التعاون الاقتصادي والتكنولوجي بين البلدين، لكن قد تشهد العلاقات بعض الفتور في المجال العسكري.
3- إشكاليات الدور الأمريكي: لا يمكن إغفال الدور الأمريكي في العلاقات بين فرنسا وإسرائيل. الولايات المتحدة تعد الحليف الأكبر لإسرائيل، وقد تتدخل لتهدئة التوترات بين باريس وتل أبيب، إذا رأت أن ذلك يضر بمصالحها في المنطقة. وتسعى فرنسا إلى تعزيز دورها بوصفها قوة مستقلة في السياسة الدولية؛ وبالتالي، قد تسعى إلى اتخاذ مواقف أكثر استقلالية حتى وإن تسببت في بعض التوتر مع الحلفاء التقليديين.
في هذا السياق، يمكن القول إن التوترات بين فرنسا وإسرائيل، بعد تصريحات ماكرون حول عدم إرسال الأسلحة، هي جزء من تفاعلات أوسع تتعلق بالتوازنات الدولية والإقليمية؛ فبينما تسعى فرنسا إلى الحفاظ على توازن دقيق في علاقاتها الدولية، لا سيما في ظل تعقيدات الشرق الأوسط.
أضف إلى ذلك، دلالات تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي، بأن هدف الحرب الحالية، هو “تغيير منطقة الشرق الأوسط”، أي بمعنى أصح، وأكثر دقة “إعادة رسم خريطتها بما فيها الجغرافية” من جديد، ما يعني إلغاء اتفاقية “سايكس- بيكو” نهائيًا؛ وبالتالي إنهاء آخر وجود فرنسي في المنطقة، وهو أمر لا يمكن أن يكون دون مساعدة وقرار أمريكي، خصوصا في حال عودة المرشح الجمهوري دونالد ترامب إلى البيت الابيض، ومواقفه المعروفة من الرئيس إيمانويل ماكرون.












