رؤى

السودان.. الازدواج الحكومي واحتمالات التقسيم

منذ اندلاع الحرب المفتوحة في السودان، بين الجيش وقوات الدعم السريع، في أبريل 2023، يتجه السودان نحو واقع سياسي وجغرافي شديد التعقيد، تتزايد فيه مؤشرات الانقسام، وتتشظى فيه مظاهر الدولة. وفي تطور خطير، أعلن تحالف “تأسيس” المدعوم من قوات الدعم السريع، في 26 يوليو الجاري، تشكيل “حكومة مدنية انتقالية” تتخذ من مناطق سيطرة الدعم السريع مقرا لها، في وقت ما تزال فيه الحكومة الانتقالية الرسمية بقيادة الجيش السوداني، تمارس سلطتها من مدينة بورتسودان على ساحل البحر الأحمر.

هذا الإعلان، عن حكومة تتخذ من مدينة نيالا بإقليم دارفور، غرب البلاد، يثير تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة حكومة “تأسيس” على التحول إلى حكومة “أمر واقع” في مناطق سيطرتها، ومدى خطورة هذا التحول على وحدة السودان، ومصير الدولة في ظل وجود حكومتين متنازعتين. كما يطرح تساؤلات حول الموقف الإقليمي والدولي من هذا الواقع المزدوج، وحول احتمالات الانزلاق إلى سيناريوهات تقسيم، أو بالأحرى إلى صوملة السودان.

حكومة “أمر واقع”

من المُلاحظ أن تحالف “تأسيس” ليس مجرد غطاء سياسي لقوات الدعم السريع، بل محاولة لتشكيل بنية مدنية بديلة، تسوّغ سيطرة الدعم السريع على مساحات واسعة من غرب ووسط السودان، ولا سيما دارفور. هذا التحالف يضم قوى سياسية ومدنية، بعضها كان على علاقة عدائية سابقة مع الدعم السريع، مثل بعض فصائل الجبهة الثورية. غير أن الحرب غيّرت مواقع الجميع، وأعادت تركيب التحالفات على قاعدة العدو المشترك، لهذه الفصائل، وهو الجيش.

لذلك، فإن إعلان “تأسيس” لحكومة مدنية -برئيس وزراء، ووزارات، وبرنامج انتقالي- ويترأسها قائد الدعم السريع دقلو، لا يمكن النظر إليه بوصفه خطوة شكلية، بل محاولة جدية لإنشاء سلطة موازية في البلاد، في ظل عجز الطرفين عن حسم المعركة عسكريا، ومع تقهقر مظاهر الدولة في السودان، وتفككها الفعلي.

ومن ثم، يكون التساؤل: هل تتحول حكومة “تأسيس” إلى حكومة أمر واقع؟

بالطبع، فإن القياس على معايير الحكومة الفعلية، يُعطي مؤشرات الإجابة على التساؤل.. ولعل أهم هذه المعاير، هي:

– وجود سيطرة فعلية على الأرض.. وهنا، تمتلك قوات الدعم السريع هيمنة عسكرية واسعة في مناطق غرب ووسط السودان، بما فيها أجزاء من العاصمة الخرطوم، وأجزاء من دارفور، والنيل الأبيض. وإذا استطاعت الحكومة التي أعلنها تحالف “تأسيس” أن تُدير تلك المناطق فعليا، فهي في طريقها للتحول إلى حكومة أمر واقع.

– امتلاك أدوات الإدارة المحلية.. وفي ما يبدو، فإن “تأسيس” يحاول إنشاء أجهزة حكم محلي، وهيئات خدمية، وهو ما قد يعزز من سلطته في المناطق التي تقع تحت سيطرة قوات الدعم السريع.

– الحصول على الاعتراف، ولو ضمنيا، من الفاعلين الدوليين والإقليميين.. لا يبدو حتى الآن أن أي دولة قدّمت اعترافا رسميا بحكومة “تأسيس”؛ هذا رغم أن بعض القوى الدولية، والإقليمية، تتعامل مع قوات الدعم السريع بوصفها طرفا سياسيا موجودا، خاصة في المبادرات الأممية والأفريقية.

وعليه، فإن إمكانية تحوّل حكومة “تأسيس” إلى حكومة أمر واقع تبقى قائمة، خاصة إذا استمر تدهور الوضع العسكري لصالح قوات الدعم السريع، في مناطق سيطرة هذه الحكومة، وإذا تمكّنت من تأمين الموارد والبنية الإدارية في هذه المناطق.

ازدواج حكومي

من جهة أخرى، تقود الحكومة السودانية المؤقتة برئاسة الجيش البلاد من بورتسودان، لكنها تعاني من محدودية السيطرة الجغرافية؛ إذ رغم امتلاكها الشرعية الدولية، فإنها تفتقر إلى النفوذ الكامل على الأرض، بما في ذلك أجزاء من العاصمة الخرطوم، وولايات الغرب، وولاية الجزيرة.

ومع تراجع قدرة الجيش على استعادة هذه المناطق، خاصة بعد انسحاب قواته من العديد من المدن، تصبح الشرعية القانونية دون سيطرة ميدانية، وهذا يخلق نوعا من الازدواج السلطوي الخطير. وجود حكومتين في بلد واحد لا يُنذر فقط بانقسام سياسي، بل يُعد تمهيدا فعليا لتقسيم جغرافي، أو على الأقل لتثبيت واقع الانفصال غير المعلن.

وهنا، يمكن التفكير في ثلاثة سيناريوهات محتملة:

1– الانقسام الفعلي مع الاعتراف الدولي المؤجل.. في هذا السيناريو، تستمر الحكومتان في إدارة مناطق نفوذهما، دون قدرة أي طرف على حسم الصراع عسكريًا، بينما يتعامل المجتمع الدولي مع الطرفين بوصفهما “شريكين متنازعين”، كما حدث في ليبيا واليمن. ويمهّد هذا لانقسام فعلي، تمهيدًا لتقسيم قانوني مستقبلي، لا سيما إذا خرجت دارفور أو غيرها بمشروع انفصالي.

2 – التقاسم المؤقت للسلطة تحت مظلة التسوية.. إذ قد تتدخل قوى إقليمية (مثل السعودية أو مصر أو الإمارات)، لإعادة فرض تسوية تدمج بين الحكومة الشرعية وتحالف “تأسيس”، في إطار شراكة أو اتفاق مرحلي. غير أن هذا الخيار يتطلب تنازلات سياسية من الطرفين، وهو ما لا يبدو ممكنا في ظل تشدد الجيش و”تأسيس” معا.

 3– استمرار الحرب وتآكل الدولة السودانية.. في حال فشل التسوية، واستمرار المواجهات، قد ينزلق السودان نحو وضع شبيه بالصومال في تسعيناته: حكومات متنازعة، وزعماء محليون، وتفكك كامل لمؤسسات الدولة، وانتشار الميلشيات، وعودة الحركات الانفصالية، خاصة في دارفور والنيل الأزرق.

مشروع تقسيم

هل نحن أمام مشروع تقسيم حقيقي للسودان؟

ربما يكون الحديث عن “تقسيم السودان” ليس جديدا. فقد حدث فعليا عام 2011 بانفصال الجنوب، ويبدو أن النموذج نفسه قد يتكرر في دارفور أو في مناطق أخرى، لكن بصورة تدريجية. ومن الجدير بالذكر أن قوات الدعم السريع – ذات البنية القبلية الممتدة في غرب السودان – ترى نفسها مُمثِّلة لمصالح مهمّشة تاريخيا، وتسعى لفرض معادلة جديدة بالقوة. وبالتالي، يُخشى من أن تُستخدم حكومة “تأسيس” أداة لإدارة هذا الواقع الجديد، تمهيدا للانفصال أو الفيدرالية القسرية، خصوصا مع خطاب بعض قادة الدعم السريع حول “أحقية الأقاليم في الحكم الذاتي”.

حتى الآن، تتعامل معظم الدول مع حكومة بورتسودان باعتبارها الجهة الرسمية، لكنها في الواقع تتواصل مع الفاعلين على الأرض، بما فيهم الدعم السريع. لكن، هناك صمت مريب من بعض القوى الكبرى، خاصة الولايات المتحدة، تجاه إعلان حكومة “تأسيس”، ما قد يُفهم كنوع من القبول بالأمر الواقع.

أما إقليميا، فإن المواقف متباينة: مصر، ترفض أي تقويض لوحدة السودان، وتدعم الجيش سياسيا، لكنها لا تنخرط عسكريا. وتشاد وجنوب السودان، تخشيان من انتقال الصراع إلى أراضيهما، وتسعيان لوساطات محدودة. أما الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي، فهما يعانيان من الشلل، ما يعزز فراغ الوساطة.

في هذا السياق، أمام السودان الآن مفترق طرق حاسم: إما الذهاب نحو تقاسم السلطة عبر عملية سياسية شاملة، تعالج جذور النزاع وتعيد بناء الدولة، وهو خيار صعب لكنه ممكن بدعم دولي حقيقي.. أو الاستسلام لواقع الانقسام والازدواج السياسي، ما يعني ترسيخ حدود النفوذ، وبداية تفكك دائم للدولة، وربما إعلان كيانات مستقلة مستقبلا. أما الخيار الأسوأ، فهو استمرار الحرب إلى ما لا نهاية، مع تدهور الاقتصاد، وانتشار المجاعة، والتهجير القسري، وتحوّل السودان إلى بؤرة للفوضى الإقليمية.

في هذا الإطار.. يمكن القول إن إعلان حكومة “تأسيس” في السودان ليس مجرد تطور شكلي، بل  مؤشر عميق على مسار الانقسام الفعلي، وتحوّل الصراع من نزاع مسلح إلى ازدواج سلطوي قد يقود إلى التقسيم. وإن لم تتوفر إرادة وطنية وإقليمية ودولية لوقف هذا المسار، فقد يجد السودانيون أنفسهم في القريب أمام حكومتين، ودولتين، وربما وطنين.

حسين معلوم

كاتب وباحث مصري
زر الذهاب إلى الأعلى